ثورة الليبيين في مواجهة أوهام القذافي   
الأحد 1432/5/14 هـ - الموافق 17/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)


أدت مجموعة من المعطيات إلى أن تتخذ الثورة في ليبيا مسارا مختلفا عن ذاك الذي سلكته سابقتاها التونسية والمصرية، ولا أظن أن المتتبعين للشأن الليبي يجهلون هذه المعطيات التي أهمها هو أن النظامين التونسي والمصري رغم طبيعتهما الاستبدادية، إلا أنهما كانا يحاولان دائما أن يظهرا بمظهر النظام السياسي من خلال مؤسسات مصممة على مقاس الحاكم وهو الأمر الذي جعل بعض هذه المؤسسات مثل الجيش تبدو متماسكة وإن كانت موالية للنظام في ظل الظروف العادية.

"
يبدو أن العقيد القذافي حاكم فرد متسلط حوله مجموعة من الخدم يكلفهم في الظروف العادية بأداء بعض المهام التي لا ترقى إلى مستوى الأداء الوظيفي من خلال مؤسسات
"
بينما يبدو العقيد القذافي حاكما فردا متسلطا حوله مجموعة من الخدم يكلفهم في الظروف العادية بأداء بعض المهام التي لا ترقى إلى مستوى الأداء الوظيفي من خلال مؤسسات، فالطريقة التي يحكم بها القذافي ليبيا منذ أكثر من أربعين سنة لا تتعايش مع مفهوم المؤسسة مهما كانت شكلية.

كان القذافي وما يزال يعول في حكمه على القوة فقط، ولهذا فقد كان أكبر ضحايا هذه الطريقة هي مؤسسة الجيش التي استبدلها بمجموعة من الكتائب الأمنية التي يقودها أولاده وأبناء عمومته وبعض المقربين، وهى تدين بالولاء الشخصي للقذافي قبل الوطن.

لعل شعار "الله، معمر، ليبيا، وبس" الذي يرغم أنصار القذافي وكتائبه كل من يقع بين أيديهم على ترديده أمام العدسات في المدن التي يستحلونها، يلخص الثقافة التي تعكس منذ أكثر من أربعين عاما العلاقة غير السوية بين شخص القذافي من ناحية والشعب الليبي والوطن من ناحية أخرى.

فأسبقية اسم القذافي على ليبيا أو الوطن في هذه المعادلة الثلاثية تعنى أن الوطن لا يمثل قيمة في حد ذاته بل يستمد هذه القيمة من شخص القذافي، فالمواطنة والخيانة معيارهما الوحيد هو الولاء لشخص القذافي، أما ورود اسم الجلالة قبل اسم القذافي لا يعنى سوى أن هذا الأخير هو قلب هذه المعادلة الثلاثية وأن الطرفين الآخرين -الله والوطن- يستمدان قيمتهما الطرفية من وجود المركز وكأن الكون والوطن يتمحوران حول شخص القذافي.

هذا النوع من العلاقة الذي يعكس رؤية القذافي لنفسه هو الذي جعله طوال اثنين وأربعين عاما يرفض إجراء أي استفتاء أو انتخاب حول شخصه حتى ولو كان مجرد مسرحية كما يفعل بعض الرؤساء العرب الذين عمروا عدة عقود في السلطة، فرغم يقينه بأنه سيكون هو المرشح الوحيد وأنه يستطيع أن يؤمن لنفسه نسبة 100% إذا شاء إلا أنه يرفض -من باب التأله- ية صيغة أو مصطلح يقود معناه ولو نظريا إلى جعل شخصه موضوعا لإبداء الرأي من قبل الآخرين حتى وإن كان ذلك مجرد كيفية إجرائية هدفها الوحيد هو تأكيد الرؤية التي يراها في نفسه.

الشرعية بالنسبة للقذافي تنبع فقط من فوهة البندقية التي يقول إنه خرج بها في ليلة أول سبتمبر/ أيلول في عام 1969 بل ذكر بها الليبيين في أول خطاب له كردة فعل على اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير أي أنه ليس في حاجة لأحد لمنحه شرعية البقاء في السلطة.

إن اتخاذ القذافي للبندقية كرمز لمفهوم القوة يعنى أن هذا المفهوم ليس له سوى معنى واحد وهو القوة العارية التي تتمظهر في استخدام أدوات العنف المادي لكسر إرادة الآخر، غير أن هذا الأخر هو شعب أعزل له إرادة، ومن هنا كانت المأساة الدموية, فالتظاهر والاعتصام والعصيان المدني وهى الأفعال التي يعبر بها أي شعب عن قوته لم تجد فتيلا في مواجهة بندقية القذافي، بل كانت ردة فعله على المظاهرات تساؤلا استنكاريا يستفسر فيه بلهجة احتقار عما عساهم أن يكونوا هؤلاء الجرذان الذين تجرؤوا على مطالبته علنا وبصوت عال بأن يخرج من هذه المعادلة الثلاثية التي يدعى لنفسه فيها مركزا يدور حوله الكون والوطن.

"
فوجئ القذافي بالثائرين الذين كتم أنفاسهم لأكثر من أربعين عاما يخرجون في كل شارع وفي كل زنقة ليعلنوا في مواجهته بأن عليه أن يمتثل لإرادتهم كحاكم بشر تطاله المساءلة عن أفعاله وتصرفاته
"
تمثلت مأساوية المشهد الليبي بين شعب أعزل ثار وخرج من الموقع الذي أراده له القذافي وبين رجل صورت له نفسه بأنه يتبوأ إحدى مراتب الإلوهية ثم يفاجأ بهؤلاء الثائرين الذين كتم أنفاسهم لأكثر من أربعين عاما يخرجون في كل شارع وفي كل زنقة ليعلنوا في مواجهته بأن عليه أن يمتثل لإرادتهم كحاكم بشر تطاله المساءلة عن أفعاله وتصرفاته.

عندما أعلن ألقذافي حربا شاملة على كل شارع وزنقة، كان في الواقع يحارب من ناحية ضد حقيقة ويدافع عن وهم من ناحية أخرى، فهو لم يشن حربا بكل أنواع الأسلحة ضد هؤلاء لأنهم ثائرون ضد بطشه واستبداده بل لأنهم أخذوا أيضا يقوضون صرحا بناه من الوهم بفضل أموال النفط وكان يرى نفسه فيه زعيما أمميا ومفكرا فذا ملكا للبشرية قاطبة، فلا يعقل بالنسبة إليه أن يأتي من يعتبرهم حفنة لا يتجاوز عددهم ستة ملايين ليبي ليتطاولوا على مجد ترفعه على أكتافها مئات الملايين من مختلف البشر في كل قارات العالم.

لقد اختلط الوهم بالحقيقة في بداية الثورة التي لم يكن القذافي يتوقعها بمثل هذه القوة ولا بهذا الحجم، فظل يرفض وينكر الواقع الذي أخذ يتشكل أمام ناظريه، بل توعد بالملايين التي ستزحف لتسحق هذه الحفنة من الأشرار الذين تطاولوا على قامة قائد أممى يجسد طموحات وآمال الأجيال البشرية القادمة، فكان ذلك بابا مفتوحا أمام جلب المرتزقة من جهات الأرض الأربعة ليشاركوا في عمليات القتل والقنص لتطهير المدن والقرى من كل الذين يرفضون العيش في جنة وفي ظل حكم العقيد القذافي.

لقد كان في نية القذافي –ولم يكن ذلك سرا- أن يصطفي من بين أبنائه من هو أكثرهم نجابة ليقود الليبيين ويرتاد بهم آفاق المستقبل في الجماهيرية الثانية التي كان قيامها مزمعا في نهاية جماهيرية الأب الأولى بعد عمر مديد، غير أن الليبيين فاض بهم الكيل والشباب الثائر صمم على عدم الانتظار في ظل استبداد القذافي الذي لا يعدهم بشيء سوى أن يسلمهم إلى أحد أبنائه كتركة يجوز له فيه جميع أنواع التصرف التي ترد على حق الملكية في العقار والمنقول، فخرج هؤلاء يعبرون عن رفضهم للواقع المزري والمستقبل المظلم، لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة حرب بلا هوادة اضطرتهم للدفاع عن أنفسهم بما وقع بين أيديهم.

لقد بلغت ردة فعل القذافي ضد شعب أعزل مصمم على انتزاع حقوقه حدا من الوحشية دفع بالمجتمع الدولي إلى التدخل لحماية المدنيين من بطش آلة عسكرية تقودها عقلية العصابة المدفوعة بروح الانتقام وجنون العظمة، مما أدخل ليبيا في أزمة لم تشهدها الثورات العربية التي سبقتها وهذا يدل على أن القذافي لا يكترث بما قد تتعرض له ليبيا من أخطار طالما أنها لم تعد مزرعة خاصة به وبأبنائه.

كل الحكام العرب الذين يعيشون في ذعر من الثورات المرتقبة لشعوبهم يعتبرون النتائج التي سيسفر عليها الصراع بين الشعب الليبي والقذافي بمثابة درس مفيد ومثل يحتذى، لأنه في حالة هزيمة القذافي رغم كل ما قام به من مجازر ضد الشعب الليبي، فإن ذلك سيثبط من عزائم هؤلاء الحكام ويتخلون عن عناد لا طائل من ورائه فيخرجون من السلطة بمجرد بداية الصراع دون سفك مزيد من الدماء لكي لا يثقلوا ملفهم الجنائي بجرائم أخرى.

"
إذا استطاع القذافي بفضل وحشيته أن يبقى في السلطة هو أو أحد أبنائه, فإن هذا لن يكون كارثة ليبية فقط بل ستطال آثارها بقية الشعوب العربية الأخرى الثائرة
"

أما إذا استطاع القذافي بفضل هذه الوحشية أن يبقى في السلطة هو أو أحد أبنائه سواء على مجمل الأراضي الليبية أوعلى جزء منها، فإن هذا لن يكون كارثة ليبية فقط بل ستطال آثارها بقية الشعوب العربية الأخرى المتطلعة إلى الثورة لأن حكامها سيحدوهم الأمل وهم يقتدون بوحشية وبربرية القذافي لتحقيق نصر مبين على شعوبهم، وفي تلك الحالة سينتكس ربيع الثورات العربية وتذهب ريحها لعدة أجيال قادمة.

لم يسبق في تاريخ الدكتاتوريات أن تنازل دكتاتور دموي عن السلطة في مواجهة شعبه قبل أن يستنفد كل ما لديه من قدرة على سفك الدماء. ولن يكون القذافي حالة شاذة على هذه القاعدة، فقد وضع الشعب الليبي والعالم في مأزق لا يمكن الخروج منه إلا بخروجه هو من السلطة وتخليه عن زعامة موهومة كلفت الليبيين مآسي ودماء كثيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة