هل هناك فرصة للنموذج التركي في العالم العربي؟   
الخميس 2/8/1428 هـ - الموافق 16/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 18:12 (مكة المكرمة)، 15:12 (غرينتش)

في الناس ميل طبيعي إلى الإعجاب بالناجحين، غير أنهم قد يخطؤون الوقوف على الأسباب الحقيقية لنجاحهم، وهو ما لاحظه العلامة ابن خلدون من أن المغلوب يميل إلى تقليد غالبه فيما يحسبه سبب غلبه، متعلقا بمظاهر من حياة الغالب، مثل زيه وأنماط حياته.

شيء من ذلك يشهده السجال الدائر حول الانتصار المدوّي الذي حققه الإسلاميون الأتراك، فلم تدخر عدة أقلام علمانية جهدا لصرف الأنظار عن إسلامية الحزب، لصالح التركيز على علمانيته في تجاهل للمدرسة الفكرية التي نشأ فيها محازبوه وما عرفوا به ولا يزالون.

"
لم يؤسس العلمانيون العرب إعجابهم بالتجربة الإسلامية التركية على التنويه بديمقراطيتها دعما للتوجه الديمقراطي المتوقف في منطقتنا، أو تسليط الأضواء على خلفيته الإسلامية المعتدلة، لأن ذلك لا يهمهم، المهم هو خدمة الإستراتيجية الأميركوصهيونية المستهدفة لمقاومة يعد الإسلام وقودها
"
يقول أولئك إنه ليس للإسلام فضل في نجاح هؤلاء، لأنهم علمانيون، وإن جوهر إبداع الحزب ومصدر نجاحه علمنته للإسلام وفصله الدين عن شؤون المجتمع والدولة في حين أن الإسلام شأن خاص.

والنتيجة:
أ- ليس للإسلاميين العرب المطحونين بالاستبداد أن يبتهجوا وتنتعش آمالهم بما تحقق لـ"إخوانهم" الأتراك، وبأن خيوط الشمس ستصل ربوعهم يوما أيضا، وإنما الأحرى بالابتهاج هم العلمانيون والليبراليون.

ب- وكذلك إذا كانت العلمانية هي المنتصرة، فلماذا الأحزاب العلمانية التركية التي لا شبهة في علمانيتها تستصرخ محذرة من خطر الأصولية؟ هلا تطوع علمانيونا بإقناعها أن جماعة العدالة والتنمية، منهم وإليهم؟

ج- إن أهم ما يستظهر به المدافعون عن علمانية "العدالة والتنمية" هي اعتراف زعماء الحزب بذلك وترديدهم له، دون أن ينالوا نجاحا في إقناع العسكر ولا المدنيين، فقط نجحوا في إقناع العلمانيين العرب المتمسكين بحجة الاعتراف، وبعضه لا يعتد به في الجنايات، إذ قد يعترف الإنسان على نفسه بجريمة لم يقترفها لتجنب مصيبة أعظم، أو تحت الإكراه، أو لجلب مصلحة ودرءا لمفسدة، فيعقد زيجة أو شراكة لا يرغب فيها.

وإلى ضرب من ذلك انتهت علاقة الإسلاميين الأتراك والعسكر حراس المعبد العلماني الذين بمعاولهم على كل محاولة للإحياء الإسلامي، لا يعودون إلى ثكناتهم حتى يستوي قطار الديمقراطية على سكة العلمانية الصلدة فيأذنوا بانطلاقه.

فهل يريدون من الإسلاميين الأتراك وأمثالهم، وقد حلت أحزابهم الواحد بعد الآخر ونكل بزعمائهم أن يكشفوا صدورهم عارية للخناجر والسيوف المتربصة بهم حتى يشهدوا لهم بالإسلامية؟ أم أنهم يبغون دفعهم إلى الصدام والعنف حتى يعلّقوا على جباههم لافتة الإرهاب؟

أوليس الإسلاميون بشرا ذوي عقول تقدر المصلحة وتتعلم من التجارب كيف تتوقى الضربات وتتجنب كوارث الصدام؟ وهل من بديل غير السياسة ومن مقتضياتها القبول بضرورات الواقع وإكراهاته.

ولذلك لم تقم خلال زهاء قرن من الصراع بين الإسلام والعلمانية في تركيا جماعة إسلامية تدعو إلى تطبيق الشريعة، بله إعادة الخلافة، ومقابل ذلك لم يبرز مع توالي الأحزاب الإسلامية العاملة في ظل العلمانية أي تنظير "لإسلام علماني" فهل يعني ذلك أن خمسة قرون من المجد التركي في ظل الخلافة انمحى أثرها من العقل التركي المعروف بصلابته؟

ولأن هذا التنظير غير موجود فما يبقى من تفسير مقبول لما صدر عن زعماء الحركة الإسلامية في تركيا من تصرفات مثل وقوف أربكان على قبر أتاتورك، متعهدا بمواصلة السير على نهجه، وتصريح خلفائه المتكرر أن حزبهم محافظ علماني، دون وضعها في سياق الصراع بين الإسلام العائد والعلمانية الأصولية الغاربة، بما يخرّجها مخرج الضرورة والسياسة التي لا تخلو حياة الأفراد والجماعات من اللجأ إليها.

وقديما قال حكيم العرب:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
لأن البديل أسوأ: العنف والصدام وزرع بذور التطرف والإرهاب، وهل من عاقل يطالب أردوغان أن يتمسك بمشروع أستاذه: الدول الثماني، واتخاذه محورا لسياسته والإصرار على إقرار قانون حظر الزنا بعد الضجة التي أثيرت حوله، والتمسك بموضوع الحجاب حتى وإن قاد البلد إلى صدام مدمر، أو أن يقدم على رفض وإلغاء الدستور العلماني، ولم لا إعلان الخلافة؟، حتى يحظى لدى العلمانيين العرب بالوصف الإسلامي يعلق على جثته مشنوقا: المشهد الأمثل للإسلامي معلقا على أعواد المشانق أو معتقلا أو مشردا أو يموت كل يوم كمدا. أما أن يكون حاكما فلا بد أن يكون قد تعلمن قبل ذلك! بل تأسرل.

ليس عجبا أن ينوه العلمانيون العرب بالفوز الذي حققه حزب العدالة والتنمية، فالناس مفطورون كما سبق على الإعجاب بالناجحين، على غرار قول الشاعر:
والناس، من يلق خيرا، قائلون له
ما يشتهي، ويلام المخطئ الهبل

إلا أنه كان أنسب أن يؤسسوا إعجابهم على أسس أخرى غير ما ذهبوا إليه من الإصرار على علمنته، من مثل التنويه بديمقراطيته دعما للتوجه الديمقراطي، المتوقف في منطقتنا، أو تسليط الأضواء على خلفيته الإسلامية المعتدلة، بما يشجع تيار الاعتدال عندنا، أو لفت الأنظار إلى المصلحة القومية للعرب في أن يكون الإسلام حاكما في كل مكان وبالخصوص في محيطهم الجغرافي.

"
إدمان بعض الأقلام على تسويق الفكرة الخاطئة المتمثلة في الربط اللازب بين الديمقراطية والعلمانية إمعان في تضليل الرأي العام تشهد على فجاجته أنظمة دكتاتورية شيوعية ونازية وعربية هي علمانية أصولية، مقابل وجود أنظمة ديمقراطية عديدة غير علمانية
"
فالإسلام حظهم ورصيدهم ومجدهم "وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تسألون". ألم ينقل إسلاميو تركيا العلاقة مع محيطهم العربي من طور كانت فيه على شفا الحرب مع سوريا ومع العراق لأسباب منها المياه، إلى طور التعاون، نقلا بلغ حد قبول تركيا عضوا مراقبا في الجامعة العربية، وبلغ رفضها التورط في غزو العراق ورفض السماح للجيش الأميركي بعبور أراضيها بينما تورطت في ذلك كل الدول العربية؟

كلا لم يؤسس هذا الفريق من العلمانيين العرب إعجابه بالتجربة الإسلامية التركية على شيء من ذلك لأن شيئا منه لا يهمهم، المهم هو خدمة الإستراتيجية الأميركوصهيونية المستهدفة لمقاومة يعد الإسلام وقودها.

سؤالان مهمان: الأول: هل هناك فرصة لأردوغان عربي؟ وهل في ذلك مصلحة؟

الأول: نوافق الأقلام العلمانية في تأكيدها أن التجربة التركية غير قابلة للنقل إلى العالم العربي، ولكن ليس لنفس الأسباب، وإنما لأسباب أخرى، لا تتمحور حول ما ادعته من موانع داخل الحركة الإسلامية العربية تحول بينها وبين توفير الشروط التي قبل بها الإسلاميون الأتراك ثمنا للتمتع بالديمقراطية والوصول إلى السلطة ومنها القبول بالعلمانية: علمنة الإسلام أي بتجريده من الشريعة وفصله عن الدولة، كالقبول بالرأسمالية نهجا اقتصاديا، والاعتراف بالكيان الصهيوني.

مع أنه:
1- قد يغدو في ظل الهيمنة الدولية دفع ذلك الثمن لا محيد عنه لكل حزب يطمح إلى الحكم بأي ثمن سواء كان قوميا أم إسلاميا، ولكن الدنيا لا تزال بخير بل الخير في ازدياد بتعاظم تيار المقاومة في الأمة والعالم.

غير أن الواقع يشهد أن هناك دولا عربية وإسلامية مختلفة التوجهات ذات توجهات فكرية وسياسية قومية لا تزال قائمة دون أن تضطر لدفع ذلك الثمن كاملا، كالاعتراف بالكيان الصهيوني، أو الخضوع لشروط الاقتصاد الرأسمالي أو تبني النهج العلماني، بما يدل على أن ما انتهجه الإسلاميون الأتراك هو ثمرة لقراءة لهم خاصة بتوازنات القوة التي تحكم بلدهم ولتجارب المواجهة خلال أزيد من 80 سنة صراعا بين الإسلام والعلمانية.

وليس من دليل يشهد أن هذه السياسة التي انتهجوها هي ثمرة لقراءة جديدة في الإسلام جردته من شريعته وما يدعو إليه أتباعه من نهج في الحياة.

2- ليس هناك ما "يضطر" الحركات الإسلامية العربية إلى الاعتراف بالعلمانية بمثل ما فعل إسلاميو تركيا، لأن الدول العربية القائمة هي حسب ما تنص عليه دساتيرها إسلامية، وهو ما يعطي للحركات الإسلامية مشروعية دستورية لوجودها وحتى مطالبتها بتطبيق الإسلام، بما ينقل الحرج إلى الجانب الآخر: الجماعات العلمانية، فيفرض عليها مراجعة توجهاتها حتى تنسجم مع فهم للإسلام مقبول تأويله.

3- إن إدمان بعض الأقلام على تسويق الفكرة الخاطئة المتمثلة في الربط اللازب بين الديمقراطية والعلمانية إمعان في تضليل الرأي العام تشهد على فجاجته أنظمة دكتاتورية شيوعية ونازية وعربية، هي علمانية أصولية، مقابل وجود أنظمة ديمقراطية عديدة غير علمانية مثل النظام البريطاني حيث يجتمع في شخص الملك(ة) الرئاستان الدينية والسياسية، وأنظمة أخرى أوروبية وغير أوروبية.

4- الأمر الأساسي الذي حاولت الأقلام العلمانية أن تسدل عليه الستار والذي يلقي ضوءا كاشفا على الفارق بين الحركة الإسلامية في العالم العربي ومثيلتها في تركيا لا يتمثل بالتأكيد في الخلفية الأيديولوجية لأنها واحدة، وإنما في شروط الواقع خاصة المتعلق بالاختلاف بين طبيعة النظام التركي والنظام العربي ثم بدور وارتباطات كل منهما.

أ- النظام التركي هو في المحصلة جزء من النظام الأوروبي، من حيث حكم المؤسسة مقابل حكم الفرد والعائلة في النظام العربي.

صحيح أن المؤسسة العليا في هذا النظام التركي هي الجيش الحارس لقيم الجمهورية ومنها العلمانية، ولكنه ليس مثل جيوش العرب، هو لا يحكم وإنما يقوم بدور الرقابة على الحكم، ليضمن مضي آليات الحكم الديمقراطي سائرة على سكة دستورية علمانية، عبر انتخابات تنافسية نزيهة لا شبهة فيها ولا مجال لغش ولا إقصاء، لكنه يرفع هراوته كلما رأى القطار يخرج عن سكة العلمانية. ويحاول إسلاميو تركيا تجريده من تلك الهراوة بوسائل منها دفع بلادهم للاندماج الأوروبي.

"
تجربة الحركة الإسلامية في تركيا مهمة جدا في تليين صخرتي الدولة القومية والعلمانية، بما يستعيد اللحمة الوطنية المتشظية، وبما يتيح للمجتمع المدني أن يتنفس تمركزا حول قيمة الحرية والتنمية سبيلا للتطبيق الإسلامي المعاصر
"
في تركيا اليوم نصف ديمقراطية هي غائبة في النظام العربي، فلم تتمكن أي حركة سياسية مهما اختلف فكرها من خوض انتخابات نزيهة تحقق جوهر الديمقراطية: التداول، المشكل هاهنا على غرار تركيا.

ب- العامل الآخر الذي يعتمدون عليه هو العامل الدولي وقيامه على حراسة مصالح إستراتيجية في منطقتنا: إسرائيل والبترول والموقع.

وكلما جرب الغرب تشجيع التحول الديمقراطي واجهه اتجاه المنطقة صوب التحرر من هيمنته، بما يهدد مصالحه الهيمنية، فيتراجع، كما تراجع بوش سريعا عما مارسته إدارته لفترة من دفع للأنظمة صوب الانفتاح السياسي، بمجرد أن جاءت صناديق الاقتراع في فلسطين ومصر تفصح عن توجه سافر للرأي العام صوب الإسلاميين، بما يعنيه ذلك من دعم للمقاومة ورفض للكيان الصهيوني وتوجه نحو توحيد المنطقة.

وكل ذلك يعتبر تهديدا للنفوذ الغربي في هذه المنطقة الحيوية، بينما الوضع التركي لا تدخل في معادلاته الحالية هذه العناصر التي هي وليس غيرها المسؤولة عن رفض نظام الهيمنة للحركات الإسلامية العربية، لا لتمسكها بالشريعة، وبعضها لم يدرج ذلك في برنامجه.

فالغرب خاصة الأميركان لا يعنيهم ذلك كثيرا وإنما الذي يعنيهم مصالحهم: البترول وإسرائيل، ولا تزال الحركات الوطنية الحقيقية قومية كانت أم إسلامية منظورا إليها أنها تهديد لتلك المصالح، وهي إستراتيجية غربية مستقرة رسخها النفوذ اليهودي في الإدارات الأميركية والغربية.

إلا أن ذلك ليس مؤبدا بل قابل للتحول، فهيمنة الغرب ليست قدرا وإنما دورة في طريقها إلى الزوال "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

وخلاصة ذلك أن ليس من فرصة في ظل أوضاع الهيمنة الدولية القائمة والاستبداد الخادم لها لظهور أردوغان عربي، فليطمئن البعض، ولا يحاول البعض الآخر.

إن التجربة التركية وليدة ظروف خاصة، فلا تصلح نموذجا، فقد أنتجتها ضرورات قاهرة والضرورات تقدر بقدرها، ضرورات حملت الإسلاميين بعد تجارب مريرة على أن يعلنوا تمسكهم بعكس ما تمليه عليهم عقيدتهم القاضية بأن الإسلام ليس عقيدة وحسب وإنما منهاج حياة.

إن السلطة إذا كانت في كل الأحوال مفسدة، فهي في ظل وضع مثل هذا أدعى إلى الفساد، ثم إنه إذا أمكن أن يروج قدر من العلمنة في شعوب إسلامية غير عربية فالطريق مسدود هنا بفعل اللغة العربية التي لم تتعلمن وهي غير قابلة لذلك.

ومع ذلك تظل تجربة الحركة الإسلامية في تركيا مهمة جدا في تليين صخرتي: الدولة القومية والعلمانية، بما يستعيد اللحمة الوطنية المتشظية، وبما يتيح للمجتمع المدني أن يتنفس تمركزا حول قيمة الحرية والتنمية سبيلا للتطبيق الإسلامي المعاصر.

وفي ظل الحرية لن يلبث "الإسلام التركي" في زمن تصاعد الصحوة، أن يلتحم بالموج الإسلامي المتلاطم ويندمج الجميع في نهر الإسلام العظيم الذي ينهل من نبع صاف غير قابل للتشويه ولا التحريف.

أما العرب الذين يصرون على نهج الإقصاء والقمع فلن يجنوا غير الخيبات. فمن يزرع إرهاب الدولة لن يجني غير ابن لادن، ولا سبيل بين القرنين غير جبهات شعبية واسعة تقود غضب الشارع وتسلكه في طريق فرض التغيير الديمقراطي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة