إنما الأمم بالأخلاق   
الأحد 1430/9/24 هـ - الموافق 13/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:10 (مكة المكرمة)، 14:10 (غرينتش)


نشرت الجزيرة نت قراءة فهمي هويدي لتقرير "مؤشرات السير والسلوك في المجتمع المصري". ويمكن سحب استنتاجاته على أقطار الوطن العربي. ربما فرح النظام المصري لنتيجته وهي تظهر نجاحه "الكبير" في تحطيم الركائز الروحية لشعب عريق كان يبطش به منذ زمن لو كانت الأغلبية متشبعة بالقيم العظمى.

وللتذكير بزبدة التقرير نورد هذه المقاطع, هناك اليوم في مصر" تراجع القدوة وقيم العمل والعلم وقيمة الأسرة وقيمة الانتماء للوطن وقيمة الإحساس بالأمان".

"
ثمة بالضرورة في المجتمع المصري صراع بين القيم الإيجابية والسلبية, وأنه لا زال هناك قسط من حب العمل والعلم.. إلخ ، ولولاه لوصل المجتمع إلى حالة من الهمجية لا زال بعيدا عنها
"
الأخطر من هذا انتشار الشعور بالظلم نتيجة "غياب العدالة الوظيفية بسبب المحسوبية، والعدالة السياسية جراء تزوير الانتخابات، والعدالة الاقتصادية بسبب الرشوة والفساد، والعدالة الاجتماعية بسبب تصعيد المنافقين والمؤيدين".

والخلاصة من الوضع أن "قيم النفاق والوصولية والنفعية والتواكل والصعود على أكتاف الآخرين باتت هي الصفات الغالبة، وغدا التفاني في العمل أو العلم والابتكار وتعليم الأجيال من الأمور غير المرحب بها"

لنؤشّر على ضعف التبرير بأن الظاهرة عالمية وليست اختصاصا مصريا أو عربيا. أنت لا تستطيع أن تكتب مثلا أن "قيم النفاق والوصولية والنفعية إلخ. هي الصفات الغالبة" في المجتمعات الإسكندنافية، أو أن "العمل أو العلم والابتكار من الأمور غير المرحب بها".. في المجتمع الأميركي أو الياباني.

ثمة فوارق هائلة في التدهور الأخلاقي بين الشعوب وإن سلّمنا أنه لا يوجد مجتمع أخلاقي 100% والآخر منعدم الأخلاق تماما.

السؤال إذن ما الحجم الحقيقي للفجوة مقارنة بالآخرين وبوضعنا سابقا؟
لا ردّ عليه، فليس لنا مؤشرات موضوعية في هذا الميدان (مثل نسبة السكر في الدم للأطباء والدخل القومي الخام للاقتصاديين) ولم نقم بدراسة لحالتها في الخمسينيات وعدنا لها بنفس المنهجية العلمية لقياسها اليوم. كل ما في الأمر أننا نشعر حولنا بانحسار سلوكيات واجتياح الفضاء العام لأخرى مخالفة تثير فينا قلقا مشروعا.

ربما ليست الأمور بالخطورة التي نظنّ والدليل على ذلك نشر هذا التقرير وحدة ردود الفعل عليه. ثم ألا نرى عبر ما يسمى الصحوة الإسلامية مظاهر الرفض للوضع ومحاولة لتغييره؟.

يقول المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد .. ذا عفة فلعلّة لا يظلم.

لكن لو كان الظلم المكوّن الوحيد لسلوكيات الناس لغرقت المجتمعات منذ الأزل في الحرب الأهلية والفوضى.

أليس بوسعنا أن نكتب دون أن نجافي الصواب.

والعدل في شيم النفوس فإن تجد... ذا زلة فلعلّة لا يعدل.

ربما لم ينظر التقرير إلا للنصف الفارغ من الكأس أو في أسوأ الأحوال لثلاثة أرباعه الفارغة؟.

فثمة بالضرورة في المجتمع المصري صراع بين التوجهين وأنه لا زال هناك قسط من حب العمل والعلم، إلخ ، ولولاه لوصل المجتمع إلى حالة من الهمجية لا زال بعيد عنها.

أليس السؤال إذن: كيف تدبرت القيم أمرها للعيش في كنف الوضع الصعب المتمثل في اكتساح التصرفات غير الأخلاقية للفضاء العمومي وما هي حظوظها لاستعادة المساحة التي خسرتها؟.

بعد آخر للموضوع:

إذا قلنا إن هناك انتشارا واسعا للظلم، وإذا اعتبرنا أن كل مجتمع يلهث وراء العدل منذ وجد، فلا استنتاج غير أن مثل هذا الوضع مفروض وبالضرورة بأشدّ العنف.

يصبح السؤال الأخطر من السبب في الفعل (الظلم والعنف) الذي أدى لردود الفعل (الانتهازية والجبن والاستقالة).

المسؤول بالطبع النخبة الحاكمة وهي الشريحة الاجتماعية الوحيدة القادرة على فرض وضع مرفوض من الأغلبية الساحقة.

لقائل أن يقول إن هذا تبسيط للأمور وتكرار لنفس الاتهامات المغرضة.

ليسمح لي هنا بالتذكير أن كاتب هذه السطور ليس عارضة أزياء تأتي كل سنة بموديل جديد لإثارة الاهتمام، وإنما واحد من آلاف العاملين بصمت أو تحت الأضواء لتدمير الغشاء الحديدي الذي يحاول به الاستبداد وعملاؤه عبر كل أصناف التضليل تغليف الدماغ الجماعي، والمناط بعهدتهم غرس وتعهد المفاهيم والقيم الكفيلة بإخراجنا يوما من وضع جعل من أمّة كأمّتنا.. أمّة كأمّتنا.

ومما يردّده خادمكم دون كلل أن خطورة الاستبداد ليست في تكلفته الإنسانية الباهظة من منفيين ومشردين ومساجين وموتى تحت التعذيب وتخلف وتبعية وفساد، وإنما في تدميره البطيء للأنظمة الاجتماعية السبعة الضرورية لتقدم الشعوب ومناعتها أي النظام القانوني والاقتصادي والقضائي والتعليمي والإعلامي والثقافي والأمني.

"
القيم هي السقف الأعلى للمواقف والتصرفات المطلوبة من الأفراد والمجموعات للمحافظة على المصلحة العامة التي تضمن مثل هذا التماسك والأمن والتطوّر
"
كيف؟ عبر التسبب في كارثة أخلاقية تتولّد عنها بقية الكوارث.

لفهم هذه النقطة المحورية لا بدّ من عودة لبعض النظرية.

* ثمة عدّة مداخل لإدراك معاني مفهوم معقّد كالقيم وله كقطعة النرد أكثر من سطح.

يمكن أن نكتب مثلا أن:

- الأخلاق هي نفاق القوي واحتجاج الضعيف.

- الأخلاق هي المواقف والتصرفات المطلوبة من الآدمي لكي يصبح إنسانا، أي الكائن المثالي الذي نحمله في أعماقنا كمشروع المشاريع.

- الأخلاق غريزة قوية حبانا بها الله لضمان بقائنا وأنه لغرضه هذا وضع فيها جمالا أخاذا يجعلنا نعجب بالفروسية والشهامة والوفاء إعجابنا بشروق الشمس، في الوقت الذي جعلنا ننفر من قبح الظلم والجبن والفساد نفورنا من قبح المزابل.

وفي نفس السياق لنتمعّن في أهم مواصفات المواقف والتصرفات الموصوفة بالأخلاقية مثل حب العمل والاستقامة والعدل في معاملة الآخرين إلخ.

كلها مطلوبة لأنها ضرورية في مختلف مجالات الحياة العامة لتماسك المجتمع وأمنه وتطوره.

مما يعني أن القيم هي السقف الأعلى للمواقف والتصرفات -التي تحدد الثقافة والدين والأعراف والقوانين قائمتها ومواصفاتها- المطلوبة من الأفراد والمجموعات للمحافظة على المصلحة العامة التي تضمن مثل هذا التماسك والأمن والتطوّر.

لنسارع بالتأكيد على أن كل الأفعال التي تخدمها ليست آليا أخلاقية وإلا اعتبر تدمير غزة من قبل الصهاينة عملا أخلاقيا قاموا به لأنه في خدمة المصلحة العامة لشعبهم. بديهي أن ضمان هذه المصلحة العامة لا يكون أخلاقيا إلا أذا استوفى شرطا بالغ الأهمية هو عدم الإضرار بالغير وحقوقه ومصالحه المشروعة.

تحفّظ هام أخير يتعلّق بطبيعة السعي للمصلحة الخاصة حيث لا يجوز اعتبارها لا أخلاقية إلا إذا هدّدت بدوافعها وأهدافها ووسائلها المصلحة الجماعية أو خرجت من سياقها. يمكننا الآن فهم منطلق الكارثة وتبعاتها.

نعرف ستار الدخان اللفظي الذي يتعهده خدم المستبدّ العربي يروجون لأكذوبة تدعي بصفاقة منقطعة النظير أن الزعيم الفذّ هو الضامن الأوحد للمصلحة الجماعية وحتى لوجود المجتمع نفسه. لكن الجميع يعلم أنه صادر دولة أصبحت مهمتها الأساسية خدمة نرجسيته وضمان سلطانه الأبدي له -ولأولاده إن أمكن الأمر- وحماية مصالحه ومصالح عصابته أو عائلته أو طائفته والتغطية على أخطائه وخطاياه.

"
النظام السياسي للدولة والمجتمع بمثابة الجهاز العصبي للجسم, فهو الذي يقود ويطوّر وينسّق بين الأنظمة المكلفة بالإنتاج الاقتصادي والأمني والتعليمي والتشريعي والقضائي والثقافي والصحي والتي لا وجود لشعب بدونها
"
لنذكّر هنا أن النظام السياسي هو للدولة والمجتمع بمثابة الجهاز العصبي للجسم. فهو الذي يقود ويطوّر وينسّق بين الأنظمة المكلفة بالإنتاج الاقتصادي والأمني والتعليمي والتشريعي والقضائي والثقافي والصحي والتي لا وجود لشعب بدونها.

وبقدر ما تتلقى هذه الأخيرة من مركز القرار التعليمات السليمة والأدوات الفعالة ناهيك عن التشجيع بقدر ما تستطيع تأدية مهامها على أحسن وجه.

لكن انظر كيف تخرّب أنظمة الاحتلال الثاني التي ابتليت به بلداننا نظمنا الحيوية.

1-القدوة السيئة: ولأن الناس على دين ملوكهم، تتسلل من فوق إلى تحت كل مظاهر وممارسات النرجسية والعنجهية والتسلّط والإذلال وبقية سلوكيات الشخصية الاستبدادية.

أضف لهذا أن المسؤولين الثانويين يعرفون جيّدا أن أسيادهم يتصرفون تحت سحاب الدخان اللفظي في الدولة كملك الخاص، فينهجون على منوالهم، كل في مستواه وحسب طاقته.

هكذا تصبح موجة الفساد المنطلقة من القمة مد تسونامي يمسح كل القاعدة. لا يعني هذا أنه لا يوجد داخل الأنظمة أشخاص يرفضون هذه السلوكيات، بل يمكن القول إن جهادهم الصامت والسرّي هو الذي يمنعها من الانهيار، لكنهم أغلب الوقت مضروب على أيديهم والقرار الفعلي بأيدي الزبانية.

2-الاصطفاء المعاكس: القاعدة في الطبيعة وفي المجتمعات السليمة اصطفاء أحسن الأشخاص لأعلى المراكز، أو وصول الشخصيات القوية لها بفضل قوة شخصيتهم أو تفوقهم العلمي أو الأخلاقي، فينتفع منهم المجتمع أيّما نفع. لكن الاستبداد يعكس هذا القانون.

فأولى أولويات المستبدّ إزاحة كلّ الشخصيات التي لا تخضع لأهوائه فما بالك بمن تشكل له منافسا، لذلك يبدأ من أول يوم بتحجيم الرؤوس ذات القيمة.

أضف لهذا أن المحيطين بالمستبد الأكبر، أو بمسخه وظله في هذه الوزارة أو تلك، يفهمون تلقائيا أن ارتقاءهم سلّم النفوذ ومن ثم الثروة عبر الفساد، رهن باستجابتهم لرغبات سيدهم من تملق وانبطاح ونفاق وتأدية الخدمات التي عينوا من أجلها.

هم أيضا سيطالبون من يأمرون بما طولبوا به. هكذا تمتلئ بطول الزمان كل درجات السلم بما هو تافه ومنبطح وعاجز وانتهازي. ومثل هؤلاء الناس هم الذين سيعهد إليهم بإدارة شؤون الناس في أخطر المستويات أي لقمة عيشهم وأمنهم وصحتهم.

كل عمل بشري معرض للخطأ ولا بدّ من التصحيح الذي لا ينتهي، لكن هذا يتطلب حرية النقد والتقييم وهو الحرام المطلق في أعلى الهرم لأن المستبد يبيت ويصبح على خوف عميق من افتضاح فساده وجرائمه واكتشاف أنه ليس إلا شخصا عاديا وأحيانا أقلّ من عادي.

آليات الإصلاح الداخلي معطلة إذن لأن الزبانية يفهمون أنهم ليسوا في الأمكنة التي وضعوا فيها لحلّ المشاكل وإنما للتغطية عليها، أما أصحاب آليات الإصلاح الخارجي ففي السجون أو المنافي.

هكذا يمكن لباخرة معطوبة امتلأت في أعلى مراكز القرار بشتى أصناف الوصوليين العاجزين أن تغرق ببطء لغياب حرية الصراخ بوجود الثغرات وحق المسارعة لها بالإصلاح.

ومن طبيعة مثل هذا الوضع المفروض بكل أنواع الخبث والعنف خلق نوعين من ردود الفعل:

- مقاومة نشيطة تصل حد التمرد ويقودها أناس يحملون الهمّ العام لأنهم يدركون بالفطرة أن مصالحهم الخاصة الحقيقية مضمنة داخل الصالح العام، أو لوعيهم المرهف أن الأخلاق حصيلة تجارب الأجيال وأن الأخذ بها يقيهم من العودة لنقطة الصفر. و يحميهم ويرفع من قدرهم.

- مقاومة سلبية تزيد الطين بلة وهي تضيف لتخريب غير الأكفاء والانتهازيين تخريب المستقيلين بلامبالاتهم وحتى محاولتهم هم أيضا اغتنام الفرص.

ثمة من يستغرب بعد هذا أداء مؤسساتنا، أو يعجب لمكانة بلداننا في سلّم التقدم.. أو يفضّل وضع كل هذا على كاهل الصهيونية والإمبريالية والاستعمار وكلها جراثيم اغتنمت ضعف الجسم لتقضي حوائجها لا يهمّها بل يساعدها أن ذلك يزيده مرضا على مرض.

***

"
لن نعيد لقيم النصف الوضاء من شيم النفوس الصدارة والريادة طالما لم يقتنع كل عربي أن له حقوقا غير قابلة للتصرف صادرتها أقلية خرجت عن العقد الاجتماعي وأن عليه تطليق الخوف والسلبية لاسترجاعها
"
ما يجب أن يكون حاضرا في أذهاننا أن كل نظام اجتماعي مثل هرم، قمته الموارد البشرية والمادية وهيكله التنظيم والقوانين، لكن قاعدته القيم، إذا انهارت أو مادت، انهار أو ماد كل المبنيّ فوقها. أي فعالية لجهاز قضائي بلا عدل أو لجهاز صحي بلا إنسانية؟

في تشبيه آخر القيم هي وقود المحرك. أي محرّك يشتغل بصفة مرضية بوقود مغشوش؟

السؤال هل فهمنا الدرس؟

كم هو محبط رؤية السلطات في غزة وفي السودان تبادر للطقوس القشورية كما لو كانت لبّ أخلاق الإسلام أو كأنّ بإمكانها المزايدة في هذا المجال على نظام عائلة أطلقت اسمها على بلد بأكمله، وكبلته بمثل هذه الطقوس في الوقت الذي فرضت فيه على المجتمع، ظلما ضد النساء والأجانب، وفسادا وحدّا من الحريات الأساسية لا يعرف له مثيل. على سطح الأرض.

الغائب في مثل هذا النظام المتشدّد على الأقصى في المظاهر قيم العمرين وأبو موسى الأشعري وصلاح الدين والحلاج وابن العربي.

إنه نفس الفراغ القيمي الذي نشهده في ديمقراطية لبنان والعراق وقد أصبحت آلية الانتخاب التي تفترض لنجاحها الحرية والنزاهة ومقارعة البرامج بالبرامج سوقا الرابح فيها من يدفع أكثر ومن يضلل أكثر ومن يحسن استغلال الغرائز.

حدّث ولا تسل عمّن يدعون الليبرالية وهم ينسون أنها نتاج الإيمان بأن العمل زلفى إلى الله والطريق إلى الخلاص لا إلى الثراء السريع والاستهلاك الرخيص.

معنى هذا أن الثورة الحتمية التي تنتظرنا وقد أغلقت أنظمة غبية على نفسها وعلينا كل الأبواب -الأمل والسعي أن تكون سلمية- إما تكون أخلاقية وإلا فسندفع ضريبة باهظة من الدم لإعادة ما جاهدنا للتخلّص منه.

نعم لن نعيد لقيم النصف الوضاء من شيم النفوس الصدارة والريادة طالما لم يقتنع كل عربي أن له حقوقا غير قابلة للتصرف صادرتها أقلية خرجت عن العقد الاجتماعي، وأن عليه تطليق الخوف والسلبية لاسترجاعها وفرض علوية الصالح العام على الخاص.. طالما لم يقتنع كل من حبته الأقدار بشرف تمثيل الشعوب وقيادتها أن السيّد ليس من يعطي الأوامر وإنما من يعطي المثل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة