الأزمة العربية الأميركية: على نفسها وغيرها جنت براقش   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: د. برهان غليون*

عندما انفجرت الأزمة الدولية الكبيرة في أعقاب العمليات التي قيل إن منظمة القاعدة الإسلامية قامت بها يوم الحادي عشرة من سبتمبر/ أيلول 2001, كان من الواضح أن الولايات المتحدة سوف تستثمرها أقصى استثمار في سبيل تصفية الحسابات القديمة التي لم تجد فرصة لتصفيتها مع جميع الأطراف الدولية الحكومية والأهلية من جهة، وتوسيع دائرة هيمنتها العالمية وتأكيد قيادتها أو دورها القيادي على اتساع الكرة الأرضية من جهة ثانية.


إن هدف الولايات المتحدة من الهجوم الإستراتيجي الشامل على منطقتي آسيا الوسطى والعالم العربي هو تحويل بلدانهما ودولهما الصغيرة والضعيفة إلى بيادق تستخدمها في لعبتها الدولية وصراعاتها العالمية الكبرى
كان هذا الميل واضحا في الإدارة الأميركية لدرجة كنا نشكك مع العديد من الأوساط الدولية الأخرى بأن لا يكون للبنتاغون أو للمخابرات المركزية ضلع ما فيها.. وقد كنت أعتقد ولا أزال أن بعض أوساط الأمن الأميركي كان على علم بأن عمليات إرهابية ما كانت في عداد التحضير ولكنها لم تتصرف بالسرعة الكافية إما لأنها كانت واثقة أكثر مما يلزم بأن أراضي الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون هدفا لمنظمات إرهابية أو لأنها كانت تريد أن تستخدمها في سبيل تبرير انقلاب سريع في السياسات الأمنية القومية لكنها لم تكن تتصور أن تكون بالحجم والقوة التي كانت عليها.

وبهذا المعنى يمكن أن تكون قد وقعت هي نفسها في الفخ الذي كانت قد نصبته لغيرها. لكن بصرف النظر عمن قام بهذه العمليات ومسؤولية أجهزة الأمن الأميركية, كان من الواضح من الأيام الأولى أن أمريكا لن تترك مثل هذه الفرصة تمر دون أن تستغلها لتحقيق أهداف إستراتيجية كبرى تلقى معارضة كبيرة من قوى عالمية متعددة لم ولن تهضم استفراد واشنطن بالقرار الدولي بعد زوال الحرب الباردة وقطعها الطريق على تكوين نظام متعدد القطبية حتى لو لم يكن متساويا أو متكافئا في المسؤوليات.

وهكذا قامت الإدارة الأميركية الجديدة ببلورة مفهوم وإستراتيجية الحرب الدولية ضد الإرهاب لتجبر جميع الفرقاء الدوليين الكبار والصغار, على الركوب معها في مركب واحد والتعاون معها في إيصال المركب إلى الوجهة التي تريدها واشنطن وحدها دون سؤال ولا تردد ولا حتى التفات إلى الوراء.


الواقع أن الحكومات العربية والآسيوية لم تدرك حقيقة الطفرة التي طرأت على الإستراتيجيات العالمية بعد أحداث سبتمبر/أيلول والنزعات الجديدة التي بدأت تسيطر عليها، فاعتقدت بسذاجة أن التعاون الإيجابي مع واشنطن في الحرب الدولية على الإرهاب والتمسك بشكليات القرارات الدولية وعدم الابتعاد عن الاتحاد الأوروبي سيكون ذلك كله كافيا لدرء المخاطر والخروج من الأزمة دون خسائر كبيرة
وكان من الواضح كذلك أن المسرح الرئيسي للحرب العالمية ضد الإرهاب لن يكون أوروبا ولا آسيا أو أميركا اللاتينية أو أفريقيا ولكن منطقتين رئيسيتين هما آسيا الوسطى والشرق الأوسط. فمن جهة أولى تحتوي المنطقتان على أهم مخزونات الطاقة العالمية وتحتلان مواقع إستراتيجية استثنائية تجعلها موضع تنافس تاريخي بين القوى الدولية المتنافسة الآسيوية والأوروبية والأميركية. ومن جهة ثانية لم تنجح أي منهما في تجاوز تفتتها وهشاشتها الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية. فهما منطقتا قلاقل واضطراب وعدم استقرار. وبالإضافة إلى ذلك فقد كانا المصدرين الرئيسين في العقود الثلاثة الماضية للمنظمات والحركات الموسومة بالإرهابية ومركز الحضارة التي اعتبرها المنظرون الأميركيون اليمينيون على أنها الحضارة التي لا تزال تقاوم الغرب وتتعارض في قيمها ومبادئها مع ثقافته وترفض التفاهم والحوار، إن صورتهما هي صورة المناطق المتمردة والعاصية على عهد السلام الغربي خاصة الأميركي.

ومما لا شك فيه أن الفوضى السياسية والاجتماعية والعقائدية التي تعم المنطقتين لأسباب مختلفة أهمها الحرب الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية المستمرة منذ نصف قرن وإخفاق مشاريع التنمية والإصلاح الاجتماعي، والانقسام والتناحر المستمر بين الدول والبلدان, وعجز النخب المحلية الحاكمة والأهلية عن إيجاد حلول لأزمة المنطقتين المستمرة منذ ثلاثة عقود متواصلة مع ما تنتجه من ظواهر تتحدى المعايير الحضارية وتصطدم بها, ما كان لكل ذلك إلا أن يقدم أفضل ذريعة لتيارات اليمين القومي الأميركي المتطرفة كي تفرض سياساتها وتعزز الضغوط العسكرية والسياسية في اتجاه إعادة السيطرة المباشرة على المنطقتين.

والواقع أن الحكومات العربية والآسيوية لم تدرك حقيقة الطفرة التي طرأت على الإستراتيجيات العالمية بعد أحداث سبتمبر/أيلول والنزعات الجديدة التي بدأت تسيطر عليها، فاعتقدت بسذاجة أن التعاون الإيجابي مع واشنطن في الحرب الدولية على الإرهاب والتمسك بشكليات القرارات الدولية وعدم الابتعاد عن الاتحاد الأوروبي سيكون ذلك كله كافيا لدرء المخاطر والخروج من الأزمة دون خسائر كبيرة.


ربما يستحق منا مثال العراق وشعبه الشهيد تأملا أبعد من ذاك الذي تريد لنا نزعة تقمص الضحية الطبيعية للقوى الخارجية أن نغرق فيه
وهكذا لم تفعل الحكومات المعنية شيئا يذكر لتعزيز دفاعاتها الإستراتيجية والسياسية والأيديولوجية واستمرت تعيد إنتاج نفسها على المنوال السابق كما لو أن شيئا لم يتغير في العالم، بل إن الكثير منها ذهب أبعد من ذلك واعتقد أن من حقه هو أيضا أن يستثمر الأزمة الدولية ذاتها وإستراتيجية الحرب الأميركية ضد الإرهاب في سبيل تحقيق أهداف خاصة ومراكمة مرابح غير منتظرة من أهمها القضاء على استحقاقات التحول الديمقراطي والسعي إلى تصفية المعارضات الداخلية بتغطية دولية والالتفاف نهائيا على منظمات وجداول عمل حقوق الإنسان المزعجة.

إن هدف الولايات المتحدة من الهجوم الإستراتيجي الشامل على منطقتي آسيا الوسطى والعالم العربي هو تحويل بلدانهما ودولهما الصغيرة والضعيفة إلى بيادق تستخدمها واشنطن في لعبتها الدولية وصراعاتها العالمية الكبرى، وهي عازمة على ذلك بصرف النظر عن ولاءات هذه الدول التي لا تشك فيها وكذلك عن استعدادها الواضح والذي لا يمكن لواشنطن أن تشك فيه لتقديم جميع الخدمات التي تطلبها منها، فالولايات المتحدة ليست بحاجة كبيرة إلى هذه الخدمات ولا تعتقد أن انتزاعها من دول مثل دول المنطقة مسألة شاقة تستحق النقاش والحوار والصراع، إن ما يهمها هو أن تمسك هي نفسها بدفة القيادة في هذه الدول ذاتها حتى تستطيع أن تستخدمها بصورة مستمرة ومتسقة في إستراتيجية السيطرة الدولية وتأكيد القيادة العالمية، بل إن ما تريده ليس حكومات عميلة لها, كما يعتقد البعض, تسير بركابها وتنفذ سياساتها ولكن سيطرة مباشرة ومتصلة تضمن لواشنطن تسييرا فوريا ومضمونا لها يتفق مع حاجات مناورتها الإستراتيجية.

ما كان بإمكان الدول العربية والآسيوية الإسلامية التي ستشكل المسرح الرئيسي للحرب العالمية ضد الإرهاب وهدفها المباشر معا، أن تتجنب مخاطر التحول إلى بيادق في شطرنج الإستراتيجية الأميركية الشاملة أو العولمية إلا بالقيام بمبادرة سريعة وشاملة تضمن لها تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية.

  • الهدف الأول: جيوستراتيجي يرفع من قدرتها جميعا على المقاومة.
  • والثاني: سياسي يعيد ربط النظم القائمة بشعوبها ويوسع من دائرة القرار ويغير من طريقة صوغ القرار السياسي نفسه.
  • والثالث: اقتصادي يفتح أمام جميع البلدان الصغيرة فرص نمو اقتصادي واجتماعي سريع ومضمون يخفف من الضغوطات والاضطرابات الاجتماعية ويطمئن الدول الكبرى والأوروبية منها بشكل خاص على إمكانية سيطرة هذه الدول على مصيرها وعدم انفجار الهجرات الجماعية.


قامت الإدارة الأميركية الجديدة ببلورة مفهوم وإستراتيجية الحرب الدولية ضد الإرهاب لتجبر جميع الفرقاء الدوليين الكبار والصغار على الركوب معها في مركب واحد, والتعاون معها في إيصال المركب إلى الوجهة التي تريدها واشنطن وحدها دون سؤال ولا تردد ولا حتى التفات إلى الوراء
وأتذكر أنني قد ذكرت في أول تعليق لي على أحداث سبتمبر/أيلول الكارثية أنه لم يعد أمامنا من خيار إذا أردنا تجنب الضغوطات الهائلة القادمة سوى العمل بسرعة وجدية على ثلاثة محاور رئيسية تشكل دعائم الإصلاح المطلوب الذي يمكننا من الخروج من الأزمة:

  • أولا: تكتل اقتصادي عربي يضمن إطلاق عملية التحديث والتنمية على أسس جديدة ويغير من وزن الاقتصاد العربي ككل في الجيواقتصادية العالمية.
  • ثانيا: تحول ديمقراطي سلمي يزيد من سماكة الدول الهشة بسب نمط السلطة الفردية أو الشخصية ويغير من صورة المجتمعات العربية لدى الرأي العام العالمي الذي يكاد لا يمانع في أن تقوم الدول الكبرى بتوجيه ضربة قوية للدول الاستبدادية والفاشية لتغيير أنظمتها إن لم يعتقد بأن استبدادية الأنظمة هي تجسيد للانحطاط الأخلاقي للمجتمع نفسه.
  • وثالثا: بناء اتحاد عربي سياسي من الدول العربية الرئيسية يضاعف الوزن الإستراتيجي العربي مرات ويجعل من الصعب ابتلاع العرب بسهولة أو هضمهم كلقمة سائغة.

والحال أن الحكومات العربية بدل أن تقوم بذلك اعتقدت أن الظرف قد حان كي تتراجع عن الانفتاحات الجزئية التي اضطرت إليها في السنوات السابقة نحو بعضها البعض وفي اتجاه المجتمع واستمرت, بالعكس مما كان ينبغي أن تفعله, في تناحرها ورعاية انقساماتها وتعزيز نظمها الأحادية والاستبدادية, بما في ذلك الدفاع عن النظام العراقي الذي كان عليها أن تعمل المستحيل لمساعدته على التغير وفك أزمة الشعب العراقي المحاصر في الواقع من طرف النظام وطرف الولايات المتحدة في الوقت نفسه.. لكن هل كان بإمكانها أن تفعل ذلك أو تفكر به وهي لا تسعى إلى شيء آخر سوى الحفاظ على نمط النظام نفسه في بلادها ذاتها؟


كان من الواضح أن المسرح الرئيسي للحرب العالمية ضد الإرهاب لن يكون أوروبا أو آسيا أو أميركا اللاتينية أو أفريقيا ولكن منطقتين رئيسيتين هما آسيا الوسطى والشرق الأوسط
مهما كان الأمر, ما كان من الممكن لهذه السياسات الساذجة واللاعقلانية واللامسؤولية معا إلا أن تقود إلى الوضع الذي نحن فيه، وهو الوضع الذي يجعل العالم العربي يقف مشلولا أمام ما ينبغي أن نسميه بحق وموضوعية الاستعمار الأميركي الجديد الزاحف، وللأسف ليست النظم القائمة هي وحدها المعرضة لدفع ثمن غال لسياساتها الخاطئة ولكن مصالح الشعوب العربية جميعها، وهذا ما ينبغي أن يدفع هذه الشعوب أكثر فأكثر إلى أن تدرك أن التساهل مع أنظمة فاسدة لا يقف عند حد التنازل عن الحقوق الأساسية وتكريس امتيازات النخب الاستبدادية ولكنه يمكن أن يقود إلى الدمار الشامل, وأن الثمن المطلوب لتغيير مثل هذه الأنظمة, يبقى مهما ارتفع, أقل بكثير من الثمن الذي سندفعه بسبب تركها تتصرف على هواها وتقرر المستقبل المظلم لجميع الأجيال. وفي هذا المجال ربما يستحق منا مثال العراق وشعبه الشهيد تأملا أبعد من ذاك الذي تريد لنا نزعة تقمص الضحية الطبيعية للقوى الخارجية أن نغرق فيه.

_______________
*أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة