الفضاء الإستراتيجي لسوريا.. الخيارات والاحتمالات   
الخميس 1426/4/3 هـ - الموافق 12/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:54 (مكة المكرمة)، 8:54 (غرينتش)

 

عماد فوزي شعيبي

 

بعيداً عن التهويلات الإعلامية أو بعض المواقف التي تتسرع في التحليل أو تتوهم أن الأميركيين يمارسون الحرب النفسية أو أنهم يتجاهلون وأنهم فعلاً يعرفون كل شيء عن سوريا وتفاصيل المنطقة، وهو أمر غير صحيح لأنهم فعلاً يجهلون حقائقها، فإن سوريا فعلياً دخلت دائرة الاستهداف.

 

ولا داعي لذكر شواهدنا على ذلك الاستهداف، والتي لم تبدأ فقط مع تدويل المسألة اللبنانية وتقرير فيتزغيرالد ولن تنتهي مع إعلان ليز ديك تشيني عن الإصرار على عزل النظام في سوريا ريثما يُنفذ استحقاقاته، قاطعة الطريق على محاولات تلطيف الأجواء بين دمشق وواشنطن بالتأكيد على أن خلاقات بلدها مع سوريا تتعدى ما وصفه فاروق الشرع بأنه مجرد سوء تفاهم.

"
يجب على سوريا تعزيز مساحة الحريات العامة، وتوسيع ذلك باتجاه الديمقراطية عبر إطلاق قانون للأحزاب ومعالجة المادة الثامنة من الدستور ومعالجة موضوع حالة الطوارئ
"
ولن يعوزنا في هذا المجال أن نؤكد أن تقرير بن كسبيت الإسرائيلي عن معلومات من C I A يقتنع بها الرئيس الأميركي ونائبه ديك تشيني ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، هو بمثابة ضرب من التأكيد على أن الموضوع يتجاوز محاولة قطع الطريق على ما يمكن أن تمثله مصافحة الرئيس الأسد للرئيس الإسرائيلي من ضغوطات داخل إسرائيل.

 

فالمسألة تتعدى ذلك إلى مشروع لعزل الدولة في سوريا، لا تكمن أقل تجلياتها في الضغط الذي تعرض له الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار  كي لا يزور دمشق ويفك بطريقته الطوق الذي يراد أن يستمر ضربه حولها، وإذن فسوريا، بكلمة في مأزق وبكلمة أخرى مستهدفة، ويستوجب عليها في هذه الحالة أن تقوم بإجراءين دراماتيكيين:


الأول على المستوى الداخلي: بتعزيز مساحة الحريات العامة التي أطلقت مع قدوم الرئيس بشار الأسد إلى السلطة، وتوسيع ذلك باتجاه الديمقراطية عبر إطلاق قانون للأحزاب ومعالجة المادة الثامنة من الدستور ومعالجة موضوع حالة الطوارئ، والذهاب إلى حد تشكيل لجنة إعلامية ذات عقل متفتح تفيد في كشف ما يتم إنجازه حالياً في هذا الاتجاه، بدلاً من أن تبقى الصورة النمطية السابقة سائدة.

 

فما لا ريب فيه أن إعادة سوريا حقوق مواطنيها في الخارجٍ بتسليمهم جوازات سفرهم بغض النظر عن الأسباب، التي كانت تمنع منحهم تلك الجوازات سابقاً، قد مرَّ مرور الكرام، ولم يعر انتباهاً على أنه خطوة نوعية باتجاه الأمام.

 

 وبغض النظر عن أن ذلك كان حقاً أعيد إلى المواطنين السوريين المقيمين في الخارج، فإن مجرد التعامل مع هذا الموضوع بهذه الروحية المنفتحة على جميع المواطنين السوريين، إنما يعكس تطوراً نوعياً يتواصل مع الإفراج عن الموقوفين الأكراد السوريين الذين تسببوا بأحداث القامشلي، فضلاً عن البدء بالتعامل مع قضية تجنيس الأكراد والتوقع بأن مزيداً من الإجراءات المشابهة هي في طريقها إلى التحقق.

 

لكن طريقة "السياسة الصامتة" لم تعد فعليا قادرة على أن تتعامل مع عصر أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه عصر المكشوف والمعلن والإعلامي.

 
"
السياسة الصامتة كانت تشكل لفترة طويلة ميزاناً للسياسات الرصينة لكنها لم تعد فعليا قادرة على أن تتعامل مع عصر أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه عصر المكشوف والمعلن والإعلامي
"

صحيح أن السياسة الصامتة كانت تشكل لفترة طويلة ميزاناً للسياسات الرصينة، ومنطق الدولة الذي يُميز بين المكشوف، والمستور، والمتوافق عليها، واتفاقات الجنتلمان.

 

إلا أن الصمت لم يعد وسيلة سياسية مقبولة في لغة العالم اليوم، وخاصة بالنسبة لدولة تتعرض إلى ما يتجاوز الضغط إلى الاستهداف.

 

هذا على الصعيد الداخلي، وهو يتسع لمزيد من الحوار، الذي يجب أن يتجاوز المطالبات لدى البعض إلى إحساس جماعي بالمسؤولية لكل منا في هذا الشق بالذات، ودون ميول ثأرية أو انتقامية أو دون حساسيات مفرطة من هذا الطرف أو ذاك، فاستهداف سوريا ينال فعلياً من الجميع سلطة ومعارضة.

 

أما على الصعيد الخارجي فهنالك شقان لابد من التعامل معهما، وهما إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وإذا كان ثمة من يرى أن المدخل إلى  الثانية كان سابقاً يمر بالأولى، فإن هذا الأمر لم يعد صحيحاً بالنسبة لدولة لديها مشكلات جدية مع واشنطن كسوريا.

 

ومع ذلك فإن الشق الإسرائيلي في المعادلة يبقى من ضرورات وأولويات وسائل سوريا للخروج من هذا المأزق، إذ أن إشاعة مناخ السلام أي المفاوضات بالحد الأدنى مع إسرائيل يشكل مخرجاً إستراتيجياً  لها، وهو أمر يشكل اليوم أكثر من ضرورة بالنسبة لدمشق.

 

وذلك لأن مجرد جلوس سوريا على طاولة المفاوضات سيشيع مناخ السلام، كما أنه يدفع عنها مناخات الاحتراب ويخرجها فعلياً من دائرة الاستهداف المباشر بل ويعدل من ميزات الضغط الأميركي، وإن كان لن يبدله تبديلاً جذرياً.

 

وهذا يتطلب أن تبدل سوريا كل الوسائل الممكنة دون اعتبارات إحراجٍ شكلي لأن المطلوب هو مناخ السلام، وهذا لن يستدعي أي تنازلات لدمشق عن حقوقها لأن الوسيلة مهما كانت لن تعني التفريط بالحقوق، والمهم هو ما يتمخض عنه من أجواء سليمة تفيض في اتجاه تعديل مزاج العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.

 

"
في ملف العلاقات السورية مع الولايات المتحدة الأميركية هنالك أكثر من عنصر يربك إمكانية خروج دمشق من مأزق السلبية الأميركية الحالية
"
وفي ملف العلاقات السورية مع واشنطن هنالك أكثر من عنصر يربك إمكانية خروج دمشق من مأزق السلبية الأميركية الحالية، فهنالك الملف العراقي الذي لا يعني أنه وحده هو مسبب الضغط على سوريا بل هو جزء من رزمة قضايا متصلة تبدأ ببغداد لتمر بموضوع الفلسطينيين المقيمين في سوريا.

 

وهو أمر يتصل بدعم أو عدم دعم مسيرة المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، وهو ملف ساهمت سوريا في التمهيد له بمساعدة مصر. إلا أن السياسة الصامتة وغير الإعلامية لم تجعل إشاعة ذلك في الولايات المتحدة الأميركية ممكنة، الأمر الذي يجعل هذا الملف كالملف العراقي محكوماً بالصورة النمطية السابقة عن زعم بدعم سوري للإرهاب الفلسطيني.

 

لقد آن الأوان لمحاولة تغيير نمط رصانة السياسة الصامتة لأنها لم تعد تفيد كثيراً في ظل عالم السياسات المعلنة، وخصوصاً في شأن يتعلق بدولة مستهدفة كسوريا، يشكل البعد الأيديولوجي لدى المحافظين الجدد والآلة الإعلامية الأميركية مصدراً لأغلب المعلومات والتقييمات وبالتالي القرارات التي تتصل بدمشق، وكلّ تقدير لوزن الطرق الدبلوماسية، ومبدأ "إنهم يعرفون" ليس دقيقاً ولا ينفع في الحالة السورية.

 

فالمطلوب اليوم ليس استعداء أميركا، وهو بالتأكيد ليس مطلباً سورياً حالياً ولا سابقاً، إنما المطلوب هو تحييد الطرف الأميركي عن استهداف دمشق بصورة مباشرة، وإعادة فتح الأقنية للحوار على أساس "مقاسمة الإرادات".

 

وهو أمر يرفضه الأميركيون: إما رغبةً في معاقبة دمشق على موقفها تجاه الحرب مع العراق، أو محاولة لتعميم إستراتيجية الولايات المتحدة  حول موضوع الإرهاب، أو على صعيد موضوع أسلحة الدمار الشامل، وهو ملف تعاملت معه سوريا بإيجابية في اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية، مما رفع عنها الضغط في هذا المجال، ولو إلى حين.

 

"
ليس هنالك ما هو أهم اليوم بالنسبة لسوريا  من تلاحم شعبها وراء مشروع الإصلاح الداخلي الذي هو بالتأكيد مشروع صادق 
"
وأيضا موضوع الحريات وما يسمى بالديمقراطية وفقاً لمنظور المحافظين الجدد، وهو أمر لا يبدو أن لدمشق فعلاً من مانع  من معالجته "بطريقتها".

 

لكن المشكلة تكمن في نمطي العقليتين الأميركية والسورية واختلافهما، خاصة وأن الأميركيين قد بدلوا لغة السياسة في العالم كله بما لا يمكن قبوله بشكل تلقائي في أكثر من مكان بالعالم بدون إضافات "رتوش" ومقاسمات وعلى الأخص بالنسبة لسوريا التي لديها أرض محتلة.

 

كما أن هناك أجندة أميركية ترى دمشق في بعضها آثارا إسرائيلية تفرض عليها معاملات بالقوة بدءاً بإجبارها علي سحب قواتها من لبنان، مروراً بالضغط عليها في شأن المقاومة الفلسطينية" حيث إن استقبال الفلسطينيين هو إستراتيجية شكلت هوية سورية لفترة طويلة" وصولاً إلى موضوع حزب الله ونزع سلاحه، فضلاً عن ملف أسلحة الدمار الشامل والإعلان عن إلغاء دوره الإقليمي، وكل ذلك  دون أن يكون هنالك مقابل.

 

كل تلك الأمور متصلة، ولا تلقي فيها سوريا وعودا أقله فيما يتعلق بإعادة أرضيها المحتلة حيث تتعنت إسرائيل وترى أن المطالب الأميركية تعفيها من التجاوب مع الدعوات السورية للسلام لأنه لا ثمن ستدفعه إن لم تفعل.

 

هذا المأزق القائم بين لغتين مختلفتين ومصالح سورية لا يتم أخذها بعين الاعتبار، يستدعي ضرباً من تحييد الولايات المتحدة بإعلانات دراماتيكية عن التعامل مع متطلبات الإستراتيجية الأميركية الجديدة التي أعلن عنها في الـ 20 من سبتمبر/أيلول 2002.

 

على أن يكون لهذا الإعلان وقع دراماتيكي، يعفينا من موقعنا بعدم الإملاء على أصحاب الشأن في هذا المجال أن نضع أنفسنا في موضع الوعظ بالتفاصيل فيه، وهو بالتوافق مع إشاعة مناخ السلم مع إسرائيل بمواقف دراماتيكية، يشكل فرصة لدفع دمشق خارج دائرتي الضغط والاستهداف، ويمنحها مساحة من الوقت، هي بأمس الحاجة إليها.

 

فليس هنالك ما هو أهم بالنسبة لسوريا اليوم من تلاحم شعبها وراء مشروع الرئيس الأسد للإصلاح داخلياً، وهو بالتأكيد مشروع صادق، أضف إلى ذلك الحاجة للوقت اللازم للتعامل مع التفاصيل الداخلية، على المستوى الخارجي.
ـــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة