مهمة الإبراهيمي بين الرهان على حنكته وحسابات الأطراف   
الثلاثاء 1433/10/11 هـ - الموافق 28/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:19 (مكة المكرمة)، 11:19 (غرينتش)

بعد مجزرة داريا التي فاقت بشاعتها كل قدرة على الاحتمال، لا يمكن لأحد أن يتكهن بمعرفة حقيقة الرهانات التي يؤسس الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الدولي لحل الأزمة السورية، لقيام مهمته عليها، صحيح أن هذا الدبلوماسي العتيق كان قد لمح إلى تسلحه بالأمل لإطفاء النيران الكثيفة التي يشعلها نظام لا يجد له فرصة للخروج من المأزق الحالي حتى بالأحلام، الأمر الذي يجعل سلاح الإبراهيمي غير ذي فعالية ويحوّل آماله إلى كومة من الإحباطات.

لعل الأمل الذي يبني عليه الأخضر الإبراهيمي أساسات و"مداميك" مهمته مرتبط بدرجة كبيرة بإمكانية إقناع القوى الدولية الداعمة للنظام السوري ورأسه بقبول فكرة تنحي الأسد عن السلطة، مع الاحتفاظ للجيش بدور مركزي في المرحلة الانتقالية، بمعنى أنه محاولة لاستنساخ الحل المصري، وهي محاولة لا شك أنها ذكية من الإبراهيمي لأنها تحمل تقاطعات وقواسم مشتركة لمختلف القوى الدولية فضلاً عن كونها تقارب رؤى وتصورات سابقة كانت هذه القوى قد لمحت وصرحت بها.

فمن المعروف أن الولايات المتحدة أكدت أكثر من مرة ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة في سوريا مع تأييدها فكرة تنحي الأسد عن السلطة، وأبدت معارضتها تجاه أي عمل من شأنه إسقاط الدولة ومؤسساتها، حتى إن دعمها للمعارضة كان منسجماً ومتناغماً مع هذا الطرح، فيما بدا أنها تفضل بشكل واضح أن تنتهي العملية بانقلاب داخلي تقوده قوى من داخل النظام بعد أن تقتنع هذه القوى بعدم جدوى استمرار حكم الأسد.

من جهتها، روسيا أكدت أكثر من مرة عدم تمسكها بالأسد كشخص، وأن ما يهمها هو استقرار سوريا البلد، وعبرت في هذا الشأن عن مخاوفها تجاه مستقبل الأقليات هناك واحتمال تعرضها للانتقام بعد سقوط الأسد.

الإبراهيمي يحاول صياغة مهمته بناءً على توليفة تشمل جمع عناصر من رؤى وتصورات القوى الفاعلة في الملف السوري

وفق هذه المؤشرات فإن الإبراهيمي يحاول صياغة مهمته بناءً على توليفة تشمل جمْع عناصر من رؤى وتصورات القوى الفاعلة في الملف السوري، فهو يحاكي رغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على أساس النظام من خلال الحفاظ على مؤسسات الجيش والنظام.

كما يحاكي الرغبة السورية في تأمين الأقليات والحفاظ عليها عبر آلية كان الروس قد طرحوها في اجتماعاتهم المبكرة مع المعارضة السورية، وهي تأسيس مجلس عسكري يضم غالبية ضباط من أبناء الأقليات إلى جانب ضباط من الأكثرية السنية، وهي صيغة تضمن لروسيا مصالحها في الجيش السوري المستقبلي وفي ميناء طرطوس حيث قاعدتها الأهم في منطقة البحر المتوسط.

ووفق هذه الصيغة فإن الأمر لا بد أن يتطلب إيجاد مخرج آمن للأسد وعائلته من سوريا ومحاولة تجنيبه المحاكمة والبحث عن بلد يستقبله وإن كانت الترجيحات تميل إلى إمكانية تولي إيران تأمين هذا الملجأ شريطة أن تتم مراعاة مصالحها في سوريا وأخذها في الحسبان باعتبارها طرفاً مسهلاً في الأزمة السورية.

لكن إلى أي مدى تصح هذه الصيغة أساساً عملياً ومحكماً لحل الأزمة السورية؟ وإلى أي مدى يمكنها تحقيق اختراقات جدية في جدار هذه الأزمة الصلب المستند للنظام وحلفائه الإقليميين والدوليين؟

لقد سبق أن جرب كوفي أنان الخوض في هذا المعترك وكانت أسلحته في ذلك أكثر من الأمل لكنه اضطر في النهاية إلى إعلان فشله بعدما وجد أنه يحرث في البحر، وأن مهمته في الأزمة السورية لا تحقق أي تقدم، ولا تملك أي فرصة للنجاح في ظل الانقسام الدولي والتجاذب الإقليمي، محملاً الأطراف الدولية التي زجته في هذا المعترك مسؤولية مآل مهمته.

ترى المعارضة التي باتت أكثر تسلحا وأشد تمسكا بمطلب رحيل الأسد وأكثر إدراكاً، أن تراجعها يعني استباحة النظام للشعب دون ولي ولا نصير، ومن هي المعارضة المسلحة؟ إنهم أبناء هذه البيئة الشعبية التي دفعت ولا تزال ثمن الثورة من دمها وأرزاقها

في الواقع الداخلي، يراود السوريين الكثير من الشكوك بشأن مهمة الإبراهيمي وإمكانية نجاحه على اعتبار أن الوقت فات على الجهود السلمية، وأنه لم يعد هناك مجال لتسوية بين النظام الذي أمعن في العنف والقتل وإعلان رأس النظام استمرار الحرب على الشعب مهما تكن التكلفة وكذلك تصريحات وزير خارجيته بأن النظام لن يفاوض قبل تطهير البلاد مما أسماهم بالإرهابيين.

في المقابل، ترى المعارضة التي باتت أكثر تسلحا وأشد تمسكا بمطلب رحيل الأسد وأكثر إدراكاً، أن تراجعها يعني استباحة النظام للشعب دون ولي ولا نصير. ومن هي المعارضة المسلحة؟ إنهم أبناء هذه البيئة الشعبية التي دفعت، ولا تزال، ثمن الثورة من دمها وأرزاقها.

في الواقع الدولي أيضاً ليس ثمة معطيات كثيرة أو مهمة تشير إلى حدوث متغيرات ذات وزن في بيئة الأزمة السورية، وخاصة لجهة المواقف الدولية وتحديداً تلك التي تقف في خندق النظام، ذلك أن كلا من روسيا وإيران، وهما أكثر الأطراف شراسة في دعم النظام، لا تزال حتى اللحظة تراهن على إمكانية بقاء النظام، بقضه وقضيضه.

ولا تزال روسيا تعتقد حتى اللحظة أن أوان الصفقة لم يحن بعد، وأن الأزمة في سوريا لا تزال تعد بالمزيد من فرص المساومة مع الغرب والولايات المتحدة تحديداً، خصوصاً وأن طموحاتها تتجاوز سوريا إلى ما عداها من ملفات خلافية أخرى مع الغرب.

صحيح أن روسيا رحبت بمهمة الأخضر الإبراهيمي لكنها في الوقت نفسه دعته إلى اقتفاء طريق أنان الفاشل، وأنها في هذا الصدد تحضر لجملة من السياسات التضليلية لإغراق المهمة، وقد كان واضحاً أن روسيا سارعت إلى نصب فخ لإجهاض مهمة الإبراهيمي من خلال إعلان نائب رئيس الوزراء السوري قدري جميل بعد محادثاته مع سيرغي لافروف في موسكو أن سوريا مستعدة لمناقشة استقالة الرئيس بشار الأسد في إطار مفاوضات مع المعارضة وذلك في محاولة لإظهار النظام وكأنه منفتح على الحوار.

لكن بالتأكيد فإن أول ما سيواجهه الإبراهيمي غداً هو ضرورة تحديد أولئك "المعارضين" الذين يقبل النظام مفاوضتهم، وهم بالتأكيد جماعة النظام لكن بأقنعة المعارضة، في حين أن المعارضة الحقيقية ترفض قطعاً التفاوض مع الرئيس السوري، الذي ذهب بعيداً في الحل العسكري بما أوصل القتلى إلى أكثر من خمسة وعشرين ألفاً وجعل من المدن السورية ساحة مدمرة وأرضا محروقة.

تدرك إيران أن ما بنته في ثلاثة عقود ستخسره بذهاب الأسد، بما سيقطع الجسور الحيوية التي أوصلتها إلى شواطئ المتوسط وسيمهد لخسارتها في العراق وكل منطقة الخليج التي تستميت لتكون فيها لاعباً كبيراً

وإذا كان الإبراهيمي قد عبر عن إدراكه لحقيقة المشكلة القائمة في سوريا والتي لا يمكن الالتفاف عليها بالتذاكي من خلال قوله "التغيير لا مفر منه، تغيير جدي، تغيير أساسي وليس تجميلياً.. ينبغي تلبية تطلعات الشعب السوري"، فإن من الواضح أنه وعند هذا الحد صار مطلوباً إغراق الإبراهيمي بأوهام الحديث عن الاستعداد لمناقشة استقالة الأسد لكن شرط ترتيب مفاوضات مستحيلة مع المعارضة، وهو أمر يعرفه النظام كما يعرفه الجميع، مما يعني أن موسكو قررت باكراً إجهاض مهمة الإبراهيمي عبر حفرة إغراق المهمة وصاحبها.

أما إيران فقد قررت أن تخوض مع حليفها الأسد "الشوط النهائي من المعركة التي ستقرر هوية الشرق الأوسط"، وأعلنت أنها لن تتخلى عن "سوريا الأسد" التي تشكل ضلعا مهماً من أضلاع مثلث المقاومة، وهي تدرك أن ما بنته في ثلاثة عقود ستخسره بذهاب الأسد، بما سيقطع الجسور الحيوية التي أوصلتها إلى شواطئ المتوسط وسيمهد لخسارتها في العراق وكل منطقة الخليج التي تستميت لتكون فيها لاعباً كبيراً!

في المحصلة الأكيدة أن الحل الخارجي لما ينضج بعد والتقدير أن تتركز كل الجهود الغربية والعربية على محاولة تغيير موازين القوى في الداخل السوري لصالح الثوار السوريين. أما النظام فإنه يقبل مهمة الإبراهيمي على أنها فرصة لإنعاش شرعيته وتزكية لانتصاره على الشعب في محاولة لاستغلالها للمساومة من أجل بقائه في السلطة.

لكن لماذا قبل الإبراهيمي مهمة مستحيلة ومعقدة؟ هل لأن الرجل تعوّد على المهام الصعبة كما يشير تاريخه الدبلوماسي، أم لأن الأطراف الدولية ترغب في الإبقاء على تشغيل الخط الدبلوماسي حتى يتسنى لها ترتيب متطلبات الصفقة الكبرى ولكي تضمن عدم حدوث أي صدام بينها؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة