أسطورة الانتحاريين واحتكار الموت في العراق   
الأحد 1428/3/21 هـ - الموافق 8/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)


ما هو المغزى الحقيقي لمحاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء العراقي سلام الزوبعي التي وقعت مؤخرا؟.. الحادث، بكل المقاييس الأمنية والسياسية، غير مألوف أو مسبوق في العالم العربي والإسلامي؛ إذ لم يحدث قط، في أي وقت من التاريخ العراقي أو العربي الحديث، أن قام حارس شخصي بتفجير نفسه في الشخص الذي يقوم بحمايته.

لكن، وفي حالات نادرة وقعت في العالم العربي، هنا وهناك وعلى امتداد عقود وعقود، تمكن رؤية رؤساء أو زعماء أو قادة سياسيين، يقوم أشخاص مقربون منهم بإطلاق النار عليهم.

بينما تستحيل رؤية حادث واحد سابق على هذا الحادث، قام خلاله حارس شخصي بتنفيذ عملية (انتحارية حسب التعبير الأميركي الرائج) متقنة ودقيقة إلى هذا الحد، وضد الشخص الذي كلف بحمايته؟ مثل هذه الواقعة تبدو نادرة بالفعل في تاريخ الاغتيال السياسي.

لذلك، ومن أجل رؤية مغزى ودلالة هذا الحادث من منظور جديد ومغاير، فسوف ننظر إليه بوصفه أبعد بكثير من مجرد محاولة اغتيال لمسؤول بارز في الحكومة العراقية، وعلى أنه يمثل تطورا هو الأكثر دراماتيكية في مسار ما بات يعرف بـ"العنف" في العراق.

إنه -على نحو ما- يمثل نسفا كليا ومن الأساس، للصورة النمطية السائدة عن "الانتحاريين العرب" الذين يجوبون شوارع بغداد. هؤلاء الذين غالباً ما يُصورون في وسائل الإعلام على أنهم مصدر كل، وأي نوع مماثل من العنف؛ وإلى الدرجة التي صارت فيها صورهم متلازمة مع صور نمطية مريعة أخرى عن رجال بلحى طويلة وثياب قصيرة، يتسللون عبر الحدود من أجل القيام بأعمال انتحارية.

"
لا بد من النظر إلى محاولة اغتيال الزوبعي على أنها تمثل تطورا غير مسبوق في مسار العنف، فهي العملية الوحيدة التي أدّت وسوف تؤدي لاحقا وظيفة كسر احتكار "الاستشهاد", وهذا هو أحد أهدافها المباشرة
"
بكلام آخر؛ يجب أن ننظر إلى محاولة الاغتيال -بصرف النظر عن رأينا فيها أو موقفنا من الأشخاص الذين استهدفتهم، وبغض النظر كذلك عن موقفنا من الأشخاص الآخرين الذين خططوا لها- على أنها تمثل تطورا غير مسبوق في مسار العنف، فهي العملية الوحيدة التي أدّت وسوف تؤدي لاحقا، وظيفة كسر احتكار "الاستشهاد". وهذا هو أحد أهدافها المباشرة.

لقد قامت -العملية- وعلى أكمل وجه بتحطيم امتياز الشهادة الذي احتكره آخرون من غير العراقيين، ووضعت حداً للمزاعم والصور النمطية الأميركية عنهم، وهي مزاعم وصور عرّفتهم للرأي العام على أنهم من العرب الذين "يتسللون عبر الحدود مع سورية".

وهذا يعني أن جيلا جديدا من "الاستشهاديين العراقيين  دخل حلبة الصراع، وهو على أهبة الاستعداد للتضحية بنفسه والتقدم نحو الموت من دون قناع.

إنه جيل لا يعرف التنكر أو التقنع. وعلى العكس فهو يقبل على الموت بوجه مكشوف وعيون مفتوحة.

ليس في هذا الجيل الجديد بؤساء أو محرومون وفقراء، يمكن أن يندفعوا للشهادة بفعل بواعث وأسباب غير سياسية (والسعدي لم يكن من عائلة فقيرة على أي حال).

كما أنه جيل لم يتلق تعليمه في مدارس دينية، متشددة ولم يتلق تدريبه في "معسكرات القاعدة" بأفغانستان. ونحن نعلم أن الصور النمطية الأميركية والأوروبية للانتحاريين، غالباً ما تتضمن مزاعم عن أن هؤلاء يأتون من أسفل السلم الاجتماعي، وأنهم تناسلوا في جبال تورا بورا الأفغانية وتشبعوا من أصولية بن لادن.

لقد أظهر حادث الاغتيال بجلاء، أن جيلا جديدا من العراقيين سوف يقوم بنفسه ابتداء من الآن، باحتكار مضاد لهذا النوع من النشاط الذي جرى، في أوقات وظروف مختلفة، التلاعب بحقيقته وتصويره كما لو أنه وظيفة خاصة بنوع من البشر لا يحيون بين ظهرانينا، أو أنهم غرباء مجبولون بالشرّ وينبتون كالفطر السام.

هذه المرة؛ ومع قيام وهب السعدي، العراقي أبا عن جد وابن محافظة الرمادي الذي كان لوقت طويل حارسا شخصيا مؤتمنا لنائب رئيس الوزراء سلام الزوبعي -ولم يكن سجيناً أو متهماً بالإرهاب في أي وقت كما زعم بعض الصحفيين العراقيين والعرب- سوف يكون بوسعنا التأكد من حقيقة هذا التطور وأبعاده ودلالاته في الصراع ضد الاحتلال الأميركي.

لقد ولىّ وإلى الأبد احتكار صناعة "الاستشهاد". وها قد ظهرت إلى السطح تكنولوجيا بشرية جديدة غير مستوردة من الخارج، يتسلحّ بها جيل جديد من المتمنطقين بالأحزمة الناسفة، ليصبح طرفاً رئيساً في مسرح الصراع الدامي ضد الاحتلال الأميركي وضد الحكومة في الآن ذاته.

"
ثقافة "الاستشهاديين العراقيين الجدد" كما جسدها حادث محاولة اغتيال الزوبعي، ليست ثقافة "طارئة" أو قابلة للزوال من دون زوال الأسباب والبواعث التي ساهمت في نموها في تربة العراق الخصبة
"
إن ثقافة "الاستشهاديين العراقيين الجدد" كما جسدها حادث محاولة اغتيال الزوبعي، ليست ثقافة "طارئة" أو قابلة للزوال من دون زوال الأسباب والبواعث التي ساهمت في نموها في تربة العراق الخصبة.

وعلى العكس من ذلك فهي تتغذى من تربة الاحتلال الهشة ومن صور العذاب الجماعي للعراقيين.

وكلما طال بقاء قوات الاحتلال في العراق، كلما كان على رجال المارينز أنفسهم أن يتوقعوا هذا النوع من المواجهة. لن يكون مصدر الموت غامضا بعد اليوم، ولن تكون دوافعه غير مفهومة أو ملتبسة.

إن قراءة متمعنة في مغزى وقوع هذا الحادث، في إطار سلسلة مترابطة من الأحداث وقعت في أوقات متقاربة داخل العاصمة العراقية، وحيث جرى الحديث بشكل صاخب ومطرد عن "نجاح الخطة الأمنية" سوف تكشف لنا عن معطى جديد ومهم للغاية يشكل إطارا لفهم أكثر واقعية لما يجري في العراق.

وداخل هذا الإطار سوف تنهار نهائيا صورة الإرهابي (الانتحاري) القديم، المتسلل من خارج الحدود والذي ترك لحيته دون تشذيب، لتحل محلها صورة جديدة "لانتحاري" شاب لا أحد يتوقع موعد ظهوره.

إنه الجيل الذي ظل الدم يغلي في عروقه غضبا طوال أربع سنوات وهو يرى بلاده تتمزق، وأصبح مستعدا وجاهزا لأن يستبدل تمزق جسد بلاده بتمزق جسده هو.

ولذلك، لن تعود هناك بعد الآن، أي أهمية للكلام عن "إرهاب غريب" جاء ليفسد على الأميركيين بقية آمالهم في انسحاب مشرّف.

وهذا ما تنبئ به ثلاثة أحداث مترابطة، تزامنت مع حادث الزوبعي أو سبقته بقليل. وفي هذه الأحداث الثلاثة المتعاقبة لم يكن هناك بالطبع إرهابي (عربي) واحد.

لقد اتضح أن "الحارس الانتحاري" الذي سوف يفجرّ نفسه داخل المصلى الملحق بمنزل مرؤوسه، أو يضع قنبلة موقوتة تحت كرسي مسؤول كبير في صالة الاجتماعات داخل الوزارة -كما هو الحال مع محاولة اغتيال نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي- هو مواطن عراقي أبا عن جد وليس "أجنبيا" متسللا، وهو لم يكن، في أي وقت، إرهابيا أصوليا تقوده نشوة الجهاد إلى أرض الرافدين.

"
من العبث حقا مواصلة خداع النفس والاستمرار في تصوير "الانتحاريين" على أنهم جنس بشري طارئ وغريب يعبر الحدود نحونا، ومن الأجدى رؤية العوامل والظروف الموضوعية التي تمكّن شبانا من التقدم نحو الموت دون قناع
"
وفي أحداث من هذا النوع، ربما يتوجب القول إن من العبث حقا مواصلة خداع النفس والاستمرار في تصوير "الانتحاريين" على أنهم جنس بشري طارئ وغريب يعبر الحدود نحونا؛ وإنه من الأجدى -لأجل الحقيقة وحدها- رؤية العوامل والظروف الموضوعية التي تمكّن شبانا –مثل وهب السعدي- من التقدم نحو الموت دون قناع.

فإذا كانت البطالة من بين الأسباب التي يظن الأميركيون أنها تدفع الشبان العرب إلى الموت؛ فلماذا يا ُترى، يندفع شاب مثل السعدي حصل على وظيفة جيدة، إلى الالتحاق بموكب "الاستشهاديين"؟ لابد أن ثمة ثقافة أخرى لم يتسن للأميركيين بعد التأمل في مصادر قوتها.

أولى الأحداث الثلاثة التي يتعين تحليلها من هذا المنظور، وقع أثناء افتتاح المؤتمر الدولي حول العراق، عندما سقطت قذيفة صاروخية ارتجت لها أركان قاعة المؤتمر، ثم سرعان ما سمع دوي انفجارها الرهيب في كل أرجاء المنطقة الخضراء ليبلغ عواصم العرب والعالم.

ووقع ثانيها أثناء المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء نوري المالكي مع السيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة؛ إذ سقطت قذيفة هاون على بعد 50 مترا من الضيف الأممي الذي لم يخفِ هلعه العفوي، حتى أن الصور المباشرة التي نقلتها وسائل الإعلام، أظهرته –دون قصد- كما لو أنه كان يحاول، لشدّة القصف، الاختباء خلف المنصّة.

أما الحدث الثالث فقد كان مسرحه وزارة البلديات، عندما انفجرت قنبلة موقوتة تحت المقعد الذي كان من المقرر أن يجلس عليه نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي.

هذا يعني أن ما قام به وهب السعدي لم يكن عملاً معزولاً، أو خارج السياق والطريقة التي يجري بها استهداف المسؤولين في الحكومة.

وعلى العكس من ذلك ثمة الكثير من المؤشرات والدلائل على أن الحادث يندرج في إطار إستراتيجية جديدة لجيل من المقاتلين لا تفتر عزيمتهم.

وهذا ما لا يريد الأميركيون تصديقه ويصرّون، بخلاف المنطق على القول إن "مصدر العنف خارجي" وإن أبطاله ليسوا عراقيين.

عندما تكون الوقائع المعاكسة، على هذا القدر من الوضوح والقوة، فيما الدلائل المؤيدة لحجج الأميركيين والحكومة العراقية تزداد ضعفا وهشاشة؛ فإن التصريحات التي يطلقها خليل زاد أو المالكي عن "دحر الإرهابيين" ونجاح الخطة الأمنية غالبا ما تتبدد بسهولة مع دوي القذائف.

وما تشهده العاصمة العراقية، كما برهنت هذه الأحداث الثلاثة المتعاقبة -مع دخول جيل جديد من الاستشهاديين العراقيين- سيبدو في هذا النطاق وحده، أكثر بكثير من مجرد "تدهور أمني".

"
ظهور المليشيات من جديد وتزايد أعمال الخطف والقتل وارتفاع معدلات "الجثث المجهولة الهوية" في الشوارع يدل بوضوح على أن الوضع الأمني في العراق يتجه نحو منعطف حاد لن تعود معه "خطة أمن بغداد" سوى خطة فاشلة أخرى
"
وذلك ما يفسره سلوك الحكومة ورد فعلها. لقد ردّت حكومة المالكي فور وقوع محاولة اغتيال الزوبعي، بإطلاق يد المليشيات المسلحة. وهكذا؛ وبدلاً من سياسة تفكيك المليشيات أعاد المالكي المليشيات إلى الشوارع.

لقد نزلوا كالوحوش إلى الشوارع وبما يشبه استعراض قوة، وكانت المساجد والمواطنين العزل هي أهدافهم المفضلة. ولنتذكر أن الأميركيين وحكومة المالكي تحدثوا عن الهدف الكبير والمباشر من خطة أمن بغداد: طرد أو تفكيك المليشيات أو إرغامها على الاستسلام؟

وفي الواقع لم يبق مسؤول واحد في الحكومة العراقية تقريباً، إلا وتحدّث عن فضائل هذه الخطة؛ فهي سوف تؤدي إلى إرغام المليشيات على الهروب أو إلقاء السلاح أو الاستسلام لقدرها.

لكن، وبعد نحو ستة أسابيع من العمليات الحربية العنيفة، وعدد لا يحصى من عمليات دهم المنازل في كل شبر من العاصمة، مصحوبة بحملات تفتيش طالت حتى مقرات الأحزاب والمباني الحكومية والمساجد؛ فإن منظر رجال المليشيات المسلحة وهم يجوبون الشوارع سيبدو كما لو أنه الدليل الحقيقي على انهيار الوضع الأمني تماما.

وبالفعل، فإن ظهور المليشيات من جديد، وتزايد أعمال الخطف والقتل وارتفاع معدلات "الجثث المجهولة الهوية" في الشوارع، يدل بوضوح على أن الوضع الأمني في العراق يتجه نحو منعطف حاد، لن تعود معه "خطة أمن بغداد" سوى خطة أخرى فاشلة يتخلى أصحابها عن أهدافها وعن فضائلها.

عملية "انتحارية" واحدة قد تكفي لتحطيم الصورة الزائفة وتضع حدا لأسطورة "الإرهابيين المتسللين" أليس كذلك؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة