قراءة في صفقة الأسرى بين حزب الله وإسرائيل   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/على نصار

فور الإعلان عن التوصل إلى اتفاق تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل، انبرت بعض الأطراف "المعارضة" في لبنان إلى تقديم "قراءة سياسية إستراتيجية" ترى في هذا الحدث السياسي الجديد، مجرد "خطوة" سوف تؤدي أو يجب أن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله وإنهاء المقاومة اللبنانية ونشر الجيش اللبناني على الحدود.


خروج الأسرى من سجون الاحتلال يشكل نصرا إضافيا يوطد السياق السياسي الإستراتيجي الذي تشكل بعد طرد الاحتلال الصهيوني عام 2000
وهذه "القراءة" لاتفاق التبادل تنطوي على مطالبة بتغيير جدول أعمال السياسة الخارجية والدفاع الوطني للدولة اللبنانية، أكثر مما تشكل تحليلا لمقدمات ونتائج اتفاق تبادل الأسرى بين حزب الله والعدو الصهيوني. كما أن هذه "القراءة" تعبر عن رغبة "المعارضة" اللبنانية في بلوغ الوضع اللبناني والإقليمي حدا، يمكن عنده فك المسار اللبناني- السوري المشترك، بحيث يغدو الاتفاق المنفرد مع الكيان الصهيوني أمرا ممكنا أو فرضا واقعا.

وأيا كانت أغراض هذه "القراءة السياسية" الشائعة في لبنان، فإنها تظل وجيهة بشكل ما لأنها تطرح سؤالا كبيرا، عن مصير المقاومة الوطنية اللبنانية عامة، ومصير المقاومة الإسلامية وحزب الله خاصة، بعد إنجاز المرحلة الثانية من هذا الاتفاق. ناهيك عن النتائج المحتملة التي ستترتب على تنفيذ هذا الاتفاق على الصعد اللبنانية والعربية والدولية؟.

انبثق السياق السياسي لاتفاق تبادل الأسرى عن هزيمة الجيش الصهيوني وتحرير معظم أنحاء الجنوب اللبناني في 25 مايو/ أيار 2000، في ذلك الحين مورست ضغوط أميركية كبيرة على الدولة اللبنانية، خاصة على رئيس الجمهورية إميل لحود من أجل نشر قوات الجيش عند الحدود مع فلسطين المحتلة، وتفكيك تشكيلات المقاومة اللبنانية لقوات الاحتلال الصهيوني، لا سيما طليعتها حزب الله.

كانت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة تطمح حينئذ إلى تحويل الهزيمة النكراء للعسكرية الصهيونية إلى نصر سياسي أميركي-إسرائيلي، تتراوح حدوده ما بين "تبريد" أو "إزالة" الجبهة اللبنانية. وخلال المكالمة الهاتفية الليلية الطويلة بينهما أوضحت "ردود" رئيس الجمهورية على الوزيرة أولبرايت أن الدولة اللبنانية لا يمكن أن تبحث في "أمن" الكيان الصهيوني، ما بقيت الاعتداءات الإسرائيلية التالية:

1- استمرار احتلال الجيش الصهيوني لمنطقة مزارع شبعا في الجزء اللبناني من جبل الشيخ.
2- قيام إسرائيل بسرقة المياه اللبنانية بأساليب التهديد والإرهاب والأمر الواقع.
3- مواصلة القوات الخاصة، الطيران والبحرية الصهيونية، بانتهاك الأراضي والمياه والأجواء اللبنانية.
4- رفض إسرائيل تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
5- وجود الاحتلال الصهيوني في هضبة الجولان السورية، وامتناع إسرائيل عن توقيع اتفاق ينهي حالة الحرب مع سوريا.
6- إبقاء الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وإخفاء مصير المقاومين المفقودين وجثامين الشهداء، ورفض تسليم خرائط حقول الألغام التي زرعها الجنود الصهاينة في الجنوب اللبناني.

ومن الواضح أن هذه الاعتداءات لا زالت تهدد أمن لبنان الإستراتيجي، منذ العام 2000 وحتى الآن.

وبما أن إطلاق سراح بعض الأسرى اللبنانيين لم ينه الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، فإن إنجاز المرحلة الأولى، وتهيؤ حزب الله للدخول في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق تبادل الأسرى مع إسرائيل، لن يفضي إلى تغيير الواقع السياسي الإستراتيجي بين لبنان والعدو الصهيوني.

لكن هذا الاستنتاج لن يكون كافيا للرد على السؤال المطروح، وهو تأثير تنفيذ اتفاق التبادل على مصير حزب الله والمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني، والنتائج المترتبة على هذا الاتفاق على الصعد اللبنانية والعربية والدولية.

إن خروج الأسرى من سجون الاحتلال يشكل نصرا إضافيا يوطد السياق السياسي الإستراتيجي الذي تشكل بعد طرد الاحتلال الصهيوني عام 2000. ولقد أرادت إسرائيل والولايات المتحدة مرارا، كسر هذا السياق أو إجهاضه، من خلال محاولة تغيير "قواعد اللعبة" مع المقاومة في الجنوب اللبناني، لكنهما أخفقتا في تحقيق هذا الهدف.

وفي الظروف الدولية الراهنة حيث تخوض الولايات المتحدة "الحرب ضد" ما تسميه الإرهاب (سبتمبر/أيلول 2001)، وبعد إعادة احتلال الضفة الغربية (إسرائيل، أبريل/ نيسان 2002) واحتلال العراق (أميركا، أبريل/ نيسان 2003) بتواطؤ أو صمت عربي مريب، من غير الممكن بتاتا تجاهل الآراء التي تقول إن موافقة إسرائيل على اتفاق تبادل الأسرى بمرحلتيه، يخفي "كمينا سياسيا" هدفه تقليص شرعية المقاومة اللبنانية، وتجويف قضية حزب الله، وتضييق الهامش الدبلوماسي اللبناني.


لا زالت المعارضة اللبنانية تتحاشى توجيه نيرانها السياسية صوب حزب الله علنا، مع أنها لا زالت تضمر مطلب نزع سلاح المقاومة وتفكيك حزب الله
وهنا في بيروت تتردد معلومات كثيرة تتعلق مباشرة أو مداورة بنتائج اتفاق تبادل الأسرى، فقد كشفت مصادر مطلعة عن وجود اتصالات بين الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل وبعض المسؤولين الأميركيين الكبار. وهذه الاتصالات تركزت حول دور "المعارضة" اللبنانية في المرحلة المقبلة، وكان الجميل نفسه وبعض الشخصيات "المعارضة" المسلمة والمسيحية، قد بدؤوا يبشرون بقرب تغير الوضع السياسي في لبنان، وحدد بعضهم آجالا معينة لحدوث هذا التغيير، لا سيما بعد احتلال العراق، وتوقيع الرئيس الأميركي على قانون محاسبة سوريا.

وعلى الرغم من التشجيع الذي تحدثه تصريحات السفير الأميركي في بيروت ضد حزب الله، فإن "المعارضة" اللبنانية لا زالت تتحاشى توجيه نيرانها السياسية صوب حزب الله علنا، مع أنها لا زالت تضمر مطلب نزع سلاح المقاومة وتفكيك حزب الله.

ومن هذه الناحية نجد أن "المعارضة" اللبنانية، وبعضها من الشخصيات المسلمة الشيعية الناشطة حاليا في جنوب لبنان، تلتقي تماما مع الموقف الأميركي الذي يريد نشر الجيش في الجنوب، وتخريب البيئة السياسية الإستراتيجية التي أثمرها تحرير التراب الوطني.

لكن هشاشة التأييد السياسي الرسمي والشعبي لمطلب تمركز الجيش في الجنوب و"تسريح المقاومة"، يحرج أو يعزل قوى وشخصيات المعارضة. ولذلك نراها تلجأ إلى خطاب التخويف من مغبة بقاء الوضع على ما هو عليه حاليا عند الحدود اللبنانية- الفلسطينية. وبهذا الخطاب الذي يتوخى إفساد الشعور بالانتصار لدى اللبنانيين والعرب، واجهت المعارضة اللبنانية اتفاق تبادل الأسرى.

هذا الاعتراض الداخلي المرن على هشاشته السياسية وقوته الإعلامية لا يغير ميزان القوى العام في لبنان، لكنه يحسن ظروف الهجوم السياسي الخارجي على المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي، لا سيما حزب الله. وقد لاحظنا جميعا أن فرنسا التي تميزت بموقفها المتفهم لوجهة النظر اللبنانية بشأن الوضع في الجنوب، التي تقيم اتصالات شبه رسمية مع حزب الله، بدأت بالتضييق على النشاط الإعلامي للمحطة التلفزيونية التي تتبع لهذا الحزب، وهي تتجه لحظر هذا النشاط على الأراضي الفرنسية.

تحت عنوان "الكمين السياسي" أيضا يتردد في بيروت أن الأوروبيين يريدون القيام بتحرك دبلوماسي على خط الصراع العربي-الإسرائيلي. وأن الدور الألماني في اتفاق تبادل الأسرى ليس غير تمهيد لهذا التحرك الأوروبي المتوقع. بعض المصادر الدبلوماسية الأوروبية تقول إن الاتحاد الأوروبي يريد الاستفادة من التورط الأميركي في العراق، وعجز الدبلوماسية الأميركية عن استثمار نتائج الاحتلال والغزو في العراق.

مصادر محلية أخرى تقول إن الدور الألماني والدور الأوروبي ليس بعيدا عن التأييد الأميركي. وهذا الدور مشروط بالاقتراب خطوة من السياسة الإسرائيلية، الأمر الذي يفسر التضييق الإعلامي على حزب الله، والحياد الأوروبي المتواطئ في قضية جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية. كما أن الشائعات السياسية بعد وصول الأسرى إلى بيروت كانت قد تحدثت عن احتمال انسحاب إسرائيلي مفاجئ من مزارع شبعا، بغية "تخريب لعبة" حزب الله.


ما أنجز من الاتفاق يبقى خطوة سياسية محدودة، والمهل الزمنية التي أعلنت لتنفيذ المرحلة الثانية، لن تمنع كلا الطرفين اللبناني والإسرائيلي من تحسين مواقعهما التفاوضية قبل إنجاز بقية الاتفاق
لكن يتضح من الكلمة التي ألقاها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لدى استقباله الأسرى العائدين، أن الطرف اللبناني قد أجرى "ربط نزاع" بين خطوة إطلاق الأسرى وجثامين الشهداء وما يليها، لا التزاما باتفاق التبادل فحسب، وإنما حماية للوضع السياسي الإستراتيجي في الجنوب، وفي لبنان بأكمله.

وهذا الربط الذي ينطلق من مبدأ حماية وتطوير نتائج التحرير والمقاومة، يعطي المحور اللبناني-السوري- الإيراني، مزيدا من المقدرة على تطوير العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي المشترك في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.

وقد وصل وزير الخارجية كمال خرازي هذا الأسبوع مفتتحا المرحلة الثانية من تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى. العنوان العريض لهذه المرحلة هو تقديم معلومات تكشف عن مصير الطيار الإسرائيلي رون آراد الذي فقد في لبنان عام 1982، مقابل الإفراج عن بقية الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وهم سمير القنطار ونسيم نسر ويحيى سكاف، وكشف مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين اختطفتهم المليشيات الموالية لإسرائيل عام 1982.

بالإضافة إلى ذلك ينص اتفاق التبادل على إطلاق سراح بعض الموقوفين في السجون الأوروبية. وتقول مصادر لبنانية مطلعة إن ما أنجز من الاتفاق يبقى خطوة سياسية محدودة، والمهل الزمنية التي أعلنت لتنفيذ المرحلة الثانية، لن تمنع كلا الطرفين اللبناني والإسرائيلي من تحسين مواقعهما التفاوضية قبل إنجاز بقية الاتفاق. أما البحث في مصير حزب الله والمقاومة اللبنانية، تضيف هذه المصادر، فلسوف يظل دون جدوى، طالما لم ينقطع الحوار السوري-الأميركي، ومع استمرار الحوار الإيراني-الأميركي.
ــــــــــــــــــ
كاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة