ضرب العراق بين خوف الأنظمة وعجز الشعوب   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ محمد جميل بن منصور

يوما بعد يوم تتأكد نوايا الولايات المتحدة الأميركية لضرب العراق وتواصل الآلة الأميركية العسكرية استعداداتها لساعة الصفر ويضاعف المسؤولون الأميركيون مدعومين في ذلك بإعلام أميركي واسع الانتشار تصريحاتهم وتأكيداتهم أنهم قادمون وعلى الحرب ضد الرئيس العراقي صدام حسين مصرون.


ينتظر العراق ضربة أميركية –أصبحت في حكم المؤكد- وهو بين خوف أنظمة تنكرت لعطائه أيام العز وحتى بعد حرب الخليج وآثارها.. وبين عجز شعوب فتر حماسها وتمكن في نفوسها الخوف من ضباط وكلاب الأمن العربي
وزير الخارجية الأميركي كولن باول لم يخف امتعاضه من مناقشات مجلس الأمن مؤكدا أنهم لا يستطيعون مواصلة النقاش بلا نهاية وشدد على هامش قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ على أن بلاده وصلت إلى المرحلة التي يتعين فيها اتخاذ بعض القرارات الحاسمة في مجلس الأمن هذا الأسبوع.

أما الرئيس جورج بوش فكان أكثر وضوحا حين قال في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس المكسيكي إن الولايات المتحدة ستقود تحالفا دوليا لنزع للأسلحة العراقية (وهو مصطلح يعبر عن الحرب) في حال إخفاق الأمم المتحدة في ذلك، وواضح من خلال خطوات الإدارة الأميركية أنها وضعت قانون تحرير العراق "الذي صادق عليه الكونغرس موضع التنفيذ كما صرح المسؤول الإستراتيجي في وزارة الدفاع بول وولفوتيز أن تغييرات جذرية يجب أن تطرأ بسرعة على نظم الحكم في دول محور الشر وبخاصة العراق وإيران للقضاء على تهديداتها لأمن دول العالم الحر ولإقامة نظم ديمقراطية".

وتؤكد استعدادات دول المنطقة وخصوصا دولة الكويت النية العدوانية الأميركية هذه فالتلفزيون الكويتي يعرض كل مرة أنواع الاستعدادات والصفارات والهيئات عندما تبدأ الحرب، والاتصالات والزيارات مكثفة بين الدول المحيطة بالعراق لتحدد موقعها وموقفها من حرب لا تريدها ولكن تخافها وتخاف تداعياتها على استقرارها ومستقبلها.

مواقف مترددة أو متحفظة
لا يشك أحد في دوافع إدارة بوش، ويشكك الكثيرون في الأسباب المعلنة وكما يقول الدكتور برهان غليون "ونحن نعرف بالتأكيد أنه لا الديمقراطية ولا السلام والأمن ولا التنمية من الأهداف التي تحرك الولايات المتحدة وتدفعها للتفكير في ضرب النظام العراقي في سياق الحرب المعلنة على الإرهاب ولا يمكن أن تكون هذه أهدافها، فالدول لا تكلف نفسها مهام تحقيق مصالح شعوب غير شعوبها". ولا شك أن وضوح الأهداف الأميركية من الحرب المنتظرة ساهم في المواقف المترددة والمتحفظة والمتوجسة لمختلف دول العالم.


  • روسيا تعارض العدوان الأميركي على العراق وترفض الاتصال بالمعارضة العراقية وهو نفس الموقف الذي اتخذته فرنسا التي هددت بإمكان تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن إذا لم تتفاهم مع واشنطن
    فروسيا –حتى الآن وقبل أزمة الغاز التي طلبت الولايات المتحدة عينات منه وقد يشكل عامل ضغط على الكرملين– تعارض العدوان الأميركي على العراق وترفض الاتصال بالمعارضة العراقية وهو نفس الموقف –مع تغيير في الصياغات لا يغير من المضمون شيئا كبيرا– الذي اتخذته فرنسا التي هددت بإمكان تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن إذا لم تتفاهم مع واشنطن.
  • أما المستشار الألماني شرودر فقد أعلن أن ألمانيا تعارض التدخل العسكري ضد العراق معتبرا أن تسوية أزمة الشرق الأوسط أولى، كما شدد على أن تقسيم العمل الذي يفرض على الألمان دفع فاتورة ولو كانوا غير جاهزين قد انتهى (في إشارة إلى 8 مليارات يوروات دفعتها في حرب الخليج الثانية).
  • ويمتاز الموقف الأوروبي –باستثناء بريطانيا التي يعارض شعبها أو أغلبيته موقف حكومتها المؤيد بلا حدود للسياسة الأميركية ضد العراق- بقدر كبير من التحفظ ترجمه الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان حين كتب "أن الرئيس بوش يعتقد أن إيران والعراق وكوريا الشمالية هي محور الشر والأوروبيون يعتقدون أن دونالد رمسفيد وديك تشيني وكوندوليزا رايس هم محور الشر".

في مواجهة هذا الوضع أين هو الموقف العربي؟ وأين موقعه بين الإدارة الأميركية بإعلاناتها وصرامة موقفها وبين الأوروبيين وتحفظاتهم التي تصل لحد المعارضة بالصوت المرتفع؟.. وكيف تنظر الأنظمة العربية للأزمة؟ وأين تقف من الحرب المنتظرة؟.. وماذا عن الشعوب ولماذا السكوت والفتور؟.


اتخذ النظام العراقي موقفه وحدد مسار وجهته، فهو يدرك أن قرار الحرب تم اتخاذه وأن الولايات المتحدة تبحث عن غطاء دولي ولن يعرقلها عدم وجوده ويحاول أن يجمع بين مرونة المواقف وضرورات التعبئة
خطوات عراقية
النظام العراقي اتخذ موقفه وحدد مسار وجهته فهو يدرك أن قرار الحرب تم اتخاذه وأن الولايات المتحدة تبحث عن غطاء دولي ولن يعرقلها عدم وجوده ويحاول أن يجمع بين مرونة المواقف وضرورات التعبئة. فقد قبل عودة المفتشين، وجدد الثقة في الرئيس صدام حسين الذي بادر بإطلاق سراح السجناء الذين يبدو أن عددهم لم يكن قليلا، حاول العراق كذلك تعبئة الصف العربي

  • تقريبا لسوريا وعطاء لها واستعطافا للدول العربية المهمة.
  • واستنهاضا للقوى البرلمانية والشعبية، وكان التئام الجلسة الطارئة للاتحاد البرلماني العربي بحضور 19 دولة عربية في بغداد أهم مظاهره.

لكن الأنظمة العربية تبدو خائفة إلى درجة الذعر من الإدارة الأميركية، صحيح أن أغلبها أعلن رفضه للعدوان على العراق وتقسيمه مع مصاحبة ذلك بتصريحات تدعو بغداد لقبول القرارات الدولية وعدم إعطاء سبب لعدوان عليها.. صحيح أن مصر وسوريا والسعودية سجلت اعتراضها على بعض العناصر التابعة للولايات المتحدة في كردستان العراق.

قرب عربي للخطوة الأميركية
ولكن تطور الأحداث يؤكد أن الحكومات العربية لا تذهب بعيدا في معارضتها للخطوة الأميركية:

  • فالكويت بدأت مناورات مشتركة مع قوات غربية -أميركية بالأساس– وقيل إنها أغلقت ربع مساحتها الذي تستغله القوات الأميركية.
  • والسعودية تقع بين ضغط آلة إعلامية ما زالت تتهمها بعلاقة من نوع ما بإرهاب القاعدة وطالبان دعما وتمويلا ورعاية وبين معلومات عن إمكانية تقسيمها على ولايات اتحادية في الحجاز ونجد والمنطقة الشرقية وعسير.
  • وأما مصر فلا يمكن لها وهي تتخذ مواقفها أن تنسى ملياري دولار تعطيها واشنطن إجارة على اعتدال مصر ودخولها السرب الأميركي.
  • أما سوريا –ومع فهمها لطبيعة السياسة الأميركية في المنقطة- فلا تريد معارضة تيار غلب بالقوة ولا يمكنها نسيان نزاعها التقليدي مع العراق.
  • ويتميز الأردن بأن اعتراضه على استخدام أراضيه في الهجوم بدأ في الخفوت، وأوراق الضغط عليه تبدو فعالة سواء منها تهجير الفلسطينيين أو تقليص العطاء الأميركي السنوي.

وتجد معظم هذه الأنظمة في قولها –ولو كانت أول الشاكين في ذلك- أن إسقاط صدام حسين، وهو ما لا يزعجها، شيء وإسقاط العراق أو تدميره شيء آخر.

لكن مواقف الأنظمة العربية لم تكن مفاجئة لأنها وببساطة تخاف من أميركا واتخذ أهمها موقفا داعما للولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية وأخذ مقابله ولا تريد الخسارة الآن.


الأنظمة العربية تبدو خائفة إلى درجة الذعر من الإدارة الأميركية وأغلبها أعلن رفضه للعدوان على العراق وتقسيمه مع مصاحبة ذلك بتصريحات تدعو بغداد لقبول القرارات الدولية وعدم إعطاء سبب لعدوان عليها
لماذا صمتت الشعوب؟
لكن المفاجئ هو موقف الشعوب العربية ونخبها السياسية فالملاحظ للشارع العربي سيلاحظ سكوتا لحد الموت لا ينسجم مع طبيعة الموقف الذي قد يؤدي لتدمير العراق تماما والمواصلة في استهداف دول عربية مهمة أخرى مثل السعودية وسوريا والسودان.

  • صحيح أنه صدرت بيانات من الأحزاب والجماعات تندد بالعدوان على العراق.
  • واستجاب بعض البرلمانيين والسياسيين لدعوات العراق ومؤتمراته.
  • وصحيح أن القطاعات الواسعة من الشعوب العربية تعارض العدوان الأميركي هذا وربما عبر بعضها بشكل محدود هنا وهناك عن هذا الموقف.

عدم خروج مظاهرات كبيرة ومسيرات حاشدة في العواصم العربية مثير للاستغراب.. ولعل أهم أسبابه هو:

  • خوف الأنظمة واستعدادها للقمع الشديد حين يتحرك أنصار العراق في الشارع.
  • ثم عجز هذه الشعوب عن استمرارها في التظاهرات المؤيدة لفلسطين والمنددة بما يقع لأهلها، ومن عجز عن فلسطين فهو عن غيرها أعجز.

ورغم أن تحليلات الكتاب في الصحافة العربية وتصريحات السياسيين في الأحزاب العربية وإعلانات الأئمة في المساجد العربية تتفق كلها على فهم النية الأميركية المنتظرة وتدرك الفرق بين العراق شعبا وكيانا –وهو ما لا يختلف في حمايته والدفاع عنه- والعراق نظاما وسياسة وهو ما يختلف في تقويمه والحكم عليه –ولا يملك غير الشعب العراقي الحسم في شأنه-، فإن هذه الرؤية لم تترجم في شوارع القاهرة ودمشق والرياض والرباط وصنعاء الأمر الذي يشجع الأنظمة في خوفها ويدفع الولايات المتحدة إلى المواصلة في غيها دون تردد ولا استبطاء.

العراق ينتظر ضربة أميركية –أصبحت في حكم المؤكد- وهو بين خوف أنظمة تنكرت لعطائه أيام العز وحتى بعد حرب الخليج وآثارها، وبين عجز شعوب فتر حماسها وتمكن في نفوسها الخوف من ضباط وكلاب الأمن العربي.

_______________
*كاتب ومحلل موريتاني، الأمين العام للرباط الوطني لمقاومة التطبيع وحماية القدس في موريتانيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة