سياسيون بلا سياسة في العراق   
الثلاثاء 1432/8/26 هـ - الموافق 26/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:11 (مكة المكرمة)، 8:11 (غرينتش)


درجنا على تعريف السياسة باعتبارها "فن الممكن" تعبيراً عن الواقعية السياسية والبرغماتية، بمعنى أنها "صراع واتفاق مصالح"، ولكننا حين نتحدث عنها بوصفها علماً، أي إدارة وتدبيراً وتنظيماً، سنقصد بها "علم إدارة الدولة"، ولكنها من جهة أخرى عملية خلق غير محصورة بمجموعة معيّنة من الناس في المجتمع، بل إنها تشمل المجتمع برمته أو جميع الناس.

ولعل هذا المفهوم يعود إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس الذي اعتبر السياسة نشاطاً إنسانياً بهدف تحقيق المصالح والمنافع العامة والمشتركة، ولذلك لا يمكن حصرها بنشاط السلطة السياسية، بل تتجاوزها إلى ما يطلق عليه الفيلسوف الألماني هابرماز الفضاء العام.

لكن السياسة في العراق جرى "تأميمها" لنحو ثلاثة عقود من الزمان واعتبرت حكراً على مجموعة صغيرة، تقلّصت بالتدريج، لا سيما حين ذابت الهوامش المتبقية من حرية التعبير والحق في التنظيم والحق في المشاركة في ظل النظام الشمولي، وتمركزت السلطات جميعها بيد شخص واحد مطلق الصلاحيات، وكاد العراقيون أن ينسوا السياسة والعمل السياسي.

"
تحوّلت السياسة من منافسة مشروعة بين القوى والكتل والأحزاب والشخصيات في البرامج والممارسات لتقديم الأفضل والأحسن للمواطن، إلى توزيع للمناصب والمسؤوليات والمكاسب دون أي إحساس بمعاناة الناس
"
وإذا كانت أبواب السياسة قد انفتحت، فقد صاحبتها فوضى غير معهودة، بل منفلتة من عقالها، حيث انخرطت فئات وطوائف وأديان وعشائر وعوائل ومناطق وأحزاب وشخصيات في أتون العمل السياسي والمدني، مما دفع بالحيتان الكبيرة، إلى ابتلاع الأسماك الصغيرة.

وقد تم ذلك خصوصاً في ظل نظام المحاصّة الطائفية والإثنية الذي وضعه بول بريمر الحاكم المدني الأميركي في العراق (من مايو/أيار 2003 إلى يونيو/حزيران 2004) في مجلس الحكم الانتقالي الذي لم يشف العراق منه على الرغم من مرور ثماني سنوات وإجراء انتخابات مرتين، لكنها أعادت إنتاج ما هو منتج، لا سيما في ظل قانون انتخابات رديء.

وتحوّلت السياسة من منافسة مشروعة بين القوى والكتل والأحزاب والشخصيات في البرامج والممارسات لتقديم الأفضل والأحسن للمواطن، إلى توزيع للمناصب والمسؤوليات والمكاسب دون أي إحساس بمعاناة الناس المكتوين بالإرهاب والعنف وشحّ الخدمات، لا سيما الكهرباء والماء الصافي والنقص الفادح في قطاعات الصحة والتعليم وتفشي البطالة، ناهيكم عن استشراء ظاهرة الفساد المالي والإداري، بما فيها تزوير الشهادات التي اضطرت البرلمان إلى اقتراح مشروع قانون للعفو عنها لكثرة عدد المزوّرين.

ولعله بسبب غياب السياسة، لم يتوصل السياسيون إلى اتفاق بشأن تشكيل نهائي للوزارة على الرغم من انقضاء نحو عام وأربعة أشهر على الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مارس/آذار 2010، تلك الانتخابات التي كانت نتائجها الأكثر إثارة للجدل في تاريخ العالم، وحتى بعد تشكيلها ظلّت الوزارات الأمنية (الدفاع والداخلية والأمن الوطني) شاغرة.

وكانت المعركة قد بدأت بما سمّي بالاجتثاث ولم تنته بوقف تطبيق القانون بحق عدد من المجتثين، بل وتعيينهم في مناصب رفيعة، ثم انتقلت إلى حسم الأصوات الانتخابية وبعدها اتجهت إلى تحديد القائمة الفائزة أو الكتلة الفائزة.

وحتى عندما قضت المحكمة الاتحادية بأن الكتلة الفائزة في البرلمان هي غير القائمة التي حصلت على أعلى المقاعد، احتجّ الآخرون ونددوا بتسييس القضاء، مثلما احتجّ خصومهم عندما تم تأجيل البت في قضايا المجتثين إلى ما بعد الانتخابات، وهلل الذين صدر القرار لصالحهم بنزاهة القضاء العراقي، ولكن عندما أعادت المحكمة قرارها بتأكيد شمول البعض بالاجتثاث، عاد التنديد والاتهام إلى القضاء غير المستقل والموجّه من طرف متسيّد في الحكومة.

لعل عنصراً جديداً للأزمة العراقية دخل بعد اتفاق أربيل ونعني به مجلس السياسات الإستراتيجية الذي قيل إنه صيغ أو فُصّل لترضية الدكتور إياد علاوي رئيس القائمة العراقية الذي خسر منصب رئيس الوزراء، وطالب في وقت متأخر بمنصب رئاسة الجمهورية، الذي سارع جلال الطالباني لملئه قبل فوات الأوان، فتم إيجاد منصب مواز للمنصب الأول، وهو منصب لا يريده بروتوكوليا مثل الثاني، على الرغم من أن ذلك يتعارض مع الدستور.

"
إذا كان السياسيون العراقيون يبذلون الكثير من الوقت والجهد للحصول على المواقع لقوائمهم أو أحزابهم أو طوائفهم أو مذاهبهم أحيانا، فإن القليل منهم يصرف ما كان يمكن ادّخاره من قوى الصراع العبثي على السلطة من أجل حل مشاكل البلد المستعصية
"
وإذا كان السياسيون العراقيون يبذلون الكثير من الوقت والجهد للحصول على المواقع لجهة قوائمهم أو أحزابهم، أو باسم طوائفهم أو مذاهبهم أحياناً، فإن القليل منهم يصرف ما كان يمكن ادّخاره من قوى الصراع العبثي على السلطة، من أجل حل مشاكل البلد المستعصية، لا سيما الاحتياجات الحياتية والخدمية والأمنية للمواطنين، الذين باتوا بلا طموحات كبرى أو أحلام وردية تلك التي وعدوا بها.

ولعلّ الحكومة التي تم تشكيلها بعد جهد جهيد في ديسمبر/كانون الأول 2010 لا تزال تتحدث عن مشاريع وخطط ومساءلات دون أن تقدّم شيئاً ملموساً وضرورياً على هذا الصعيد، لا سيما بعد الاحتجاجات والمظاهرات في ساحة التحرير ببغداد وغيرها من المدن العراقية.

وقد انتهت مدة المائة يوم التي حددها رئيس الوزراء دون إحراز شيء يُذكر، وظلّ المشهد السياسي محتدماً حول المناصب الوزارية، كما أن فراغ الوزارات الأمنية لا يزال معضلة وكأنها مستعصية الحل.

وينتظر البرلمان مناقشة تشريعات ومشاريع قوانين مكدّسة، في حين فشل في الدورة الماضية في تعديل الدستور، حين تم تحديد فترة أربعة أشهر بعد انعقاد أول جلسة له، وانتهت أربع سنوات ونيف وأعقبها أكثر من عام وأربعة أشهر ولا يزال الوضع على حاله دون حل.

وتنتظر نحو خمسين مادة سنّ قانون بموجبها لكي تصبح نافذة، لكن الوقت يمضي، والدستور رغم الكثير من الألغام التي احتواها لا يزال معلقاً بحكم تعويمه وعدم إنجاز مشاريع القوانين وإقرارها تلك التي جاءت عليه مواده.

وكان لاندلاع المظاهرات والمواجهات التي شهدتها ساحة التحرير أن ازدادت حدّة الصراع بين القوى المتنافسة، حيث كان كل فريق يريد إلقاء اللوم على خصمه.

وساهمت في استقالة محافظين وتوترات جديدة بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات، وكذلك احتكاكات جديدة بسبب دعوة رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي من واشنطن إقامة إقليم للسنة أو انفصاله، معبّراً عن هموم ومشاعر السنّة بالإقصاء والتهميش.

وكذلك ردّ رئيس الوزراء العراقي الغاضب، الأمر الذي أثار استياء حكومة إقليم كردستان وكذلك رئيس الإقليم مسعود البارزاني، الذي اعتبر مطالبة النجيفي حقاً مكفولاً دستورياً، مع عدم نسيان التنديد بمخالفة أحكام الدستور، في إشارة إلى تصريحات رئيس الوزراء العراقي.

"
كيف ستنفذ الوعود الاقتصادية المعسولة التي سمع عنها المواطن طيلة ثماني سنوات بعد انتظار زاد على ربع قرن من الحروب والحصار والدكتاتورية، ثم الاحتلال والفساد والطائفية وملحقاتها من المحاصة والإرهاب والعنف وغياب وضعف مرجعية الدولة؟
"

ولم يكن الأمر بعيداً عن حالة الترقب بشأن مستقبل القوات الأميركية في العراق لجميع القوى، باستثناء حكومة إقليم كردستان التي عبّرت على نحو صريح وواضح عن تأييدها لبقاء القوات الأميركية في العراق ورغبتها في توقيع اتفاقية جديدة بعد انتهاء مفعول الاتفاقية العراقية الأميركية الموقعة في العام 2008 في نهاية العام 2011.

وإذا كان موقف جماعة مقتدى الصدر واضحاً برفض بقاء القوات الأميركية في العراق، فإن بقية القوى بما فيها القائمة العراقية والتحالف الوطني العراقي ومن ضمنه دولة القانون ظلّت مواقفها عائمة، وإن كان الاعتقاد السائد أن القوى جميعها ترغب في بقاء القوات الأميركية في العراق، لأن ذلك يتعلق بمصيرها ومستقبلها.

وقد لوح وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس، وخلفه ليون بانيتا الذي زار العراق مؤخراً برغبة واشنطن في بقاء قواتها في العراق، وأن على العراقيين الاستعجال في طلب ذلك.

لا أدري كيف يستطيع السياسيون وهم في خضم الصراع الماراثوني غير العقلاني وغياب وحدة الإرادة والعمل في حكومة سمّيت بالشراكة الوطنية، يتباعد أطرافها لدرجة التشتت ويتربص أحدهم بالآخر إلى حد الاتهام، أن يعالجوا مشكلات البلد، خصوصاً وهم مستغرقون في توزيع المناصب؟

ثم كيف ستنفذ الوعود الاقتصادية المعسولة التي سمع عنها المواطن طيلة ثماني سنوات بعد انتظار لمدة زادت على ربع قرن من الحروب والحصار والدكتاتورية، ثم الاحتلال والفساد والطائفية وملحقاتها من المحاصة والإرهاب والعنف وغياب وضعف مرجعية الدولة؟

وإذا كان حراك سياسي واجتماعي قد بدأ في العراق منذ الاحتلال، على الرغم من محاولات التضييق على حرية التعبير وتدهور الوضع الأمني والاغتيالات الجديدة للعلماء والأكاديميين، فإن السياسيين ما زالوا بعيدين عن فعل التأثير الإيجابي.

وفي الغالب فهم يعملون بدون عدّة، أي بدون سياسة، والأمر سيزيد احتمالات تفاقم الوضع، لا سيما عشية التوقيع على اتفاقية عراقية أميركية جديدة، أو الالتفاف على التسمية، بتوقيع بروتوكولات بين بعض الوزارات العراقية ومثيلاتها الأميركية، دون مرور ذلك على البرلمان، وهو أحد الاحتمالات المطروحة حالياً.

أيكون مجانبة للحقيقة حين يتم القول إن السياسيين في العراق بلا سياسة؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة