الحاضنة قبل الداية   
الاثنين 1427/5/2 هـ - الموافق 29/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:26 (مكة المكرمة)، 12:26 (غرينتش)

سبق أن قلنا مراراً إن الناصرية لم تكن أيديولوجية أو حتى برنامج عمل واضح المعالم قبل ثورة 23 يوليو/تموز وإنما هي نهج تراكمي تبلور أثناء عهد عبد الناصر, وعبر ممارسته الحكم واتخاذه المواقف من أحداث تطرأ وتتغير, وإن الأحزاب الناصرية قامت فقط بعد وفاة عبد الناصر وعلى يد مجاميع من الجماهير العربية الواسعة التي اعتبرت عبد الناصر قيادة وقدوة لها.

والحلقات الأخيرة من مذكرات هيكل, أو ما يسميها "تجربة حياة" جاءت لتؤكد هذا الذي قلناه ولم يرض عنه تماماً بعض "الناصريين". مع أن هذا الوصف الواقعي للناصرية يعطي لبعض أوجه النقص أو القصور اللذين شابا تلك الحقبة -الذهبية رغم ذلك- مبررات مستمدة من ضغط الأحداث وضرورة اتخاذ القرار وحسم الخيارات في ضوء الممكن, وما قد يكون بدا حينها الأفضل.. أو الأقل ضرراً.

وحتماً ستبين الحلقات التالية من تجربة هيكل, كيف ولماذا جرت العودة عن الخيار الديمقراطي الذي كان الضباط الأحرار, ومنهم وفي مقدمتهم عبد الناصر, قد اعتمدوها أحد أهم أولويات "حركتهم" وكيف أن ذلك التراجع كان وما زال كعب أخيل الذي أتيت منه تلك الثورة وإنجازاتها, منذ أن "ورثها" أنور السادات "بالاستفتاء".

ويأتي إنعاش الأستاذ هيكل للذاكرة العربية الآن, والأمة العربية كلها تمر بمخاض ولادات عسيرة لا تنجو من محاولات تدخل "قيصرية" (والتسمية هنا في السياسة أصدق مما هي في الطب ذاته) من قياصرة العصر..

أما بقاء ما يجري في العالم العربي كله ضمن حركات الإصلاح, أو تحول بعضها إلى ثورة, فهو أمر مرهون بالتطورات على أكثر من صعيد داخلي وإقليمي ودولي.

وعلى أية حال, الإصلاح والثورة يجتمعان على حقيقة أساسية هي أن ما هو آت غير ما كان, بدرجة أو بأخرى.

بل إن ما يميز القادم الجديد ويجعله مطلوباً أساساً هو عناصر اختلافه عما كان, وليس عناصر توافقه معه.

"
في حال ما إذا لم تجد المكونات الإصلاحية الجديدة "حاضناتها" التي توفر لها متطلبات البقاء والنضج, فإنها ستقضي في مهدها أو تصبح شوهاء أو معاقة
"
ولكن في حال ما إذا لم تجد المكونات الإصلاحية الجديدة "حاضناتها" التي توفر لها متطلبات البقاء والنضج, فإنها ستقضي في مهدها أو تصبح شوهاء أو معاقة، وهذا لن يوقف رياح التغيير حتما, لأن التاريخ لا يسير إلى الوراء.

بل إن حالات الفشل ستزيد من منسوب الإحباط الذي استوجب التغيير والتجديد أصلا, لتصبح الأهداف أكثر راديكالية, ويؤول إرث الإصلاحيين إلى الثوريين..

وبنظرة محايدة لطيف الثوار المعروض حاليا في المنطقة, فإن افتراض أن كل ثورة ستكون سلمية كثورة 23 يوليو، هو حتماً إغراق في التفاؤل!

ومن هنا يجب علينا التوقف عند الدرس الذي تحمله التفاصيل التي يرويها أستاذنا الكبير هيكل عن الأيام والأسابيع القليلة التالية لليلة 23 يوليو.

تلك الأيام التي كادت فيها الثورة تنصب أحد أزلام العهد الملكي دكتاتوراً بديلاً, أو تكاثر نماذج من الملك المخلوع في هيئة الأوصياء على العرش.. فيكون ضباط مصر الأحرار جازفوا بحياتهم فقط لينقلوا مصر "من تحت الدلف, لتحت المزراب"!!

وحقيقة أن الثورة نجت, وأن قومياً شريفاً وقيادياً قوياً مثل عبد الناصر تولاها قبل فوات الأوان, لا يعني أن السلامة مضمونة.

والدرس بسيط, ويتمثل في ضرورة تحضير الحاضنة المناسبة للمولود الآتي, على شكل بيئة تشريعية سياسية متكاملة.

وهنا يجب التوقف عند بعض الحقائق المتعلقة بالثورات من جهة وحركات الإصلاح من جهة أخرى, وهي ما تجلت في تجربة مصر التي يرويها هيكل.

فالثورة تحتاج إلى الخبرة والدراية العسكرية، لهذا فإن الثورات الناجحة كلها تمت على يد عسكريين, أو تنظيمات لها مليشياتها أو تتمتع بدعم عسكري.

أما "الإصلاح السياسي" بغض النظر عن درجة التوافقية أو القسرية في إحلاله, فيبقى عملاً سياسياً محضاً يمكن أن تقوم به أحزاب وتيارات معارضة, كما يمكن أن ينشأ من داخل الأنظمة نتيجة رغبتها الصادقة في الإصلاح, أو كخطوة احترازية نابعة من امتلاك بعد النظر السياسي.

ولكن في كلتا الحالتين هنالك حاجة إلى قطاع ثالث هو قطاع "القانونيين" وهؤلاء لا يزيدون عن كونهم "التكنوقراط" الذين يعينون في صنع "الحاضنة" بالمواصفات المطلوبة "سياسياً" ولكنهم ليسوا من يحدد هذه المواصفات.

بل إن منسوب المهنية القانونية العالي إن لم يملك أصحابه رؤية سياسية ثاقبة, يصبح بحد ذاته عائقاً أمام الإصلاح.

والسبب أن القانون علم يمكن لأي مجتهد أن يتتلمذ عليه ويطبقه ببراعة, بينما التشريع بالمقابل فن من حيث ابتداعه ليعبر عن الحالة المطلوبة, وهو فعل سياسي أساساً من حيث أغراضه وتوظيفه.

والتشريع واكب تطور المجتمعات سياسياً, من الحكم "الإلهي" الذي بدأ بقساوسة أو ملوك يزعمون تمثيل إرادة الآلهة, ثم جرى تنازعه بين الملوك والكهنوت, وصولاً للديمقراطيات الحديثة (وحتى في سابقاتها القديمة) حيث اعتبر التشريع أهم حق من حقوق الشعوب, يحصر في ممثليهم المنتخبين.

"
انتقال المعارضة العربية من مجرد سلسلة ردود الفعل المجزوءة على سياسات الحكومات, إلى فعل مؤسس للحالة البديلة بأطرها ومستلزماتها التشريعية, أمر ملح
"
وإذا كانت كل التشريعات بهذه الأهمية السياسية, فإن الدساتير التي هي عقود حكم, تظل الأهم، ويستحيل أن يتصدى أحد إلى أي درجة من الإصلاح السياسي دون أن يتعرض للدستور تغييراً أو تعديلاً, أو حتى مجرد إعمال لدستور مهمل أو مخترق.

وحاجات الإعمال والتعديل غير حاجات التغيير، وهذا ما واجه ثورة 23 يوليو التي لم تكن تعرف بعد لأن عسكرييها لم يكونوا قد تحولوا إلى سياسيين, أنها ثورة وليست "حركة إصلاحية" وهي تحتاج بالتالي إلى دستور جديد كلياً.

وأثناء هذه الغفلة, انتهز بعض السياسيين الفرصة ليقولوا "بتطبيق الدستور" كما في حالة الأوصياء على العرش, كي يعيدوا الحال إلى ما كان عليه لصالحهم.. أو للقفز على الدستور بألاعيب سياسية تدعي اللبوس القانوني, ليتحولوا إلى ملوك دون تتويج, لمن اعتاد وبرع في الحكم من وراء واجهة كعلي باشا ماهر (وفي العالم العربي مثله كثر يحركون من يسمون حكامه على هواهم) إلى حد جعل "عساكر" الثورة يظنون أنه الأنسب في البداية, حتى كادوا يسلمونه مقاليد مصر!

وحتى حين تحول العسكر إلى سياسيين, فإن غياب موهبة أو على الأقل ثقافة المشرع عنهم في مراحل التكوين الحساسة, أدى لتغييب الإطار الدستوري الحامي لتلك الثورة العظيمة, بحيث اكتفت بإطار هش من دستور هجين مليء بالعيوب فرط في كل منجزات عهد عبد الناصر, وتعاني من عيوبه مصر حتى يومنا هذا!

ومعاناة المصريين للتخلص من نقائص الدستور التي نتابعها يومياً جنباَ إلى جنب مع رواية هيكل على شاشة الجزيرة, تعمق الدرس المستفاد من خطأ غياب أو إغفال أو عدم إدراك أهمية الإطار التشريعي الحاضن للثورات والإصلاح, ووجوب أن يسبق هذا الإطار, أو يواكب على الأقل, تلك الحركات أو الثورات لا أن يليها في فعل أو حتى ردود فعل مرتجلة.

نحن في الأردن أدركنا أهمية الحاضنة التشريعية ومنذ وقت مبكر، وأثناء دخول الملك الراحل مرحلة النزع الأخير, مما عنى أن تغييرا ما سيأتي, لابد للقوى الوطنية أن تستعد له.

فانكببنا على إعداد وثيقة "مبادرة الإصلاح" الشعبية التي أصدرناها في بواكير عام 90, وكانت أول مبادرة إصلاح عربية متكاملة, وسابقة لكل دعاوى الإصلاح العربية الأخيرة, الداخلية منها والآتية من الخارج.

وهي تتناول السياسة والاقتصاد والديمقراطية ومكافحة الفساد.. وأهم من كل هذا: الأبعاد التشريعية التي تمثلت فيما يلزمنا كحركة إصلاح لا مشروع ثورة, ألا وهو تفعيل العمل بدستور عام 52 الأصلي وتنقيته من التشوهات التي أقحمت عليه, وتعديله بما يضمن عدم تكرار العبث بأحكامه نصاً أو روحاً.

فدستورنا الأصلي يحقق "الملكية الدستورية" وتوصيات مبادرتنا بشأنه ربما تجعله الأقرب للدستور الأنموذج لمبادرات إصلاحية مشابهة في أنظمة عربية مشابهة.

"
يفضّل توحيد الجهود في سبيل إخراج نماذج عربية موحدة لكل أنواع الخيارات والبدائل التي تتبناها القوى الإصلاحية العربية بدءاً من ملكيات دستورية ينتخب فيها رئيس الوزراء إلى دساتير لأنظمة جمهورية رئاسية كما هو قائم في العالم الديمقراطي المتحضر
"
ويبقى السؤال المشروع: أين تلك المبادرة من تردي حال الديمقراطية والحريات في الأردن؟ والجواب هو أولاً: القصة المعروفة من إجهاض غير متبصر للإصلاح السلمي الداخلي لصالح مافيا الفساد مما بدأ يصب (إن قبلنا بكامل نسخة الدولة عن الجماعات المتطرفة التي تضبط بازدياد متسارع) لصالح الثوريين العدميين.

ثانيا: إن المبادرة ظلت نخبوية بأطول مما يجب, إذ بدأت بجهد فردي صاغ تطلعات تلك النخب وقدمها لهم، فحازت الوثيقة على حوار ونقاش مستفيضين انتهيا بتوقيع مجموعة كبيرة من أهم قيادات الطيف السياسي الأردني عليها.

وللأسف, فإن تقبل القصر, في بواكير العهد الجديد, لتلك الوثيقة بترحاب انعكس سلباً عليها, إذ اختصرت الجهود القاعدية اللازمة لتطبيقها بانتظار أن يأتي الإصلاح من فوق!

ولكن ذلك الخطأ الذي يرقى للخطيئة, لم يمنع الوثيقة من أن تصبح مرجعية جامعة لا يكاد يخرج عنها كل دعاة الإصلاح في مقالاتهم وخطاباتهم, وعند أول لحظة فعل, يمكن أن تشكل حاضنة لإصلاح, في حدود الملكية الدستورية.

ولكن لأن المسألة عربية عابرة للأقطار, فإن انتقال المعارضة العربية من مجرد سلسلة ردود الفعل المجزوءة على سياسات الحكومات, إلى فعل مؤسس للحالة البديلة بأطرها ومستلزماتها التشريعية, أمر ملح.

ويفضّل توحيد الجهود في سبيل إخراج نماذج عربية موحدة لكل أنواع الخيارات والبدائل التي تتبناها القوى الإصلاحية العربية, بدءاً من ملكيات دستورية ينتخب فيها رئيس الوزراء، إلى دساتير لأنظمة جمهورية رئاسية, كما هو قائم في العالم الديمقراطي المتحضر. وهذا ييسر لنا أن نتضامن عربيا للدفاع عن مطالبنا، وأن نقوم بمؤازرة حركات الإصلاح العربية أينما بدأت, وأمام العالم كله, ونحن على علم بما يجري وما نريد.

ولا بأس من محاولة إشراك أو على الأقل إحراج الجامعة العربية بطلب مساهمتها أو مظلتها.

في انتظار الموسم, علينا أن نبدأ بحرث الأرض وريها, عندها نضمن أن أية بذرة تقع عليها, ولو على شكل مغامرة, تملك فرصة عالية للنمو!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة