النظام العربي الرسمي عشية الحرب على لبنان   
الخميس 29/7/1427 هـ - الموافق 24/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:18 (مكة المكرمة)، 8:18 (غرينتش)

بشير موسى نافع

قدم الخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الأسد في 15 أغسطس/ آب صورة عاصفة للحالة التي وصلها النظام العربي الرسمي بعد أكثر من شهر من الحرب الإسرائيلية البشعة على لبنان.

وبالرغم من أن الرئيس الأسد لم يسم دولة عربية باسمها، وهو يقرر أن صمود المقاومة في لبنان أزال مساحيق التجميل عن الوضع العربي الرسمي، إلا أن أحداً لم يخطئ الدول التي قصدها الأسد على وجه التحديد: مصر والسعودية. والحقيقة، أن خطاب الرئيس السوري لم يكن أكثر من إعلان رسمي على أزمة النظام العربي المتفاقمة منذ زمن، إعلان من إحدى عواصم هذا النظام الهامة.

شكلت سوريا ومصر والسعودية منذ منتصف التسعينيات المحور المركزي للسياسة العربية. وبالرغم من أن العلاقات بين الدول الثلاث اتسمت بقدر كبير من الدفء والتقارب منذ شاركت سوريا ومصر في حرب الخليج الأولى وإخراج القوات العراقية من الكويت، فقد جاء تشكيل هذا المحور في فترة انتقالية عربية حرجة.

"
شكلت سورية ومصر والسعودية منذ منتصف التسعينات المحور المركزي للسياسة العربية, وبالرغم من أن العلاقات بين الدول الثلاث اتسمت بقدر كبير من الدفء والتقارب منذ شاركت سوية ومصر في حرب الخليج الأولى, فقد جاء تشكيل هذا المحور في فترة انتقالية عربية حرجة
"
إخراج القوات العراقية من الكويت تحول إلى حصار بشع للعراق وشعبه وتدمير منهجي لمقدراته، ومؤتمر مدريد تحول إلى اتفاقية أوسلو، واتفاقية وادي عربة، ومن ثم إلى ضغط دولي هائل لتطبيع عربي شامل مع الدولة العبرية بدون التوصل إلى سلام حقيقي وشامل؛ إضافة إلى استمرار الانقسام العربي الفادح الذي تسببت فيه حرب الخليج الأولى.

ما سعت إليه القاهرة والرياض ودمشق آنذاك كان إقامة مركز ثقل عربي، يحدد الاتجاه العام للسياسة العربية ويرسم ما يمكن أن يعتبر الخط الأدنى للمصالح العربية والتضامن العربي.

لم تكن العلاقات بين الأطراف الثلاثة سلسة دائماً، ولكنها نجحت على نحو أو آخر في الحفاظ على قدر ملموس من التفاهم حتى غزو العراق في ربيع 2003.

خلال الأسابيع القليلة السابقة على الغزو، تباينت مواقف العواصم الثلاث إلى حد كبير. عارضت سوريا الغزو، وأصبحت دمشق نقطة انطلاق للمتطوعين العرب الذين سارعوا إلى المشاركة في الدفاع عن العراق.

وفي حين وقفت القاهرة موقفاً غامضاً، لم يستطع هذا الموقف إخفاء حقيقة الموافقة المصرية على الغزو. كما تحولت الأراضي السعودية المحاذية للعراق إلى مركز انطلاق للقوات الأميركية الخاصة، وفتحت القواعد ومراكز التحكم السعودية لقادة الحرب الأميركيين.

ولكن هذا التباين في الموقف من غزو العراق لم يؤد بالضرورة إلى انهيار قاطع للتحالف الثلاثي؛ ففي الوقت الذي تصاعدت التهديدات الأميركية لدمشق بعد احتلال العراق، وتصاعدت وتيرة المقاومة العراقية، سعت مصر والسعودية إلى توفير مظلة حماية لسوريا وإلى إعادة الحيوية إلى المحور الثلاثي على أساس ما يعرف في اللغة السياسية العربية عادة بالاعتدال والتفاهم مع الإدارة الأميركية.

بيد أن الأمور لم تسر تماماً كما أرادت القاهرة والرياض. فالإدارة الأميركية لم تكن في وارد التفاهم مع العرب والمسلمين في أي من نقاط التوتر بينهما. في فلسطين، وبعد وعود قدمها الرئيس بوش لرئيس الوزراء آنذاك محمود عباس، تراجعت السياسة الأميركية تدريجياً لتتماهى كلياً مع السياسة الإسرائيلية.

وحتى قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وقبل فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، لم يعد من الممكن الحديث عن سياسة أميركية مستقلة تجاه القضية الفلسطينية.

في العراق، أقامت إدارة الاحتلال نظاماً طائفياً تقسيمياً كان من الواضح أنه يهدد الأمن العربي تهديداً مباشراً. بل وعملت إدارة الاحتلال على عزل العراق عن محيطه العربي. وبالرغم من الانهيار المتسارع للمشروع الأميركي في العراق، فقد استمرت السياسة الأميركية في تحطيم وحدة العراق وفي رفض إعادة النظر في الاحتلال.

خلال الفترة التالية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، قدمت دمشق مساعدة أمنية ملموسة للإدارة الأميركية في ما سمي بالحرب على الإرهاب. وبعد تردد وسوء تفاهم قصيرين رفعت السلطات السورية مستوى الرقابة على الحدود مع العراق (بالرغم من أن هذه الرقابة كان لابد أن تكون مسؤولية أميركية عراقية).

"
ليس من الضروري البحث فيما إن كانت الرياض والقاهرة تعتقدان بمسؤولية النظام السوري عن اغتيال الحريري، ولكن المهم أن سياسة دمشق وما تبقى من حلفائها في لبنان أصبحت في جهة وسياسة الرياض وحلفائها أصبحت في جهة أخرى
"
ولكن الهجوم الأميركي على سوريا والمطالب الأميركية من سوريا لم تتوقف، سواء بخصوص العراق أو بخصوص لبنان وفلسطين.

ثم جاء التفاهم الأميركي الفرنسي في 2004 ليؤدي إلى إصدار قرار مجلس الأمن 1559 الذي أعاد فتح أبواب الأزمة اللبنانية على مصراعيها.

في فبراير/ شباط 2005 اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي كان يحمل الجنسيتين اللبنانية والسعودية واعتبر دائماً أحد أعمدة السياسة السعودية في لبنان والمشرق، كما كان معروفاً بعلاقاته الوثيقة بالرئيس الفرنسي جاك شيراك.

ولأن اغتيال الرئيس الحريري جاء في فترة خلاف وتوتر في العلاقة بينه وبين دمشق، اتهمت سوريا مباشرة بمقتله وشكلت لجنة تحقيق دولية في حادثة الاغتيال.

ولكن الأهم عربياً، أن اغتيال الرئيس الحريري، ومن ثم الانسحاب السوري العسكري الكامل من لبنان، فرض تباعداً جديداً بين دمشق من جهة والرياض والقاهرة من جهة أخرى. ليس من الضروري البحث فيما إن كانت الرياض والقاهرة تعتقدان بمسؤولية النظام السوري عن اغتيال الحريري، ولكن المهم أن سياسة دمشق وما تبقى من حلفائها في لبنان أصبحت في جهة وسياسة الرياض وحلفائها أصبحت في جهة أخرى.

وكان واضحاً أن القاهرة تقف إلى جانب الرياض وليس إلى جانب دمشق. ليس ذلك وحسب، بل إن حلفاء الرياض في لبنان كانوا في أغلبهم ممن ترتكز إليهم السياسة الأميركية الفرنسية المعادية لدمشق. وما إن فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية، ولجأت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إلى مقاطعة الحكومة الفلسطينية، حتى أضيف عامل جديد إلى عوامل التباعد بين دمشق والقاهرة في هذه الحالة.

فبعد أن كانت القاهرة مرجع الشرعية ودمشق مقر المعارضة الفلسطينية، أصبحت دمشق، بوجود قيادة حماس في ربوعها، شريكاً في الشرعية الفلسطينية.

الهجوم الأميركي الكاسح في المشرق العربي، رافقه فتح الملف النووي الإيراني. كان العالم كله يدرك منذ أعوام أن إيران تنشط في مجال الأبحاث النووية؛ ولكن ما اتضح خلال العامين الماضيين أن ثمة تقدماً إيرانياً كبيراً في مجال تخصيب اليورانيوم.

وبالنظر إلى أن التخبط الأميركي في العراق أدى إلى تحقيق إيران مكاسب إستراتيجية في الساحة العراقية، وإلى أن امتلاك إيران التقنية النووية يمثل خطراً مباشراً على الدولة العبرية، فقد تحولت إيران إلى هدف رئيس للسياسة الأميركية (والأوروبية) في الشرق الأوسط.

وباعتبار حزب الله الحليف الأهم لإيران على حدود الدولة العبرية، أصبح الحزب هو الآخر في مرمى السياسة الإسرائيلية والسياسة الأميركية الأوروبية.

"
لا يجب أن يقرأ خطاب الرئيس الأسد باعتباره تصعيداً للخلافات مع القاهرة والرياض، بل على الأرجح محاولة، على الطريقة السورية، لاستعادة الدور
"
كانت العلاقات الإيرانية السورية دائماً علاقات جيدة، بل ووثيقة، لاسيما منذ وقفت سوريا إلى جانب إيران خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية.

ولكن تصاعد التهديد الأميركي الأوروبي لسوريا وإيران وحزب الله دفع هذه العلاقات إلى مستوى التحالف الإستراتيجي غير المكتوب. وقد تعزز هذا التحالف بانتخاب أحمدي نجاد رئيساً لإيران بعد قليل من سيطرة المحافظين على البرلمان، مما وضع نهاية للتوتر في جسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي آلية صنع قرارها.

وفي الوقت الذي كانت سوريا وإيران وحزب الله (وإلى حد ما قوى المقاومة الفلسطينية) تقف في صف واحد أمام الضغوط الإسرائيلية الأميركية، كان تصاعد النفوذ الإيراني في العراق يدق أجراس الخطر في الرياض والقاهرة.

منذ نهاية العام الماضي على الأقل كان من الواضح أن المحور العربي الثلاثي لم يعد محوراً ولا ثلاثياً؛ ومن التبسيط القول إن الأردن حل محل سوريا في هذا التحالف.

فالأردن، من ناحية، أقل أهمية وأثراً من أن يحتل الموقع الذي كانت تحتله سوريا في العلاقة مع مصر والسعودية. ومن الصعب، لأسباب عديدة، أن تقبل السعودية الأردن شريكاً في قيادة السياسة العربية.

المهم أن انهيار التحالف أدى إلى تراجع دور سوريا الرسمي، سواء في الساحة العربية أو في العلاقة مع القوى الغربية. قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية هي شريك في جبهة الممانعة، ولكنها لا تؤمّن الدور الرسمي السوري، عربياً ودولياً؛ وإيران، مهما بلغ نفوذها السياسي وقوتها الاقتصادية والعسكرية، ليست دولة عربية، ولا يمكن بالتالي أن تكون علاقات التحالف معها بديلاً لعلاقات التحالف السورية التقليدية مع السعودية ومصر.

لهذا كله، يجب أن لا يقرأ خطاب الرئيس الأسد باعتباره تصعيداً للخلافات مع القاهرة والرياض، بل على الأرجح محاولة، على الطريقة السورية، لاستعادة الدور.

ما أراد بشار الأسد أن يقوله إنه رغم الضغوط الأميركية الأوروبية الهائلة فالخيارات السورية أثبتت أنها لم تكن خيارات خاطئة.

حماس فازت في انتخابات ديمقراطية شفافة، مثبتة أنها، لا قادة السلطة، من يحوز ثقة الشعب الفلسطيني.

وحزب الله خاض معركة مباشرة مع أضخم آلة عسكرية في الشرق الأوسط، قاتل بشرف، وانتصر. والعرب الذين انتقدوا حزب الله (وسوريا وإيران ضمنياَ)، اضطروا أمام حركة الشارع العربي الهائلة إلى التحرك لدعم لبنان.

الموقف السوري هو موقف الأغلبية العربية، والسياسة العربية لا يمكن أن تسير أو تصنع بمعزل عن سوريا. الأسد، بكلمة أخرى، يقول لحلفائه السابقين في القاهرة والرياض إنه قد آن الأوان لإعادة بناء التحالف الثلاثي وبناء سياسة عربية تضامنية على أساس من تفاهم العواصم الثلاث.

"
النظام العربي الرسمي يواجه ثلاثة احتمالات: إما أن تستمر الخلافات الهادئة، أو ينفجر الصراع المحوري بين سوريا من جهة والسعودية ومصر من جهة أخرى، أو
يتم إعادة بناء التحالف الثلاثي على أساس قراءة جديدة للوضعين الإقليمي والدولي

"
فإلى أين يمضي النظام العربي الرسمي من هنا؟ الاحتمال الأول أن تستمر الأمور على ما هي عليه، بمعنى أن تكون هناك حالة من الخلافات الهادئة، أو الصراع ذي الوتيرة المنخفضة.

سيؤدي هذا الاحتمال إلى غياب مركز الثقل العربي الضروري لتحديد وجهة السياسة والمصالح العربية، ويستمر الارتباك سيداً للموقف في ردود الفعل العربية على التحديات، الصغيرة منها والكبيرة.

الاحتمال الثاني أن ينفجر الصراع المحوري، حيث تقود سوريا معسكراً والسعودية (ومعها مصر) المعسكر الآخر. إلى جانب سوريا تقف قوى المقاومة، وبعض الأنظمة العربية الممتعضة من الدور السعودي لهذا السبب أو ذاك، مؤيدة من إيران. بينما تصطف دول عربية أخرى خلف السعودية ومصر، مؤيدة من واشنطن.

سيؤدي هذا الوضع إلى مزيد من الانهيار في العراق، إلى جولة ثانية للحرب الإسرائيلية على لبنان، إلى تصعيد الاستباحة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وإلى تحول المنطقة العربية إلى ساحة تنتهشها القوى الخارجية.

الاحتمال الثالث هو أن تدرك الدول العربية الرئيسية حجم التراجعات والخسائر التي عانى منها النظام والتضامن العربيين منذ غزو واحتلال العراق وانهيار مركز الثقل العربي، والتحرك لإعادة بناء التحالف الثلاثي على أساس قراءة جديدة للوضعين الإقليمي والدولي.

ستجد حالة التضامن العربي ظروفاً مواتية لتأسيس علاقات أوثق مع روسيا والصين، ودفع عدد من الدول الأوروبية إلى تعديل سياساتها تجاه القضايا العربية، بدون أن تضطر إلى الاصطفاف ضد الولايات المتحدة على طريقة سنوات الحرب الباردة.

وربما سيتاح للعرب التوصل إلى إقامة علاقات صحية مع إيران وتركيا، ومن ثم تحقيق تفاهم إقليمي إزاء العراق الجديد، يستجيب لحاجات وأماني الشعب العراقي وللحد الأدنى من الاعتبارات الإستراتيجية لمحيط العراق العربي والإسلامي.

وبالرغم من أن تقدير الأسد فيما يتعلق بصعوبة تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط خلال العامين المتبقيين من عمر إدارة الرئيس جورج بوش هو تقدير صحيح، فإن تضامناً عربياً سيرفع الكثير من الضغط الواقع على الشعب الفلسطيني.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة