كيف نفهم إستراتيجية الأمن القومي عند بوش؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ منير شفيق*

باختصار شديد يقول بوش إن أميركا تتمتع الآن بقوة عسكرية وتكنولوجية لا تضاهى ولم يسبق لها مثيل. وهذه القوة تضع عليها مسؤولية إقامة نظام دولي جديد تحدده هي بمفردها وتعمل على ديمومته واستمراريته من خلال إستراتيجية "الحرب الوقائية" و"الضربات الاستباقية"، وذلك للحيلولة بين أي دولة والاقتراب من تطوير أسلحة الدمار الشامل لمنافسة الولايات المتحدة الأميركية.


المخرج يكون عبر إستراتيجية عسكرية عالمية تحقق دكتاتورية عسكرية أميركية، وهذه يمكنها أن تستتبع بالضرورة دكتاتورية اقتصادية وسياسية وثقافية رضي من رضي وغضب من غضب
وتطبيق هذه الإستراتيجية يفترض تغيير كل المعادلة الدولية التي قام عليها النظام العالمي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، بل يصل الأمر إلى التخلي عن كل المعاهدات والاتفاقات الدولية منذ معاهدة وستفاليا في القرن السادس عشر والتي أقرت بسيادة الدولة على أراضيها.

ومن هنا نفهم لماذا يقول بوش لأعضاء مجلس الأمن الآخرين: إذا لم يوافق المجلس على المشروع الأميركي المعدل حول عمل لجان التفتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية في العراق فلا قيمة لهذا المجلس ولا أهمية. فأميركا عندئذ ستتصرف منفردة وتفرض على الجميع ما تريد.. وهذا يعني ضرب عرض الحائط بالمنظمة الدولية وميثاقها وإعلاناتها ومنظماتها وبالقانون الدولي وكل الاتفاقيات المشتركة التي وقعتها هي نفسها (وبالفعل انسحبت إدارة بوش حتى الآن من 14 اتفاقية دولية)، ليصبح العالم عندئذ بلا ضابط ولا قانون دولي فيأسره قانون الناب والمخلب.. إنها الفوضى والحروب والانفلاتات والويلات. ولكن إذا ظنت أميركا أن باستطاعتها وحدها ضبط العالم وإخضاعه لإرادتها فستكون واهمة ذهب بها غرور القوة كل مذهب.

لقد حاربت أميركا دائما حتى الآن من خلال تحالف مع أوروبا الغربية وسعته في بعض الحالات كما حدث في حرب الخليج الثانية ليشمل الاتحاد السوفياتي وعددا من الدول العربية وغالبية من دول العالم بعامة، وكان ذلك سببا رئيسيا في قوتها. ولكنها حين تحارب منفردة فإنها ستضعف كثيرا لأن ميزان القوى لا يتشكل من خلال القوة العسكرية وحدها ولا يتحقق ضمن مبارزة ثنائية أو في حلبة ملاكمة، وإنما يكون ميدانه العالم كله فتختلط وتتشابك فيه عشرات العوامل، وهذا كله تريد أميركا إلغاءه الآن لتستبقي عامل القوة العسكرية وحده، الأمر الذي يتعارض مع سنن العلاقات بين الدول والشعوب وتدافعها.

الإشكال الآخر هو أن عقلية الانفراد وعدم الاعتماد على الحلفاء لا تضعف أميركا وإنما أيضا يحوّل الحلفاء الأقوياء والدول الكبرى الأخرى إلى مستهدفين هم أنفسهم من جراء تلك العقلية. بل إن خلفيات التفكير الذي كان وراء إستراتيجية الأمن القومي الأميركي هي استهداف أوروبا وروسيا والصين واليابان.

ولكي نفهم هذه النقطة الأخيرة أكثر يمكن العودة إلى القراءات المتعددة التي سبقت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول والتي أسهم فيها عدد من المنظرين الذين أصبحوا الآن في قلب دوائر اتخاذ القرار في إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش من أمثال نائب وزير الدفاع الأميركي بول ولفويتز ورئيس اللجنة الاستشارية لرسم السياسة الدفاعية ريتشارد بيرل وغيرهما.


عقلية الانفراد وعدم الاعتماد على الحلفاء لا تضعف أميركا فقط، وإنما تحوّل أيضا الحلفاء الأقوياء والدول الكبرى الأخرى إلى مستهدفين من جراء تلك العقلية
لقد بدأ هؤلاء المنظرون ينتقدون سياسات إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون باتهامها بالضعف والتردد وتعريض مصالح الولايات المتحدة للخطر، خصوصا بسبب ما اعتبروه ملاينة لأوروبا وروسيا والصين وحتى للدول العربية. بل ثمة مقالة لريتشارد بيرل عام 1996 دعا فيها رئيس وزراء حكومة الدولة العبرية في حينه بنيامين نتنياهو إلى الانسحاب من اتفاق أوسلو وإعادة احتلال مناطق (أ). ويكفي أن يشار في هذا الصدد إلى أن جورج بوش نفسه أثناء المعركة الانتخابية عام 2000 قال إن أميركا تعامل بمذلة من قبل الدول الأخرى، أي أنها أصبحت فاقدة الهيبة.

هذه بالطبع نماذج قليلة من المقدمات التي تقود العقلية الحاكمة الآن في الولايات المتحدة خلاصتها بالضبط أن أميركا يجب أن تخرج من اللعبة الدولية الجارية لتفرض هي قوانين اللعبة مادامت تمتلك القوة العسكرية المتفوقة التي يمكن من خلالها منافسة الدول الكبرى الأخرى وإخضاعها. أما في المجال السياسي كما المجال الاقتصادي، فالمنافسة الحرة ستعود على الولايات المتحدة بالخسارة.

وقد نمت هذه الفكرة منذ عام 1998 عندما بدأ الركود يضرب الاقتصاد الأميركي وعاد العجز يتصاعد مرة أخرى وبشكل خطير. كما تغذت من الفشل تلو الفشل الذي راحت تمنى به المواقف الأميركية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة أو في المنظمات والمؤتمرات الدولية. فالمخرج إذن يكون من خلال إستراتيجية عسكرية عالمية تحقق دكتاتورية عسكرية أميركية، وهذه يمكنها أن تستتبع بالضرورة دكتاتورية اقتصادية وسياسية وثقافية رضي من رضي وغضب من غضب، أي أن عولمة اقتصادية جديدة غير تلك العولمة التي عبرت عنها اتفاقات منظمة التجارة العالمية، راحت تضرب بقرونها. وعليه نقيس بقية المجالات بالضرورة.


أميركا في الإستراتيجية الجديدة تريد أن تمسك بالنفط وأنظمته بطريقة تسمح لها باستخدامه سلاحا في صراعها السياسي الاقتصادي مع الدول الأخرى، وهذه مرتبة في الاستحواذ أعلى مما هو جار الآن
من هنا ندرك بعمق لماذا قامت كل تلك المعارضة العالمية ضد شن أميركا للحرب على العراق. فالدول الكبرى -حتى بريطانيا- تتحسس رأسها ومكانتها الدولية ومستقبلها الاقتصادي ومصالحها العليا والدنيا كذلك، لأن التحكم العسكري يستتبع تحكما سياسيا، وهذا وذاك يستتبعان تحكما اقتصاديا. أي أن الدول الكبرى الأخرى -وفي بضع سنين- ستهبط إلى مرتبة دول العالم الثالث بالضرورة.

ولنأخذ مثلا واحدا فقط، وهو أن تتمكن أميركا من أن تضع يدها على نفط العراق وبتحكم كامل، أي بأكثر مما هو حاصل مع غيره، لأن المعادلة الحالية أبقت للدول النفطية هامشا استقلاليا كما عبرت عن ذلك منظمة أوبك في أكثر من مناسبة. ولأن أنظمة النفط الحالية تبيع النفط للمشتري في السوق العالمية، فأميركا في الإستراتيجية الجديدة تريد أن تمسك بالنفط وأنظمته بطريقة تسمح لها باستخدامه سلاحا في صراعها السياسي الاقتصادي مع الدول الأخرى. وهذه مرتبة في الاستحواذ أعلى مما هو جار الآن، ولهذا يخطئ من يقول إن الوضع الراهن النفطي وغير النفطي مريح لأميركا فلماذا تغيره؟ والجواب أنها لا تريد وضعا مريحا فحسب وإنما تريد سيطرة كاملة غير منقوصة. وبهذا تفهم الإستراتيجية الأميركية الجديدة وتدرك الممانعات الدولية التي راحت تواجهها دوليا وشعبيا ورأيا عاما داخليا وعالميا.

_______________
* مفكر وكاتب ومحلل سياسي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة