خريطة الفصائل الفلسطينية والتساؤلات التي تطرحها   
الخميس 1429/3/7 هـ - الموافق 13/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)


بدأ تأريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بتأسيس فصائلها في منتصف ستينيات القرن الماضي، واستمر تاريخها بهذه الفصائل مع إنجازاتها وإخفاقاتها، وبما لها وما عليها.

"
السلطة لم تكن مقنعة في سعيها لبناء كيان سياسي مع تفشي دور الأجهزة الأمنية وارتفاع نسبة الفساد والتخبط الإداري، وعليه بدت القيادة كأنها ضحّت بالمنظمة ولم تستطع بناء سلطة
"
هكذا عرّفت هذه الحركة بفصائلها الكثيرة، من "فتح" إلى الجبهات: الشعبية والديمقراطية والقيادة العامة والنضال والتحرير، إضافة إلى طلائع حرب التحرير الشعبية، الصاعقة (تابعة لتنظيم فلسطين في حزب البعث بسوريا)، وجبهة التحرير العربية (تابعة لتنظيم فلسطين في حزب البعث العراقي).

وقد حافظت الساحة الفلسطينية على خريطتها الفصائلية تلك حتى لحظة إنهاء الوجود العلني لمنظمة التحرير في لبنان (بعد الاجتياح الإسرائيلي 1982)، حين وقعت تصدعات في هذه الخريطة في الثمانينيات، مع ظهور حركتين سياسيتين تعبران عن التيار الإسلامي، الأولى هي "الجهاد الإسلامي"، والثانية "حماس".

كذلك شهدت هذه المرحلة قيام الحزب الشيوعي (حزب الشعب)، والانشقاق في "فتح" عام 1983 الذي ظهر بموجبه ما بات يعرف بحركة "فتح الانتفاضة".

وفي التسعينيات شهدت الخريطة الفلسطينية تصدعات أخرى ناجمة عن عملية التسوية، وقيام الكيان في الضفة والقطاع، حيث خرجت "فدا" من الجبهة الديمقراطية التي خرجت في أواخر الستينيات من الجبهة الشعبية، وانقسمت كل من جبهات: النضال والتحرير والعربية، إلى فصيلين!

وشهدت هذه المرحلة تراجع مكانة منظمة التحرير في القيادة والمرجعية والصفة التمثيلية لصالح السلطة، كما شهدت تبلور المكانة القيادية لحركة حماس بوصفها مرجعية منافسة وبديلة.

وهكذا يتبيّن أن ثمة نوعا من الثبات والاستقرار في الخريطة السياسية الفصائلية الفلسطينية، وأن التحولات الحاصلة جاءت بضغط التحولات الخارجية.

ولكن مشكلة هذا الثبات والاستقرار أنه ليس دليل عافية تماما، وإنما هو تعبير عن الجمود، وعلى الأصح فهو تعبير عن ضعف مستوى الحراك والتفاعل السياسي في الفصائل السائدة، على المستويين الداخلي والخارجي.

ويمكن تفسير الركود في الحالة السياسية الفلسطينية، بأن "الطبقة" السياسية السائدة، أي "طبقة" القيادة في الفصائل، صاغت فصائلها على قياسها، وأحكمت السيطرة عليها، بوسائل عدّة، وهي في معظم الأحوال حالت دون تحويل الأطر إلى مؤسسات فاعلة، وغيّبت العلاقات الديمقراطية، وشّوهت الحراك الداخلي، وعبثت بالتراتبية الداخلية، وتجاهلت معايير النضالية والكفاءة، لصالح علاقات المحسوبية والزبائنية.

وهذا يفسر أيضا كيف أن هذه "الطبقة" التي أنشأت الفصائل المذكورة ما زالت في الأغلب، تعيد تجديد ذاتها وشرعيتها بشتى السبل، بل إنها تعيق توليد أية حالات جديدة، داخلها أو خارجها.

وثمة أسباب موضوعية سهّلت على هذه "الطبقة" ترسيخ دورها في التسيّد على منصّة القيادة، رغم التحولات والتطورات والإخفاقات ضمنها مثلا، غياب البنية وضعف العلاقات المجتمعية (خارج الأرض المحتلة)، والتدخلات الخارجية في الوضع الفلسطيني، وتدني مستوى المشاركة الشعبية في العملية السياسية، وعلاقات الهيمنة التي أنشأتها بوسائل العسكرة و"التفريغ" المالي؛ حيث إن هذه الفصائل باتت بمثابة كيانات سلطوية في التجمعات الفلسطينية.

الأنكى من ذلك أن هذه "الطبقة" شرّعت مكانتها في القيادة بالتواطؤ فيما بينها على قيام نوع من نظام المحاصّة (الكوتا)، في إطار منظمة التحرير، لتحويل نفسها إلى سلطة وإغلاق النظام الفلسطيني أمام أية حالات سياسية جديدة.

"
يمكن تفسير الركود في الحالة السياسية الفلسطينية بأن "الطبقة" السياسية السائدة، أي طبقة القيادة في الفصائل، صاغت فصائلها على قياسها وأحكمت السيطرة عليها بوسائل عدّة عبثت بالتراتبية الداخلية وتجاهلت معايير النضالية والكفاءة لصالح علاقات المحسوبية والزبائنية
"
وإذا تجاوزنا تفسير ثبات الجسم القيادي في الفصائل إلى البحث في معنى تعددية الفصائل، في واقع يحتوي 17 حالة تنظيمية وسياسية! فيمكن ببساطة تلمّس أن تعددية الفصائل هي في الأغلب كميّة ومصطنعة، وليست تعددية نوعية، ولا تعكس واقعا حقيقيا، بقدر ما تعكس مصالح شخصية أو فئوية أو إقليمية.

ثمة فصائل لا مبرر سياسيا أو فكريا لوجودها لكونها لا تعبر عن تيار بعينه، فضلا عن أن ثمة فصائل لم يعد لها وجود يذكر، لا على المستوى الشعبي ولا على مستوى الصراع ضد إسرائيل، ولا حتى على المستوى الذاتي.

وقد بينت نتائج الانتخابات أن الفلسطينيين منقسمون إلى تيارين: تيار الوطنية الفلسطينية وتمثله "فتح"، وتيار الوطنية الإسلامية وتمثله "حماس"، أما الجبهة الشعبية فحازت في الانتخابات على ثلاثة مقاعد، في حين حاز ائتلاف الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب على مقعدين.

وحصل تيار المبادرة الوطنية (مصطفى البرغوثي) على مقعدين، وتيار الطريق الثالث (فياض وعشراوي) على مقعدين أيضا، في حين لم تحصل الفصائل الأخرى على أي مقعد (حركة الجهاد قاطعت الانتخابات).

ويمكن اعتبار نتائج هذه الانتخابات عينة أو نموذجا لشعبية كل فصيل في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني إلى درجة كبيرة.

ومعضلة الفصائل السائدة أنها رغم تآكل دورها وضعف إمكاناتها ما زالت تفضّل الإبقاء على حالها مستغلة نظام "الكوتا"، والاستقطاب بين "فتح" و"حماس"، وضعف الحراك والتجديد في الساحة الفلسطينية بما يستجيب لمصالح هيئاتها القيادية.

اللافت أيضا أن هذه الفصائل رغم وضعها هذا، لم تتجه للاندماج أو للاتحاد فيما بينها، فلا أحد يعرف مثلا الفوارق بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب و"فدا"، ولا أحد يدري من أين جاء مفهوم التطابق الكامل بين منتسبي الفصيل الواحد؟

ولا أحد يدرك أيضا حجم الفوارق بين جبهتي النضال والتحرير، ثم بينهما وبين الجبهتين الشعبية والديمقراطية، هذا فضلا عن أن لا أحد يفهم لماذا انقسمت جبهات أصلا (الديمقراطية والنضال والتحرير والعربية)!

كما أنه لا أحد يفهم ما يميز بين الجهاد وحماس، وهما تنظيمان سياسيان ينتميان للتيار الإسلامي؟ وإذا كان ثمة خلافات فقهية بينهما، فهل هذا أوان ذلك، أو هل ثمة مجال لذلك في مرحلة التحرر الوطني؟

ويمكن الاستنتاج من ذلك أن خريطة العمل الفلسطيني بوضعها الطبيعي، يمكن أن تتأسس على فصيل أو اثنين، يمثل كل منها تيارا بعينه، من مثل تيار الوطنية الفلسطينية، والتيار الوطني الإسلامي والتيار الوطني الديمقراطي.

على أية حال يبدو أن الظروف والتحولات الذاتية والموضوعية تؤشر إلى انتهاء المرحلة الفصائلية، بانتهاء مرحلة العسكرة ونظام التفرّع، وبمغادرة أعداد كبيرة من الكوادر لفصائلهم، هذا فضلا عن العوامل المتعلقة بالتحولات المجتمعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع الفلسطيني، والمحددات والمعيقات الخارجية.

"
الساحة الفلسطينية بحاجة إلى إعادة صياغة أوضاعها وخارطتها السياسية على أسس جديدة تأخذ التجارب الماضية في الاعتبار، وتنتبه للتحولات الفصائلية الحاصلة، وترتكز على اعتماد المؤسسات والعلاقات الديمقراطية وترسيخ المشاركة السياسية
"
وفي الواقع فإن النظام الفلسطيني منذ انتفاضة عام 2000، بدا كأنه يعيش أكثر مراحله تصدعا، فالسلطة فقدت المبادرة والقدرة على السيطرة مع انفلات الانتفاضة وطغيان ظاهرة المقاومة المسلحة، من دون أي ارتباط بإستراتيجية سياسية واقعية ومنطقية، ومع تزايد دور الجماعات المليشياوية، المنفلتة من عقالها ومرجعياتها، ومع انغلاق أفق المسار السياسي والتفاوضي، وسعي إسرائيل للتملص من التسوية وتعمد تقويض السلطة.

وحتى إن السلطة ذاتها لم تكن مقنعة في سعيها لبناء كيان سياسي، مع تفشي دور الأجهزة الأمنية، وارتفاع نسبة الفساد والتخبط الإداري، وعليه بدت القيادة كأنها ضحّت بالمنظمة، ولم تستطع بناء سلطة.

ومما فاقم من هذا التصدّع غياب الرئيس عرفات عام 2004، وصعود ظاهرة الإسلام السياسي على الصعيد الإقليمي، وتعثر قدرة فتح على تجديد ذاتها، مع عدم قدرة الفصائل اليسارية على لملمة أوضاعها.

ثم جاءت نتائج الانتخابات لتؤسس أو لتؤشّر إلى ضرورة السعي لإعادة بناء النظام الفلسطيني، والخارطة الفصائلية على أسس جديدة.

وعلى خلاف الانطباع السائد، فإن غالبية الفلسطينيين باتت اليوم خارج الفصائل (وضمنها فتح وحماس)، لأسباب من بينها استهلاك العمل الفلسطيني لذاته، بشعاراته ووسائل عمله، والإحباط الناجم عن استعار الخلافات الداخلية، والإخفاق في أي من الخيارات التي أخذتها القيادة على عاتقها، من المقاومة إلى التسوية ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، إلى تجربة بناء الكيان.

ومعنى ذلك أنه يبدو أن سعي القيادة الفلسطينية في رام الله لإعادة صوغ الخارطة الفلسطينية بالطرق المزاجية القديمة لن تنجح، مثلما أن سعي فصائل المعارضة في الخارج لإحياء دورها لن ينجح أيضا.

وعلى الأرجح فإن الساحة الفلسطينية بحاجة إلى إعادة صياغة أوضاعها وخارطتها السياسية على أسس جديدة تأخذ التجارب الماضية في الاعتبار، وتنتبه للتحولات الفصائلية الحاصلة، وترتكز على اعتماد المؤسسات والعلاقات الديمقراطية، وترسيخ المشاركة السياسية، وتعزيز دور المستقلين والكفاءات، خصوصا أن المغادرين من الفصائل باتوا يشكلون اليوم أكبر "حزب" في الساحة الفلسطينية، وإن كانوا يفتقدون منبرا معينا.

وعلى الأرجح أيضا، ونظرا لقيود واعتبارات الخارج، فإن المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة، سيكون هو الساحة والمختبر للصياغة الجديدة للخريطة السياسية الفلسطينية التي ستتوقف أو تتحدد أيضا، بناء على اتجاه التحولات التي ستحصل في إطار حركتي فتح وحماس ومدى قدرة القوى اليسارية والديمقراطية على لملمة أحوالها، وسعيها لاستقطاب الطيف الواسع من هذا التيار في المجتمع الفلسطيني.

كما أن هذا الأمر سيتوقف على سعي قوى المجتمع، وخصوصا الفعاليات الاقتصادية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني، لإنشاء تيارات سياسية جديدة وبديلة، تكون أكثر مناسبة للتحولات الجارية في المجتمع، وأكثر ملاءمة لمتطلبات المرحلة السياسية القادمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة