بنديكت ومانويل والخطر الإسلامي المستعاد   
الخميس 27/8/1427 هـ - الموافق 21/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)


بشير موسى نافع

النص الذي أثار الاحتجاج الإسلامي الواسع على محاضرة البابا بنديكت السادس عشر (الثلاثاء 12 سبتمبر/ أيلول 2006) هو نص مقتبس من كتاب بعنوان "ستة وعشرون حوارا مع فارسي".

كاتب هذا العمل هو الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني بالايلوغوس الذي ولد عام 1350 وتوفي عام 1427، وهي فترة بالغة الاضطراب في تاريخ بيزنطة وعاصمتها القسطنطينية، لا سيما من جهة علاقة البيزنطيين بالقوة العثمانية الإسلامية الصاعدة.

ولكنها أيضا كانت فترة بالغة التعقيد، رسم ملامحها التداخل الكبير بين البزنطيين والعثمانيين، الذي انتهى بسقوط القسطنطينية وإعلان شهادة وفاة الإمبراطورية.

وإن قبلنا التاريخ المتفق عليه لولادة وانطلاق الدولة العثمانية عام 1298، فإن مانويل الثاني كان شاهدا على القرن الأول من تاريخ السلطنة التي ستصبح مصدر القلق الرئيس لأوروبا طيلة عدة قرون تالية.

"
إن قبلنا التاريخ المتفق عليه لولادة وانطلاق الدولة العثمانية في 1298، فإن مانويل الثاني كان شاهدا على القرن الأول من تاريخ السلطنة التي ستصبح مصدر القلق الرئيس لأوروبا طوال عدة قرون تالية
"
في 1373، تمرد أندرونيكس الرابع الشقيق الأكبر لمانويل على والدهما الإمبراطور يوحنا الخامس. بعد هزيمة أندرونيكس، سارع الإمبراطور الوالد إلى إعلان ابنه الأصغر مانويل وليا للعهد والذي أصبح بالتالي (وعلى الطريقة البيزنطية المتأخرة) إمبراطورا مشاركا.

بعد ثلاث سنوات، ثار الابن المتمرد من جديد ونجح في السيطرة على القسطنطينية والعرش. ولم يستطع يوحنا الخامس ومانويل الثاني استعادة العاصمة والعرش إلا بمساعدة عثمانية حاسمة.

في 1390، قاد يوحنا السابع ابن أندرونيكس ثورة أخرى ضد جده وعمه، واستطاع بدوره طردهما من القسطنطينية والجلوس على العرش.

وفي هذه المرة أيضا لم يتمكن الإمبراطور وولي عهده من استعادة العاصمة والعرش إلا بدعم عثماني عسكري. في مقابل هذا الدعم، كان على الإمبراطور يوحنا الخامس توقيع معاهدة تحالف مع العثمانيين تتضمن تقديم العون لهم عند الحاجة.

ولضمان المعاهدة واتباعا لتقاليد العصور الوسطى، أرسل مانويل الثاني للعيش في معية السلطان العثماني بايزيد الأول في العاصمة العثمانية الأولى بورصة، بمعنى أن مانويل الثاني أصبح رهينة لدى العثمانيين، لتوكيد حسن النية في العلاقة بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة العثمانية.

لم تطل فترة بقاء مانويل الثاني في بورصة أكثر من عام، إذ ما أن تناهى إلى سمعه في 1391 أن والده توفي حتى سارع إلى الهرب من بورصة والعودة إلى القسطنطينية بصفته الخليفة الشرعي للإمبراطور الراحل.

وقد استمر جلوس مانويل الثاني على عرش الإمبراطورية إلى 1425، أي حتى قبل سنتين من وفاته. والمؤكد أن ابنه وولي عهده، يوحنا السابع، أصبح له دور كبير في الشأن البيزنطي خلال السنوات الأخيرة من ولاية والده.

وربما كانت سياسات يوحنا السابع هي التي رفعت مستوى التوتر مع السلاطين العثمانيين في النصف الأول من القرن الخامس عشر، وفتحت بالتالي الطريق لحملة محمد الفاتح الحاسمة على القسطنطينية في 1453.

بالنظر إلى الدور الذي تعهده العثمانيون في حماية مانويل الثاني ووالده في مناسبتين متتاليتين، كان المتوقع أن يشعر مانويل الثاني بالامتنان للسلطنة العثمانية.

ولكن الأمر لم يكن بتلك البساطة. فقد ولدت الدولة العثمانية في منطقة الثغور الإسلامية، وسط جموع المرابطين والأخائيين وفي محيط من الروح الصوفية الجهادية.

وقد أولى قادة الدولة دائما أهمية خاصة للغزو والتوسع، لاسيما بعد أن نجحت القوة العثمانية في توحيد الإمارات التركية– السلجوقية المتنازعة في الأناضول وعبور البوسفور إلى الجانب الأوروبي غير المسلم.

ورغم أن الإمبراطورية البيزنطية كانت قد تقلصت إلى حد كبير، فمنذ نهاية القرن الرابع عشر شهدت القسطنطينية جدلا كبيرا بين من رأوا في العثمانيين حليفا ومن رأوا فيهم خطرا داهما على ما تبقى من بيزنطة وما تمثله من الميراث المسيحي.

"
ينبغي أن يقرأ كتاب مانويل باعتباره نصا تاريخيا أيدولوجيا استهدف تقديم صورة بشعة عن الإسلام والمسلمين في نهايات القرن الرابع عشر واستنهاض المسيحيين (الأرثوذكس المنقسمين على أنفسهم، والكاثوليك المتقاعسين) لمواجهة التوسع العثماني
"
في 1396، استولى العثمانيون على ثيسالي، ربما لضرورات إستراتيجية يتطلبها تأمين وجودهم في البلقان. وربما كان هذا التطور هو ما حسم موقف مانويل الثاني من العثمانيين.

فقد بادر الإمبراطور البيزنطي مباشرة بعد سقوط ثيسالي إلى الانطلاق في رحلة طويلة، زار خلالها روما وميلان ولندن، وأقام في باريس عامين كاملين.

كان هدف مانويل الثاني هو استنهاض الأوروبيين الكاثوليك لنجدة بيزنطة والتصدي للخطر العثماني. المعروف بالطبع أن الكنيسة البيزنطية كانت تنظر إلى الكنيسة الكاثوليكية نظرة استعلاء (على الأقل)، ولكن سياسة اللجوء لأوروبا الكاثوليكية لمواجهة التوسع الإسلامي لم تكن جديدة.

فالحملات الصليبية التي استمرت أكثر من 100 عام منذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، انطلقت أصلا بعد هزيمة البيزنطيين الكبرى أمام السلاجقة في معركة ملاذكرد في 1071، المعركة التي فتحت آسيا الصغرى للاستيطان الإسلامي للمرة الأولى منذ موجة الفتوحات الإسلامية الأولى.

استقبل مانويل الثاني استقبالا جيدا في مختلف المدن الأوروبية التي زارها، إلا أن الممالك الأوروبية الكاثوليكية لم تكن في وضع يسمح لها بتعهد حملة جديدة باتجاه الشرق.

وتدلل الرحلة نفسها على أن مانويل الثاني (الذي ما كان له أن يصل إلى العرش دون العون العثماني) بات يرى العثمانيين من زاوية الخطر.

نحن لا نعرف الكثير عن الأشهر التي قضاها مانويل الثاني في مدينة بورصة، وليس ثمة ما يوضح هوية الشخص "الفارسي" الذي يدعي مانويل في كتابه أنه خاض حوارات معه.

وينبغي أن يقرأ كتاب مانويل باعتباره نصا تاريخيا– أيديولوجيا استهدف تقديم صورة بشعة للإسلام والمسلمين في نهايات القرن الرابع عشر واستنهاض المسيحيين (الأرثوذكس، المنقسمين على أنفسهم، والكاثوليك، المتقاعسين) لمواجهة التوسع العثماني.

أنهى مانويل الثاني العامين الأخيرين من حياته، بعد اعتزال الحكم، في دير للرهبان، ولكن ليس هناك من دليل على أنه كان يعرف الإسلام حقا.

ففي القرن الرابع عشر، كانت الثقافة الإسلامية وصلت ذروة نضجها، واتضحت في صورة بالغة الثراء من المذاهب العقلية والتقليدية والنصية، من الفلسفة والتصوف، ومن الشرائع والقوانين.

ولم يكن الفضاء العثماني وريثا للسلاجقة وحسب، ولكنه كان أيضا على اتصال وثيق بجواره المملوكي حيث تبلورت نهضة إسلامية فكرية هائلة.

ولكن هدف مانويل في لحظة اليأس والشعور المتعاظم بالخطر لم يكن المعرفة بل التحريض. وهذا ما ينبغي أن يطرح التساؤل حول دوافع البابا بنديكت السادس عشر في اقتباس نص مانويل الثاني.

باعتباره جوزيف راتسينغر، عمل البابا الحالي قبل التحاقه بالفاتيكان أستاذا جامعيا. هذا إذن رجل دين بخلفية أكاديمية طويلة، يعرف دلالات الاقتباس الأكاديمي.

"
إن لم يكن البابا يسعى إلى استدعاء وتوكيد رؤية مانويل الثاني للإسلام فقد كان عليه أن يورد النص المقتبس في سياق التحليل النقدي. ولكنه لم يفعل بل قام بعكس ذلك تماما إذ إنه أورد النص في سياق شجب سطحي ومتسرع لعلاقة المسلمين بالعقل والإرادة الإلهية
"
إن لم يكن البابا يسعى إلى استدعاء وتوكيد رؤية مانويل الثاني للإسلام فقد كان عليه أن يورد النص المقتبس في سياق التحليل النقدي. ولكنه لم يفعل، بل قام بعكس ذلك تماما، إذ إنه أورد النص في سياق شجب سطحي ومتسرع لعلاقة المسلمين بالعقل والإرادة الإلهية.

ويدرك البابا بنديكت السادس عشر على الأرجح أن مانويل الثاني كان يكتب في سياق تاريخي معين من التدافع والصراع، وأن كتابه لا يمكن أن يعتبر وثيقة لمعرفة الإسلام والميراث الإسلامي. بل أكثر من ذلك، فإن الأعمال الألمانية (لغة البابا الأم) الاستشراقية تعتبر من أفضل الأعمال الأوروبية الحديثة في دراسة الإسلام، ودراسة العقائد الإسلامية على وجه الخصوص.

وقد وضعت هذه الأعمال من قبل زملاء لجوزيف راتسينغر الأكاديمي، وفي جامعات عمل بها شخصيا أو في جامعات قريبة منها. الخشية أن يكون بنديكت السادس عشر يدرك هذا كله، وأنه قصد توجيه الإهانة للإسلام والمسلمين عن سابق تصميم وتصور.

سواء قبل تنصيبه البابوي، عندما كان مسؤولا عن مجمع العقيدة في الفاتيكان، أو بعد أن أصبح رأس الكنيسة الكاثوليكية، عبر الكاردينال راتسينغر/ البابا بنديكت السادس عشر عن آراء معادية للإسلام.

وباعتباره حارس العقيدة، أشرف الكاردينال راتسينغر خلال الفترة الأخيرة من حياة البابا السابق يوحنا بولس الثاني على صياغة المبدأ العقدي القائل بأن الطريق الوحيد الصحيح إلى الله هو الطريق المسيحي، في وقت كان الفاتيكان يؤكد على سعيه إلى حوار إنساني بين الأديان والثقافات.

وقد صرح البابا بنديكت السادس عشر في مناسبتين على الأقل بمعارضته دخول تركيا، بصفتها دولة إسلامية، الاتحاد الأوروبي.

كما أعرب عن قلقه لارتفاع عدد أبناء الجاليات الإسلامية في الدول الأوروبية وعزوف الشعوب الأوروبية الملحوظ عن الالتزام بالدين المسيحي.

ثم جاءت ملاحظاته الأخيرة، التي اقتبس بعضها من سياق صراع وتدافع بين أتباع الديانتين، لتضيف مزيدا من الأدلة إلى حالة القلق، وربما الخوف، البابوي من الإسلام والمسلمين.

كتب ونشر الكثير خلال السنوات القليلة الماضية حول الدور الذي لعبه البابا السابق يوحنا بولس الثاني في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة. كان يوحنا بولس الثاني من أصل بولندي، وقد تعهد دورا رئيسيا وواضحا في التصدي الفكري والثقافي والديني للشيوعية.

ولم يكن غريبا، بالنظر إلى الدعم البابوي الهائل لنقابة التضامن البولندية الحرة المعادية للنظام الشيوعي، أن تكون بولندا بداية التشقق الأوروبي في جسم الكتلة الشيوعية والستار الحديدي.

"
بدلا من أن يكون البابا ضميرا للمعذبين والمعتدى عليهم، وصوتا للحوار والتقارب، يتحول بنديكت السادس عشر إلى صوت لإثارة الجدل حول الإسلام والمسلمين وموقعهم في العالم المعاصر
"
ولا تخلو الدراسات المكرسة لسيرة يوحنا بولس الثاني من تفسير مؤامراتي يعزو انتخابه لكرسي البابوية إلى إرادة أميركية في وقت كانت واشنطن تبحث فيه عن وسيلة لتنشيط دور الفاتيكان في الصراع ضد الاتحاد السوفياتي.

وربما لا يحتاج الأمر اللجوء إلى القراءة المؤامراتية لندرك أن يوحنا بولس الثاني استجاب لمتطلبات مرحلة كانت تستدعي نضال الكنيسة ضد خصم شيوعي كبير، وأنه كان مهيأ لمثل ذلك الدور.

القلق الذي ينبغي أن ينتاب أهل الحكمة وقادة الرأي العام المسلمين أن يكون بنديكت السادس عشر بات يرى لنفسه دورا في الحرب ضد الإرهاب، التي تأخذ في شكل متزايد الحرب ضد الإسلام، شبيها بالدور الذي تعهده سلفه ضد الشيوعية.

بدلا من أن يكون ضميرا للمعذبين والمعتدى عليهم، وصوتا للحوار والتقارب، يتحول بنديكت السادس عشر إلى صوت لإثارة الجدل حول الإسلام والمسلمين وموقعهم في العالم المعاصر.

إن كان هذا هو الدور الذي يراه البابا لنفسه، فربما كانت ملاحظاته الأخيرة بداية وليست نهاية طريق شائك وطويل. ما يحتاج البابا ربما لرؤيته، أكثر من أي شيء آخر، أن ثمة فرقا شاسعا بين الطغيان السلطوي الشيوعي ومئات الملايين من المسلمين المتمسكين بدينهم، والذين يعيشون ظلما وعدوانا هائلا على بلادهم وحياتهم ومقدراتهم.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة