اليمن في حقبته الجديدة.. من أين وإلى أين؟   
الثلاثاء 20/2/1429 هـ - الموافق 26/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 7:56 (مكة المكرمة)، 4:56 (غرينتش)


زيد بن علي الفضيل

بوفاة دولة رئيس مجلس النواب اليمني وشيخ مشايخ قبيلة حاشد اليمنية الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، تدخل اليمن بمختلف تفاصيل شرائحها الاجتماعية وأطيافها الفكرية وتوجهاتها السياسية، بوتقة عالم التحليلات ونفق إعادة ترتيب الأوراق، على مختلف النطاقات السياسية والاجتماعية والفكرية، بسبب عمق حالة تداخل الشيخ عبد الله الوجداني والحركي مع كل حالة مما سبق.

"
الشيخ الأحمر وجد في ترأسه للحزب مجالا خصبا لإضفاء سمة الشرعية المؤسسية على مختلف أدواره ضمن إطار الوطن، فخرج بذلك من ضيق المشروع القبلي إلى فضاء المشروع الوطني، وفي المقابل حظيت مختلف كوادر العمل الإسلامي بالحماية والرعاية، مما حقق مصلحة للطرفين
"
فقد مثل في غالب فترات حياته نقطة ارتكاز محورية لمختلف تجليات الأحداث السياسية والاجتماعية في اليمن، لكونه أولا، أحد أقطاب صناع الدولة اليمنية الجديدة الرئيسيين (الجمهورية)، ولكونه قد أصبح قطب رحى تماوج الحراك القبلي خلال العقود الثلاثة الأخيرة على مستوى قبيلته حاشد، وعلى مستوى غيرها من القبائل اليمنية.

ثم كانت أبعاد تجلياته الفكرية مع مطلع عقد التسعينيات باحتوائه لكوادر مشروع الحركة الإسلامية في اليمن سواء التابعين للتنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين، أو الآخذين بمنهج الفكر السلفي ومنطلقاته العقائدية الذين تكتلوا جميعا ضمن دائرة سياسية واحدة، عرفت باسم حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، الذي ارتضى أقطابه أن يكون الشيخ الأحمر رئيسا عليهم.

فكان أن تحققت المصلحة للطرفين فالشيخ عبد الله الأحمر وجد في ترأسه للحزب مجالا خصبا لإضفاء سمة الشرعية المؤسسية على مختلف أدواره ضمن إطار الوطن، فخرج بذلك من ضيق المشروع القبلي إلى فضاء المشروع الوطني، وبالتالي كان نفاذه إلى أروقة ودهاليز السياسة الخارجية في إطارها الإقليمي والدولي.

وفي المقابل فقد حظيت مختلف كوادر العمل الإسلامي بالحماية والرعاية، خاصة أنه قد تعمق في وجدانها، من بعد فشل ثورة الدستور في اليمن سنة 1948 أهمية توفير الدعم القبلي لتحقيق أي نجاح ملموس على سطح الأرض اليمنية.

وبنجاح هذا التحالف بين الطرفين، أضاف الشيخ الأحمر إلى نفسه صفة حامي الحركات الإسلامية ومشروعها السياسي في اليمن على وجه الخصوص.

وخلال مدة ترأسه للحزب التي استمرت طوال فترة حياته، تمكن الشيخ عبد الله من أن يواجه أي تمدد سياسي لقوى حزبية مناهضة له، أو شخصيات وجيهة وعسكرية وإدارية عليا، عملت على تحجيم دوره الاجتماعي، والتقليل من مكانته السياسية ودائرة تأثيره في اليمن، لكونه –من وجهة نظرها- مجرد شيخ لقبيلة منضوية تحت إطار أركان وأجنحة الدولة.

وهذا يعني تضاؤل حجمه السياسي ودوره الفاعل ضمن إطار الحركة السياسية على المستوى الإقليمي والدولي، مقابل ما يمكن أن يتنامى من دور سياسي، وتأثير إستراتيجي فاعل لمختلف أولئك داخليا وخارجيا، انطلاقا من تلبسهم لجلباب مشروع الدولة بمكنوناتها المادية والمعنوية، التي تشكل الداعم اللوجستي لقراراتهم.

فكان الأحمر بانخراطه في العمل المؤسسي وترؤسه من ثم لقبة البرلمان، أن وفر له الشرعية الدستورية المطلوبة للانفتاح على أفاق العالم السياسية.

وهذا ما لم تدركه بقية الزعامات القبلية في اليمن التي ظلت حبيسة لموقعها القبلي الضيق على الرغم من عظم حجم تأثيرها المادي في الداخل، سواء في الإطار العسكري أو الاجتماعي وبالتالي السياسي.

كما وضح ذلك صغر حجمها التمثيلي، وبعد تأثيرها الفعلي في أروقة ودهاليز الحراك السياسي على النطاق الإقليمي أو الدولي، باعتبارها مجرد زعامات قبلية، لا تملك أي غطاء دستوري مؤسسي منبثق من مشروعية الدولة بمؤسساتها الرسمية والأهلية، في الوقت الذي اهتمت فيه تلك الشخصيات الفردية فعليا، المعزولة اجتماعيا، الفاقدة لأي تأثير حقيقي على تكوين الشارع المحلي، بالتحصن بجلباب مؤسسات الدولة الرسمية، المعترف بها ضمن سياقات المجتمع الدولي.

"
مشروع دولة النظام الجمهوري في اليمن القائم منذ بدايات عقد الستينيات قد أخفق، في بعض مسارات خطه البياني بشكل عام، في تحقيق المواطنة العادلة والنمو المتوازن والاستقرار الداخلي لكونه قد اعتمد سياسة تركيز خيوط السلطة في جانب معين من شرائح المجتمع اليمني
"
وذلك قد أضفى عليهم سمة الشرعية الدستورية التي تخولهم التخطيط والعمل والتنفيذ بقوة الفصل السابع من قرارات مجلس الأمن إن لزم الأمر في حال مواجهة الزعامات القبلية ذات التأثير القوي مستقبلا لمشاريعهم.

وعلى كل، ودون الخوض في مدى نجاح مشروع الدولة في اليمن مقابل مشروع القبيلة، ومدى تحقق مبادئ الدولة القوية العادلة الديمقراطية المؤمنة بحتمية تداول السلطة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه حاليا هو: كيف ستتشكل الخارطة اليمنية من بعد وفاة الشيخ عبد الله الأحمر؟

وهل سيرث أحد من أبنائه أو من غيرهم من الزعامات القبلية مشروعه السياسي ونهجه التكتيكي، أم أن ذلك قد أصبح مستحيلا في ظل تفتت الزعامات القبلية، وخلو ساحتها من شخصية محورية تاريخية؟

وإلى أين سيتجه مشروع العمل الإسلامي بعد وفاة الشيخ عبد الله؟ هل ستعمل كوادره على إيجاد مظلة قبلية بديلة في المنظور القادم؟ أم أنهم سيركنون إلى قوتهم التنظيمية والحركية في مواجهة الدولة المدنية الفارغة من أي نسق قبلي قوي؟

وإلى أين أيضا سيتجه النظام القبلي في حاشد من بعد وفاة الشيخ عبد الله؟ هل سيكمل مسيرة شيخه في تعزيز التماهي بين القبيلة والحزب، أم أنها ستعود أدراجها مرة ثانية صوب مسارها التاريخي ضمن المنظومة اليمنية؟

وبالتالي فما هي أوجه نجاحاتها في تعزيز تكاملها مع غيرها من القبائل اليمنية، لتعمل على خلق جبهة توازن جديدة ضمن منظومة الجمهورية الجديدة أيضا؟ وكيف سيكون مآل مختلف القبائل اليمنية، وحجم تطلعاتها المستقبلية للتواصل مع المحيط الإقليمي، لاسيما بعد زوال غيم الحجاب الحاجز على بوابة اليمن الشمالية بوجه خاص؟

أسئلة عديدة يمكن أن يطرحها المهتمون والمراقبون بتطور الحراك السياسي والاجتماعي والفكري في اليمن خلال الوقت الراهن، وأجزم أنه بمقدار تعدد تلك الأسئلة، فإن إجاباتها ستتعدد بحسب منطلق كل منها، وزاوية النظر للمشكلة اليمنية، وعمق معرفتها بخبايا الأمور وتطوراتها.

وفي هذا الإطار يمكن القول بأن مشروع دولة النظام الجمهوري في اليمن، القائم منذ بدايات عقد الستينيات قد أخفق، في بعض مسارات خطه البياني بشكل عام، في تحقيق المواطنة العادلة، والنمو المتوازن، والاستقرار الداخلي، لكونه قد اعتمد سياسة تركيز خيوط السلطة في جانب معين من شرائح المجتمع اليمني، وبخاصة ما كان منتميا منها لقبيلة حاشد بوجه عام.

وفي مقابل ذلك تم إعمال وتكريس حالة الإقصاء لفئات عديدة من الشرائح الاجتماعية الأخرى، كما هو الحال مع فئات عديدة من قبائل بكيل ومذحج، ومع شرائح عديدة من الفئات الاجتماعية في المحافظات الجنوبية منذ نهاية حرب سنة 1994.

وعلاوة على ذلك يأتي ما تعرض له الهاشميون بوجه عام، من إغفال لدورهم الكبير في قيام النظام الجمهوري والدفاع عنه سنة 1962، بل لقد تم في سياق تكريس تلك الحالة من الإقصاء، ربطهم بصورة مجملة بدائرتي موضوع الإمامة والزيدية، بحيث كان من السهل تشاكلها في ذهن المستمع والقارئ، لتتداعى تلك الصور الثلاث دفعة واحدة حين الحديث عن أحدها.

فمثلا إذا جاء الحديث عن الإمامة تداعت إلى الذهن مباشرة صورتا الهاشميين والزيدية، وإذا تم الحديث عن الزيدية برزت صورتا الإمامة والهاشميين، وهكذا تشكل هذه المواضيع المتنوعة، ثلاث دوائر متشاكلة، في منحى غير سوي، الهدف منه تحجيم دورهم، تلبية لغايات مختلفة.

من تلك الغايات ما هو متعلق بحالة التطرف الفكري الواضح في ثنايا أفكار التيار السلفي الجهادي على وجه الخصوص الذي لم يقتصر هجومه على المذهب الزيدي وحسب، بل امتد ليشمل بلهيبه كل المذاهب والأفكار المخالفة له بشكل عام، سنية كانت أم شيعية، ومنها ما هو مرتبط بالتضارب المصلحي مع هذه الشريحة من قبل فئات بسيطة من بعض الشرائح الأخرى.

وهو ما تبلور مؤخرا في روح ونفس العديد من الكتابات المنشورة، خلال التأزم الأول لأحداث مشكلة الشباب المؤمن في اليمن بقيادة السيد حسين الحوثي مع الدولة (الحرب الأولى)، تلك الأزمة التي لم تكن حكرا على بعض الهاشميين بقيادة السيد حسين الحوثي وإخوانه، بل شاركهم في قيادتها وتحريك مجرياتها العديد من القيادات القبلية كعبد الله عيظة الرزامي وغيره.

"
تأزم الصراع السياسي جراء حدة الخلاف الفكري المذهبي بين المذهبين الزيدي والشافعي من جهة والفكر السلفي والمذهب الاثنا عشري من جهة أخرى، يؤكد فشل أي مشروع فكري يستهدف تغيير الطبيعة التكوينية الفكرية والمذهبية للمجتمع اليمني الزيدي أو الشافعي
"
ورغم كل ذلك كشفت تلك الحرب عن حجم البركان المشتعل في نفوس البعض، ممن راموا تحقيق أهدافهم المقيتة، بتحريضهم العنصري والطائفي غير المبرر، وترويجهم على الصعيد الإعلامي والتعبوي، فكرة اختزال حركة الشباب المؤمن لكل توجهات التيارات الهاشمية المختلفة، وتمثيلها الحصري للأفكار والشخصيات الزيدية في اليمن، على الرغم من أن ردة فعل عديد من الهاشميين في مختلف أرجاء اليمن قد اتسمت بالحيادية والتفاعل السلبي معها.

بل ووقف بعض منهم في موقف المؤيد والمناصر لقوى الدولة، وهو ما يصب في خانة تأصيل الفرقة، وليس في خانة تكريس عرى المحبة والوحدة والاتفاق.

ولاشك أن المراقب لتطور الأحداث الدراماتيكية لمختلف الأزمات السياسية في اليمن، سواء كان ذلك في محافظة صعدة، أو في المحافظات الجنوبية، أو في المناطق الوسطى، إلى غير ذلك، يدرك مدى صعوبة نجاح أي مشروع إقصائي يهدف إلى تهميش جانب من أي منظومة سياسية، أو اجتماعية.

وهذا الأمر يدعو إلى إعادة النظر في كيفية ترتيب الأوراق ضمن إطار الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع بحكم القانون والدستور، ويرتفع فيها الإنسان وفقا لقدراته، بعيدا عن أي منحى عصبي أو طائفي أو جغرافي.

وفي المقابل فإن تأزم الصراع السياسي جراء حدة الخلاف الفكري المذهبي بين المذهبين الزيدي والشافعي من جهة، والفكر السلفي والمذهب الاثنا عشري من جهة أخرى، يؤكد فشل أي مشروع فكري، يستهدف تغيير الطبيعة التكوينية الفكرية والمذهبية للمجتمع اليمني الزيدي أو الشافعي.

وسواء كان التغيير لصالح التيار السلفي الجهادي، الهادف إلى إخضاع القبائل اليمنية المحاربة لكامل سلطته العقائدية، فيكون ذلك مكسبا كبيرا له في إطار مشروعه الجهادي العالمي، أو كان ذلك أيضا في إطار منظري المذهب الاثنا عشري، فإن أيا من المشروعين لم ينجح في خلق حالة متماسكة لأفكاره ضمن إطار المجتمع اليمني.

وسرعان ما تعود الأفئدة تدريجيا إلى تكويناتها الطبيعية التي تشكلت ملامحها الوجدانية طوال قرون عديدة، مع أول عائق جوهري كانقطاع الأموال، أو بروز الشخصية المذهبية الوطنية القادرة على لم شعث أبناء مذهبها.

وهذا ما يجب النظر إليه بعناية تامة، والتمعن في أبعاده بروية، حيث يمثل الفكر الزيدي والمذهب الشافعي بعمق تاريخهما الأصيل واعتدال منهجيهما ووسطية أفكارهما، وبعدهما عن مسالك التطرف والإقصاء لأي فكر وأي منهج.

وهذا ما يشكل القيمة الجوهرية المانعة لتسلط أحد المشروعين التبشيريين على الآخر في اليمن، وبالتالي الرهان الأكبر على ضمان استقرار منطقة اليمن سياسيا وعسكريا، والنأي بها عن مكامن الصراع الأيديولوجي في المرحلة القادمة، التي ستحيل المنطقة بأكملها، في حال تورط اليمن بشعبه وجغرافيته في ذلك الصراع الدفين بين المشروعين، إلى بركان ثائر، يقذف بحممه الملتهبة إلى مختلف الآفاق وبصورة عشوائية، الجامعة في تكوينها بين سمات وخصائص وملامح كل من الصوملة والعرقنة واللبننة، وحينها لا ينفع الصوت، لات حين مناص.
__________________
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة