المنطقة العربية.. هل تنتقل من الزعزعة إلى الاستقرار؟   
الاثنين 2/8/1429 هـ - الموافق 4/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:46 (مكة المكرمة)، 20:46 (غرينتش)


في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد وقت قليل فقط من شيوع نظرية المفكر الأميركي المستقبلي آلفين توفلر التي شرحها بإسهاب في كتابيه "الموجة الثالثة" و"خرائط العالم" وتنبأ فيهما بسقوط وشيك للاتحاد السوفياتي (السابق) وزوال المنظومة الاشتراكية (السابقة) من المسرح السياسي الدولي، بدا أن الإستراتيجية الكونية الأميركية (وإستراتيجيتها في الشرق الأوسط بشكل خاص) آخذة أكثر فأكثر في التبلور، كإستراتيجية تعتمد كليا على نظرية "من الزعزعة إلى الاستقرار" التي بشرّ بمقولاتها المستقبليون كما بشرّت بها معاهد واشنطن الإستراتيجية طوال سنوات.

وتقول هذه النظرية بضرورة زعزعة النظام الدولي برمته، من جذوره وأسسه التي قام عليها، دولا وشعوبا وجماعات، بوصفه "نظاما جامدا" من نتاج الحرب العالمية الثانية ومن مخلفاته، وبأن الواجب التاريخي والأخلاقي على الولايات المتحدة الأميركية، ولضمان تمكنّها من دخول القرن الحادي والعشرين بسلاسة، أن تقود بنفسها "التغيير التاريخي الشامل" في العالم وإحداث تحوّل كليّ في نظام علاقات القوة فيه.

في هذا الوقت كان الاتحاد السوفياتي (السابق) يتداعى من الداخل ويوشك على الانهيار بالفعل، بينما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تستعد للرحيل نهائيا عن لبنان بعد احتلال عاصمته إثر الاجتياح الإسرائيلي (1982). أما الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) فكانت تتخذ منحى يهدد بخروجها عن السيطرة.

"
من الممكن اليوم أن نلاحظ كيف أن العالم تغيّر بالفعل، ففي غضون السنوات العشر الأخيرة فقط اختفت دول وظهرت أخرى كما اختفت خرائط وحلت محلها خرائط جديدة, ويبدو أن ملامح ما بعد الزعزعة آخذة في التشكل داخل الشرق الأوسط
"
آنذاك، بدا أن ملامح نظرية "الزعزعة" آخذة في التبلور هي الأخرى وبصورة مطردة داخل مسرح عالمي مهيأ ومستعد لاستقبال التغيير ربما بأي ثمن، وأن نمطا جديدا من الصراعات الداخلية الدموية يوشك أن يضرب العالم بأسره، وذلك ما تنبئ فيه النقاشات الصاخبة التي عمت العالم بعد إعلان ما يسمى "البيروسترويكا" في موسكو المترنحة.

اليوم، يمكن للمراقب أن يلاحظ كيف أن العالم تغيّر بالفعل، ففي غضون السنوات العشر الأخيرة فقط اختفت دول وظهرت أخرى، كما اختفت خرائط وحلّت محلها خرائط جديدة.

وهكذا، مع تشكل خرائط جديدة للعالم بانضمام دول وخروج أخرى من المسرح الجغرافي الأوروبي بشكل خاص، يبدو أن ملامح ما بعد الزعزعة آخذة في التشكل داخل الشرق الأوسط, وما يلفت انتباهنا في هذا الصدد هو التلازم المثير بين سلسلة من أشكال التغيير التي حدثت بسرعة مذهلة في الأسابيع القليلة الماضية.

على جبهة الصراع العربي الإسرائيلي (مثلا) هناك تطوران لافتان وقعا بخلاف كل التوقعات، أولهما نجاح تركيا في الوساطة بين السوريين والإسرائيليين، وبدء مرحلة من المفاوضات حول أكثر القضايا حساسية بالنسبة للجانبين السوري والإسرائيلي. وثانيهما النجاح المذهل في إتمام صفقة تبادل الأسرى و"رفات المقاتلين والجنود" بين حزب الله وإسرائيل.

وبالطبع، فقد كانت عملية "الرضوان" كما أسماها حزب الله، نصرا لامعا ومؤزرا أظهر قدرة الحزب وبراعته وحكمته في إدارة مفاوضات معقدة من هذا النوع.

هذان التطوران تلازما مع حدثين موازيين لا يقلان أهمية، أولهما دخول تركيا على خط الأزمة المستعصية للملف النووي الإيراني وشروعها في وساطة جدية مع الأميركيين، قد تكون أدت (من خلف الكواليس) إلى ترتيب حضور أميركي رسمي في محادثات سولانا جليلي في جنيف، وهو حدث يعد استثنائيا بكل المقاييس. وثانيهما دخول سوريا كطرف مرغوب فيه "للعمل مع الإيرانيين" من أجل تفكيك "أزمة الملف النووي".

والملاحظ في هذا السياق من الحدث الاستثنائي أن وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي سارع إلى زيارة دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد فور عودته من زيارة ناجحة وتاريخية لباريس (ومشاركته في لقاء الشراكة من أجل المتوسط) وهو نجاح سعت سوريا إلى استثماره بقوة كنجاح باهر في اختراق الجدران الأوروبية.

لم يذهب متكي إلى دمشق ليسمع من الرئيس بشار الأسد فحوى رسالة الرئيس الفرنسي ساركوزي الموجهة إلى طهران، كما زعمت بعض الأنباء، وإنما ليسمع منه -حسب تعبير وزير الخارجية السوري وليد المعلم- كيف أن الفرنسيين كلفوا سوريا العمل مع إيران لتفكيك أزمة ملفها النووي.

وفي هذا الوقت أيضا، وبعد ساعات فقط من وصول متكي إلى دمشق، كان الأتراك يطلقون أول تصريح رسمي من أنقرة عن "رغبتها في وساطة فعالة بين طهران وواشنطن حول الملف النووي الإيراني".

وفي أنقرة التي وصلها متكي قادما من دمشق، أطلق الوزير الإيراني قنبلة صوتية مدوية حين أعلن عن "تمثيل دبلوماسي أميركي وشيك في إيران وتبادل البعثات الدبلوماسية" وتدشين "أول خط جوي بين العاصمتين".

أما الحدث الأكثر إثارة بين كل هذه الأحداث المترابطة والمتسارعة فهو "التفكيك" المفاجئ للأزمة الداخلية في لبنان، وشروع كل الأطراف في البحث عن مقاربة جديدة للحل السياسي-سرعان ما توجها انتصار حزب الله اللامع في ملف الأسرى- وتشكيل موقف وطني جامع وغير مسبوق حول أكثر القضايا حساسية، نعني سلاح حزب الله، وذلك عبر اعتماد ما بات يعرف بـ"إستراتيجية الدفاع" التي سوف يصبح فيها هذا السلاح موضوعا وطنيا لا مادة للمزايدات السياسية والمهاترات الكلامية.

"
من الأحداث الأكثر إثارة في المنطقة كان التفكيك المفاجئ للأزمة الداخلية في لبنان، وتلازم ذلك بدوره مع أول إعلان سوري رسمي عن قرب تبادل السفراء مع لبنان، وفي نفس الوقت حدث انفتاح دبلوماسي على العراق، مع ظهور مسار جديد للعلاقات التركية العراقية
"
وهذا الحدث البارز تلازم بدوره مع أول إعلان سوري رسمي عن قرب تبادل السفراء مع لبنان واستعداد دمشق لرسم خط جديد للحدود مع "جارته".

وفي هذا الوقت كذلك، حدثت سلسلة من التطورات السياسية التي تبشر ببداية قوية لأول وأكبر انفتاح دبلوماسي على العراق، وبدء مرحلة لا سابق لها من احتضان العالم العربي لنظام ظل -في عيون العرب الرسميين- وطوال السنوات الخمس الماضية "ملتبسا" ويوصم أحيانا في السر والعلن بأنه نظام "طائفي".

والمثير للاهتمام أن الانفتاح العربي على العراق تلازم مع ظهور مسار جديد للعلاقات التركية العراقية دشنه رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان بزيارة مفاجئة لبغداد، وتوقيعه على بروتوكول ينظم عمل "المجلس الأعلى التركي العراقي" الذي يتضمن سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية.

وفي هذا الوقت تماما حدث تطور مثير آخر لم يكن متوقعا، وذلك عندما أعلن الرئيس علي عبد الله صالح "نهاية الحرب مع الحوثيين في صعدة"، وهو إعلان فاجأ حتى بعض أنصار الحوثي الذين ظلوا يواصلون "مناوشات خفيفة" هنا وهناك مع الجيش اليمني.

يمكن تلخيص كل هذه التطورات والأحداث المتشابكة والمفاجئة على النحو التالي:

أولا: كانت المنطقة العربية على وشك الانفجار واندلاع حرب مدمرة، خصوصا بعد ضرب "مفاعل دير الزور" المزعوم، وتصاعد الاتهامات الإسرائيلية والغربية ضد دمشق.

ثانيا: وكانت مسألة ضرب وتدمير مفاعل إيران النووي تعد بالساعات والأيام، خصوصا مع توارد أنباء عن تدريبات إسرائيلية في سماء العراق على ضرب طهران.

ثالثا: وفي لبنان بدا لأيام وأسابيع قليلة مضت أن هذا البلد يوشك أن يسقط في براثن فتنة طائفية تهدد بتقويض أسس التعايش التاريخي بين اللبنانيين، وقد تدفع بهم في قلب حرب أهلية.

رابعا: أما في العراق فقد ظلت الصيحات تتعالى محذرة من خطر "الحرب الطائفية" مع تصاعد أعمال القتل والفوضى.

خامسا: في فلسطين المحتلة، ومع تصاعد نذر الخلافات بين حماس وفتح، وتفجر أزمة المعابر ثم تهديدات حماس بتدابير من نوع ما لتفكيك حصار غزة بالقوة، أيقن الجميع أن صيفا ساخنا سوف يجتاح الشرق الأوسط ربما من بوابة رفح.

سادسا: في الصومال المنسية، بدا لأيام وأسابيع مضت أن هذا البلد يغطس في مغطس حرب لا نهاية لها.

سابعا: وبينما كانت دائرة المخاطر تتسع في المنطقة كلها والمخاوف من حرب شاملة قد تنزلق إليها، كانت أنقرة تغطس في حرب مكشوفة ومعلنة ضد حزب العمال الكردستاني لا سابق لها.

فجأة، تغيّرت اللوحة المظلمة وبدا أن المنطقة بأسرها تتجه نحو نمط جديد من "تفكيك الأزمات" الداخلية والإقليمية يمكن تسميته بحقبة "التهدئة".

من هدنة حماس الهشة إلى توافق اللبنانيين في الدوحة على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى خروج دمشق من عزلتها، مرورا باتفاق جيبوتي الذي جمع "المولاة والمعارضة" الصومالية، وانتهاء بالانفتاح العربي على العراق، وصمت المدافع على حدودها مع تركيا.

وأخيرا، إعلان صنعاء المفاجئ عن نهاية حرب صعدة. فما الذي تعنيه كل هذه التطورات والأحداث في إطار إستراتيجية الزعزعة والاستقرار؟

إن الإطار الناظم لكل هذه التطورات برأينا يكاد يتحدد في ثلاثة ملفات كبرى.

الأول: ملف الصراع العربي الإسرائيلي
"
اليوم بدأت مرحلة وانتهت أخرى، والمنطقة بأسرها سوف تتجه -من داخل نظام أمني إقليمي جديد- نحو نمط من التهدئة بعد الزعزعة الطويلة. فهل تؤدي التهدئة إلى الاستقرار؟
"
يلاحظ في هذا الملف أن الأطراف الرئيسية تتجه الآن نحو مرحلة جديدة من إدارة الصراع، ولكن هذه المرة باستخدام وسائل وأدوات يمكن وصفها منذ الآن بأنها وسائل وأدوات مرحلة "تفكيك" الأزمة لا إدارتها، وذلك ما يُدلل عليه شروع مختلف الأطراف في البحث عن "هدنة" قبل التقدم نحو خيارات مؤلمة للتفاوض حول قضايا الحل النهائي، خصوصا بعد ما اتضح أن كامل المرحلة السابقة -منذ مشروع روجرز 1970 وحتى اليوم- لم تكن سوى مرحلة "تسويق وهم التسوية" بأكثر مما كانت لإنتاجها أو الاقتراب من تخومها.

في هذا السياق يجري الحديث عن "صفقة تاريخية" وضع لمساتها عباس أولمرت، وطوال أشهر من المفاوضات السرية والعلنية في القدس، قد تؤدي إلى ظهور "دويلة" فلسطينية في غضون الشهرين القادمين وترحيل قضايا الحل النهائي، مثل وضع القدس واللاجئين والمياه والمستوطنات، إلى مرحلة ما بعد دخول الدويلة الفلسطينية الجديدة إلى المسرح الدولي بطبل وزمر.

بكلام آخر، سوف يشهد ملف الصراع العربي الإسرائيلي على كل الجبهات سلسلة من عمليات التفكيك الهادئ والتدريجي.. وهذا ما سوف ينعكس تلقائيا على الأوضاع في لبنان، حيث يدخل الصراع مع إسرائيل حول مزارع شبعا منحى جديدا لا محالة مع شروع دمشق في التفاوض على حدود جديدة مع لبنان برعاية الأمم المتحدة (قد تدخل شبعا بموجبها ضمن الأراضي اللبنانية رسميا).

وهذا بالطبع، بالتوازي مع دور تركي متعاظم على جبهة تفكيك الصراع العربي الإسرائيلي.

الثاني: الملف النووي الإيراني
ومن الواضح في هذا السياق، أن الدور التركي المتعاظم في المنطقة، والذي يتحرك بحيوية ونشاط على مختلف المحاور، سوف يتخطى حدود رعاية مفاوضات هادئة وغير مباشرة بين السوريين والإسرائيليين إلى المساهمة بشكل غير مباشر في تفكيك أزمة الملف النووي الإيراني. وهذا ما كشفت عنه زيارة متكي الأخيرة قبل لقاء سولانا جليلي بحضور أميركي رسمي.

الثالث: ملف الغزو الأميركي للعراق
إن فهما سليما لتطورات هذا الملف يجب أن يُلاحظ حقيقة أن العراق باشر في الخروج بالفعل من "عنق الزجاجة"، وأن توقيع الاتفاقية الأمنية مع الأميركيين، وإنْ في صيغة "إطار أو مذكرة تفاهم" أصبحت أمرا لا مناص منه، لأن المسالة لا تتعلق باتفاق بين بلدين يحتل أحدهما الآخر، بل بنواة لنظام أمني إقليمي جديد، هو نظام التكامل الأمني الذي سيلعب فيه العراق وتركيا وإسرائيل دور الضابط والضامن لاستقرار المنطقة.

اليوم بدأت مرحلة وانتهت أخرى، والمنطقة بأسرها سوف تتجه -من داخل نظام أمني إقليمي جديد- نحو نمط من التهدئة بعد "الزعزعة الطويلة".. يُقال إن "تفكيك الأزمات" قد ينتهي بتهدئة. فهل تؤدي التهدئة إلى الاستقرار؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة