الدولة الواحدة مرة أخرى   
الاثنين 1431/2/3 هـ - الموافق 18/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:37 (مكة المكرمة)، 13:37 (غرينتش)


في مقالتنا الشهر الفائت على هذا المنبر (هي الدولة الواحدة), ركزنا بشكل رئيس على بيان ما آل إليه المطلب العربي المسمى "حل الدولتين", وبيان ما ستكون عليه حال الدولة الفلسطينية, إن هي قامت. واستندنا في تشخيصنا ذاك بشكل رئيس على ما يقر به مسؤولو السلطة الفلسطينية المروّجون لذلك الحل, والمضحّون في سبيله بحقوق فلسطينية تاريخية لا تتحقق بدونها لا مواصفات الوطن ولا حقوق المواطنة.

ومنذ نشر مقالتنا تلك, أي في أقل من أربعة أسابيع, استجدت أحداث تثبت ما ذهبنا إليه وتؤكد, ليس فقط عبثية السعي لإقامة ما يسمى بـ"الدولة الفلسطينية" على فتات من أرض فلسطين التاريخية, بل وخطورة كامل النهج الذي أدى إلى هذا الطرح المجزوء, مما شجع إسرائيل على مزيد من الاجتزاء للحقوق الفلسطينية ومزيد من الطمع في المقدرات العربية.

"
التطويع القسري للمقاومين في الضفة جرى تسويقه باعتباره استتبابا للأمن هناك, في لمز بحال غزة مع أن الأخيرة كانت أكثر أمانا رغم الحصار, حتى جاءها الموت والدمار في صورة عدوان متواطأ عليه فلسطينيا وعربيا
"
وهذا ما استوجب أن نعود سريعا لاستكمال الحديث عن حل الدولة الواحدة باعتباره الحل المنطقي, بمعنى القابل للتوافق, لإنهاء هذا الصراع الأطول في تاريخ العالم كله.

أحد هذه المستجدات يتمثل في قيام إسرائيل بقتل ثلاثة من أعضاء شهداء الأقصى التابعين لفتح, كانوا قد سلموا سلاحهم ضمن حملة أجهزة السلطة الأمنية لنزع السلاح الفلسطيني وتطويع المقاومين مقابل ما أسمي "بالعفو" عنهم وفك أسرهم.

وجرى تسويق هذا التطويع القسري باعتباره استتبابا للأمن في الضفة تحديدا, في لمز بحال غزة مع أن الأخيرة كانت أكثر أمانا رغم الحصار, حتى جاءها الموت والدمار في صورة عدوان متواطأ عليه فلسطينيا وعربيا.

ومع أن مثل هذا حدث للضفة عند اجتياحها عام 2002 , كما أوضحنا في مقالتنا السابقة, فإن تسويق القمع والاستسلام على أنه "أمن وسلام" مطلوب ليفي, عند الراعية أميركا والمانحين الأوروبيين, بالتزامات أصحاب النهج الذي بدأ بأوسلو وصولا لخارطة الطريق وحتى خطة دايتون الجاري تطبيقها حاليا.

و"التسويق" هنا يتجاوز المعنى السياسي للمعنى الحرفي الذي يتمثل في دفع أوروبا بضعة مليارات "للمطوِّعين" الذين دخلوا "البزنس" من باب السياسية أو العكس.. وفي الحالين كانت الغلبة لاعتبارات "البزنس" التي عرضنا لإشادة رجال السلطة بها إلى حد تسميتها "نوعا مبتكرا من أنواع العمل الكفاحي".

والأهم هنا أن قتل هؤلاء الثلاثة لم يأت خطأ ولا ضمن تبادل إطلاق نار أو مقاومة اعتقال, بل كان عملية "إعدام" لهم بدم بارد وأمام عائلاتهم. ولكي لا تستطيع حماس الرد على مزاعم السلطة حول أمن الضفة, جرى إعدام مشابه لثلاثة مدنيين غزيين من المسحوقين بفعل الحصار كانوا يجمعون "سكراب" الحديد على حدود غزة المدمرة كي يبيعوها لورشات البناء المفتقرة بشدة لحديد البناء.

وما يجمع من بقايا الحديد لا يشكل لا إعمارا لغزة ولا تهديدا لإسرائيل يستلزم تورطها في إزهاق ثلاثة أرواح في حين هي تساءل دوليا عن جرائمها. ولكن ما فعلته إسرائيل أشبه بنهج الزوج المستبد المعدّد الذي يرى ضرورة ضرب زوجتيه في كل مرة "يؤدب" إحداهما كي لا تنتعش أحلام الثانية في رفع رأسها. وهو ما يجب أن ينذر "الضرائر" العرب الأخريات المجدولة على قائمة توسيع إسرائيل لرقعة نفوذها دون تحمل كلفة الاحتلال أو مسؤولياته القانونية.

فما فعلته إسرائيل بالفلسطينيين الستة على أرض الضفة المحتلة كما في غزة التي انسحبت منها, يؤشر على أن سكان هذه الأرض في حال أسوأ من حال زوجة مقموعة, فهم جميعا أسرى ورهائن لديها محكوم عليهم سلفا بالإعدام دونما عروج على محاكمات وحقوق دفاع وغيرها.. وهي تنتقي من تنفذ فيهم أحكامها ومتى وأين.

والتهمة هي تهديد أمن إسرائيل بالمقاومة, وهو تهديد لن يزول بقيام الدولة الفلسطينية المنزوعة السيادة المهددة في أمنها, أي بما يحتم ردود فعل مقاومة. بل إن مجرد وجود الفلسطيني بتفوق ديموغرافي في محيط إسرائيل الواسع تعتبره إسرائيل تهديدا لأمنها, ولهذا تلاحق اللاجئين المهجرين لتبيدهم في قلب مخيماتهم وملاجئهم, كما جرى في صبرا وشاتيلا وقانا.

الأمر الثاني الذي جرى مؤخرا يؤكد تحديدا ما ذهبنا إليه من أن إسرائيل غير جادة بشأن أي حل غير تكريس الوضع الحالي في الضفة والقطاع, والأهم توسيع رقعته. فإذا كنا قد سمعنا زعماء إسرائيل كافة يعلنون أن شرقي النهر أيضا لهم, وأن من حقهم بالتالي تحويل الأردن لوطن بديل, فإن الأمر بدأ يأخذ منحى تطبيقيا أخبث, ولكنه ليس منحى غير متوقع إذ سبق لعدد من أطياف المعارضة أن حذروا منه, وهو مشروع البينولوكس الثلاثي, الذي أسميت أحدث نسخة منه بـ"كونفدرالية الأراضي المقدسة".

نص المشروع الذي تروج له جهات أميركية قدم لعينة منتقاة من الشخصيات الفلسطينية والأردنية, وبعض اللبنانيين والمصريين, تسمى شخصيات "معتدلة وصديقة أو يمكن أن تكون صديقة لعملية السلام", طالبين تقييمهم لردود الفعل المتوقعة عند طرحه للتنفيذ.

واضح من المشروع الذي كشفت تفاصيله صحيفة "القدس العربي" أن إسرائيل لن تزيد على الوضع القائم فلسطينيا, سوى ضم الأردن إليه, دونما كلفة تحريك جندي أو إطلاق رصاصة. بل إن كبرى المهازل تتمثل في القول بأن ما يسمى بـ"الأطر الأمنية والعسكرية المستحدثة في السياق" مرة, ومرة بـ"القوات الكونفدرالية.. التي يمكن خلطها في بعض المناطق المنتخبة بقوات أممية أو تحمل لافتة القوات الدولية, ستتولى حماية المعابر والحدود البرية والجوية والبحرية" للكونفدرالية المستحدثة.. بما يعني حل الجيش الأردني الذي حارب إسرائيل منذ الـ48, كما جرى حل الكوادر المقاومة في فتح, وإحلال مرتزقة "مستحدثين" على طريقة قوات دايتون محلهم يتصدون نيابة عن إسرائيل للمهمات الخطرة أو القذرة.. وواضح لمن ستكون قيادة هؤلاء الذين سيقفون على حدودنا في مواجهة سوريا ولبنان والعراق والسعودية!! هذا إن لم يتم استكمال إلحاق أو تطويع بعض هذا الجوار لشفط ثرواته.

"
"التنمية" الموعودة والأموال التي ستضخ ضمن "مشروع مالي ودولي ضخم على نمط مارشال", هي فقط لتدويخ تلك الحفنة التي خلطت السياسية بالبزنس لحين اصطيادها, ومن بعدها توضع في القفص المسمى كونفدرالية 
"
وفي كل الأحوال تعود دول المنطقة لحالة حرب ليست باردة بقدر ما هي برسم الإشعال.. مما يعني أن "التنمية" الموعودة والأموال التي ستضخ ضمن "مشروع مالي ودولي ضخم على نمط مارشال", هي فقط لتدويخ تلك الحفنة التي خلطت السياسية بالبزنس لحين اصطيادها, ومن بعدها توضع في القفص المسمى كونفدرالية ويضحى بها كأية فريسة أو رهينة .

ومما يؤكد أن المشروع يهدف لمد الحال الراهن في الضفة الحالية ليشمل الأردن, وليس لخلق اتحاد بين دول يشترط أن تكون كلها ديمقراطية بذات الدرجة ومواطنوها يتمتعون بذات الحقوق على طريقة الاتحاد الأوروبي, أن المشروع الذي يتحدث عن فتح كامل للحدود بين مكونات الكونفدرالية الثلاث "وفقا لنمط الاتحاد الأوروبي", يؤكد على احتفاظ كل دولة "بقوانينها المحلية ونظامها السياسي".

وفي ذلك توظيف مزدوج: لطمأنة السلطات في الطرفين اللذين سيجري ضمهما لحكم إسرائيل من جهة, ومن جهة أخرى لتوظيف تلك السلطات في منع أية معارضة لأية سياسة إسرائيلية بذات الطريقة التي توظف بها السلطة الفلسطينية الآن, وسيجري ذلك بزعم الحفاظ على ما يسميه المشروع "سيادة" تلك الدول.. فيما ستوظف إسرائيل "سيادتها" هي, ناهيك عن متطلبات "أمنها ويهودية دولتها" المنصوص عليهما في المشروع, لتحيل الحدود المفتوحة بين الأطراف الثلاثة لطريق أحادي المسرب يضمن لها فقط دخولا حرا إلى أراضينا, وترحيل سكان القدس وبقية مناطق الاستيطان إضافة لعرب الـ48.

وهؤلاء لن يعتبروا مهجرين يتمتعون بحماية ورعاية القوانين الدولية, بل ستسقط حتى عمن يصنفون حاليا لاجئين هذه الصفة, ويصير الجميع "عائدين" لدولتهم ضمن "كونفدرالية الأراضي المقدسة" تلك, التي نصت على حق اللاجئين في العودة لأراضي الدولة الفلسطينية والأردن فقط. ومع الإخلاء الجاري للضفة, فإن العودة المقننة ستكون حقيقة للأردن فقط, ولمناطق بعينها تؤشر عليها خرائط مشاريع أخرى!!

والبنود المتعلقة باللاجئين وبيهودية الدولة العبرية وأمنها, وهي ذاتها التي تتكرر صراحة وضمنا في كافة ما عقدته إسرائيل من اتفاقيات مع العرب وما تقترحه ليوقع لاحقا, تبين محورية ثلاثة أمور: الأول, أنه لن يسمح بقيام دولة فلسطينية بأية مقومات سيادة أو حتى قدرة على الحياة المستقلة لأن ذلك يعتبر تهديدا وجوديا للكيان الإسرائيلي.. والثاني, ضرورة ربط تلك الدولة بالأردن لتأمين مسرب دائم للفائض الديموغرافي الفلسطيني مما تعتبره إسرائيل مكون التهديد الرئيس لها مما سيحول الأردن لوطن بديل.. وثالثا, تحكّم إسرائيل في الأردن باعتباره المصب الديموغرافي والمعبر الجغرافي -السياسي للمحيط العربي, وساحة الحرب المتقدمة مع ذلك المحيط وأية قوى أخرى مثل إيران.

فحدود الكيان الإسرائيلي التي رسمت بالجدار مطلوب بشدة أن تكون "خطا أخضر", وتلك تسمية, وممارسة أيضا, وطنت إسرائيل الفلسطينيين والعرب على تقبلها وكأنها حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل.. وهو ما حاولنا التصدي له في مقالات سابقة لنا على هذا المنبر وعلى صفحات "الراية" القطرية.

وهذا المشروع ليس جديدا كليا, كما أشارت إليه "القدس العربي", بل يستحضر ويطور أفكارا قدمها بيريز عام 82. ونلفت نظر القارئ هنا إلى أن ارتباط طرح هذه الأفكار بواقعة احتلال عاصمة عربية (بيروت) مؤشر على المخطط التوسعي المتضمن في المشروع الصهيوني القديم المتجدد يجب أن يستوقفنا. ولكن ما يجب أن يستوقفنا أكثر هو كون بيريز مهندس ما أسمي بمسيرة السلام التي أوصلتنا للحال هذا. وبيريز, رغم تكتمه ودبلوماسيته المتسللة, هو الذي أفصح عن حقيقة نوايا إسرائيل بعد توقيع وادي عربة مباشرة, وعند عقد أول مؤتمر اقتصادي جمع إسرائيل بالعرب في الدار البيضاء ضمن سلسلة مؤتمرات كانت مجدولة لتمكين إسرائيل من اقتصاديات العالم العربي.

"
هدف إسرائيل الرئيس من كامل العملية التفاوضية, هو التطبيع الذي يتيح لها التحكم في مقدرات العالم العربي الاقتصادية عبر بوابة تطويع سياسية, ولا نبالغ إن قلنا إنه أحد أهم الأسباب التي تدعو إسرائيل إلى عدم الوصول لحل للصراع
"
فما قاله بيريز حينها ليس فقط هو أن تلك المؤتمرات هدفت لخلق مشاريع إقليمية تزاوج بين التمويل الغربي والأيدي العاملة العربية والتكنولوجيا الإسرائيلية. والأخيرة تعني حقيقة "التحكم الإسرائيلي" بكل التمويل الغربي (إن تدفق على طريقة مارشال) لكون مصادر التكنولوجيا غربية أيضا, واستغلال العرب عمالا زهيدي الأجر سبب آخر لإبقاء القوانين والممارسات المحلية سارية.

ولكن الأهم الذي صرح به بيريز حينها هو نية إسرائيل قيادة العالم العربي سياسيا أيضا حين قال إن العالم العربي جرب قيادة مصر لثلاثين عاما, وإنه آن الأوان لتتولى إسرائيل تلك القيادة!!

وهذا يقودنا لهدف إسرائيل الرئيس من كامل العملية التفاوضية, وهو التطبيع الذي يتيح لها التحكم في مقدرات العالم العربي الاقتصادية عبر بوابة تطويع سياسية. ولا نبالغ إن قلنا إن أحد أهم الأسباب التي تدعو إسرائيل إلى عدم الوصول لحل للصراع, بل تأجيجه بالحروب والاغتيالات والاعتقالات, هو لكونه تحديدا وسيلة ابتزاز للعالم العربي كي يطبع.

فالأنظمة العربية التي أعلنت أنها لن تحارب بتاتا ومهما جرى, وإسرائيل تدرك هذا دون حاجة لإعلان, تجد نفسها محرجة من سلبيتها إن لم نقل أكثر, فتتطوع لدفع الإتاوة.. وهو ما يزيد من طمع إسرائيل. في هذا الإطار تأتي "المبادرة العربية" كأكبر خطأ إستراتيجي.

وكما توقعنا تمسكت إسرائيل بالتطبيع وأسمته "بادرة حسن نية" كالذي أودى بالكثير وبالكثيرين وإسرائيل ما زالت تطلب المزيد.. والآن تريده بخاصة مع السعودية ودول النفط, ومع سوريا لولا أنها تعرف أن سوريا لم تكن جزءا من العرض حقيقة.

يبقى أمر واحد يختلط عنده تعريف "التطبيع" بحيث بات ينتج, في بعض حواشيه, اختلافا أو خلافا حتى بين معارضيه, وهو العلاقة مع الفلسطينيين تحت الاحتلال. والأخير هو كل ما بقي للأنظمة المطبعة لتتذرع به, لكون كل ما عداه ثبت أنه ضد مصالح أوطانهم ومواطنيهم بشكل لا لبس فيه.

ولكن استمرار التطبيع حتى أثناء قيام إسرائيل بمجازرها ضد الفلسطينيين, بحجة إدخال بعض الأدوية والأغذية إلى غزة عبر إسرائيل أو برضاها, أو حل بعض إشكالات إدارة إسرائيل لما تحتله, ذرائع لا تقنع طفلا بعد أن تكشف للعالم أن الحصار وحتى العدوان يجري بتواطؤ, وليس فقط بصمت عرب، في حين أن خرق الحصار ووقف العدوان يقوم به مؤازرون من العالم الخارجي يستقوي الشارع العربي بهم.

ولا ننسى هنا أن العرب قاطعوا الفلسطينيين الذين لم تتمكن إسرائيل من تهجيرهم, بل خونوا من يتعامل معهم باعتبارهم "إسرائيليين" ارتضوا أن يحملوا جواز سفر الكيان الغاصب.

ولكن في المقارنة النهائية نجد أنه رغم معاملة إسرائيل السيئة لعرب الـ48 والنوايا السيئة تجاههم, فإنها لا تملك أن تقصفهم أو تعتقلهم بالألوف, ناهيك عن أن تعدم نصف "دزينة" منهم بلا محاكمة وبدم بارد لأن فلسطينيا آخر قام بعملية ضد إسرائيل.. بل إن إسرائيل لا تملك أن تعامل عرب الـ48 كما تعامل حكومة مصر الآن عرب غزة مثلا.

والسبب أن إسرائيل تريد رضا العالم الذي اشترط لاعترافه بقيامها في الأمم المتحدة أن تكون دولة ديمقراطية لكل سكانها, ولدوام الرضا هي مضطرة إلى أن تكون كذلك ولو بالحد الأدنى. بينما غالبية الدول العربية تريد رضا أميركا وإسرائيل فقط, وتقدم أفدح التنازلات لهما, وجلها تنازلات تتوالى عبر تطبيع سره أخطر من علنه, ولهذا بدأ يودي بما تبقى من وهم استقرار للأنظمة العربية.

في ضوء كل ما عرضناه , نجد أن حل الدولة الواحدة يمثل الضمانة, أولا: لأن تعود كامل الأرض الفلسطينية لأهلها أو يعودوا هم إليها, إن رغبوا, مواطنين جنبا إلى جنب مع اليهود بما ينهي موضوع الصراع.

ثانيا: هو ينهي التعامل العنصري الإقصائي وحتى التصفوي مع الشعب الفلسطيني بما يرقى لهولوكوست موثق, وهو ما لا يمكن أن يستمر دون نتائج كارثية تتجاوز إسرائيل ومحيطها.

ثالثا: هو يوقف مد التطرف والعنف المتبادل الذي عم المنطقة وتجاوزها إلى العالم كله, بتجفيف أهم منابعه قبل أن يستقر كحالة استقطاب أيدولوجي غيبي قائم بذاته ولذاته, مما يطلق صراعا دمويا طويل الأجل ثبت أن "حوار الأديان" فيه فاشل فشل الحلول العسكرية مهما بلغت إمكاناتها التدميرية أو الاستخبارية.

"
حل "الدولة الواحدة" هو الحل السياسي الممكن للصراع, وكأي حل سياسي هو ليس مثاليا, بل يتضمن "تنازلات موجعة" فعلا للعرب جميعا وليس فقط للفلسطينيين, وهو الضمانة لأن تعود كامل الأرض الفلسطينية لأهلها أو يعودوا هم إليها
"
في حين أن حل الدولتين "اليهودية" والفلسطينية, يحتم أن تكون الثانية, عاجلا أم آجلا "إسلامية" بذات تطرف الدولة اليهودية التي لا تقبل حق الجار في بناء جداره هو أيضا, أو مجرد إغلاق بابه, بل تريد أن تمارس دور الولي والوصي عليه.

رابعا: هو يطمئن الدول العربية بحيث لا تضطر لدخول تحالفات إقليمية تعيد المنطقة لحالة استقطاب أشد مما كانت عليه زمن الحرب الباردة.

خامسا: هو يضع حدا لمعضلة "التطبيع" لكون التطبيع يصبح مطلبا لدولة "فلسطينية" بقدر ما هي "عبرية", وسيخضع حتما لمصالح الدول والشعوب التي ستتغير في الوضع الجديد, بحيث يصبح التطبيع "طبيعيا" أكثر في أوجه رفضه أو قبوله على السواء.

هذا هو الحل السياسي الممكن للصراع. وكأي حل سياسي هو ليس مثاليا, بل يتضمن "تنازلات موجعة" فعلا للعرب جميعا وليس فقط للفلسطينيين, بدءا بالاعتراف بمواطنة مساوية على أرض فلسطين لمن أتوا محتلين مستوطنين, وانتهاء بقبول التعايش مع هؤلاء رغم كل ما اقترفوه.. ولكن الخيار هو إما هذا , وإما أن حرب التحرير من النهر إلى البحر تكون استحقت حتى على أكثرنا اعتدالا وجنوحا للسلام وإن لم يكن عادلا.. ولا أحد ينكر أن التحرير وطرد المحتل هو النهاية الأكثر عدلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة