الإعلام الجديد يُنمنِم العدالة الاجتماعية   
الأحد 13/4/1434 هـ - الموافق 24/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:07 (مكة المكرمة)، 8:07 (غرينتش)

 

العدالة الاجتماعية.. يقيسها الجميع ويعبّرون عنها
الديمقراطية قيمة كونية!

قبل المد الإعلامي الاجتماعي الجديد، كانت قوالب توصيف أو قياس العدالة الاجتماعية تتم بصورة "جمعية"، يحتكرها "رجل السياسة" أو "شيخ القبيلة" أو "الوجيه الاجتماعي" أو "عالم الدين"، فيعبر عن قناعاته بارتفاع مستويات العدالة الاجتماعية في "منطقة نفوذه" أو "امتيازه"، وفي الغالب يأتي التعبير أو القياس مرتفعاً لمجاملة الحاكم، وهي جزء من الصفقة السياسية بينهما.

وبعد أن يتم مثل هذا التعبير أو القياس المجحف، تنطلق وسائل الإعلام والصحف وبقية الأبواق لتؤكد على تحقق "فردوس العدالة الاجتماعية" في هذه الدولة وتلك، ويُحرَم الناسُ مجرد التحفظ على هذا القدر الباذخ من المبالغة (أو الكذب الفج).

العدالة الاجتماعية.. يقيسها الجميع ويعبّرون عنها
ذاك كان قبل الإعلام الجديد، أما الآن، فلم يعد الأمر كما كان، حيث أفلح هذا الإعلام الاجتماعي المتجدد في "تفتيت العدالة الاجتماعية" وإخراجها من "البوتقة الجمعية الصاهرة" التي كانت بقبضة رموز غير ديمقراطيين، لتصل من ثم إلى تخوم "مملكة الأنا الفردانية"، التي في أرجائها يشعر الإنسان البسيط بقدرته على تقييم الوضع العام، وقياس منسوب العدالة الاجتماعية، والتعبير الفوري عن آرائه الشخصية التي يحترمها هو على أقل تقدير، وما هي إلا لسمة واحدة لمصباحه السحري (جهازه الذكي) حتى يخرج له "شبيك لبيك العالم بين إيديك"، فيضغط -مثلاً- على أيقونة "تويتر"، ويجود بتغريدات تكشف قناعاته الشخصية واتجاهاته نحو العدالة الاجتماعية في بلده.

أفلح الإعلام الاجتماعي المتجدد في "تفتيت العدالة الاجتماعية" وإخراجها من "البوتقة الجمعية الصاهرة"، لتصل من ثم إلى تخوم "مملكة الأنا الفردانية"

ويشهد توتير نوعاً غير مسبوق من الشفافية والجرأة في طرح الآراء الشخصية حيال العدالة الاجتماعية، ولعلي استعرض بعضها دون إلحاقها ببلد معين، كي نتجنب الحساسية التي قد تتولد من هذا الأمر، خاصة أنني لا أقصد دولة بعينها ولا أستثني أحداً في الوقت ذاته، فالطرح هو نصح عام للجميع. وأثبت التغريدات كما وردت بنصوصها:

• "العدالة الاجتماعية.. هدف حقيقي أم سراب؟".
• "للأسف أن العدالة في وطني أصبحت تبكي حالها وتشكي إلى الله تعالى مآلها".
• "العدالة الاجتماعية قد تسبب ثوران الشعوب إذا لم تطبق.. انظروا إلى هذه التجربة مثلا http://youtu.be/_Go8tnl21MU" (أشار المغرد إلى تجربة قام بها باحث على مجموعة من القرود لإثبات أن من أسباب الثورات غياب العدالة، يمكنكم مشاهدة الفيديو على الرابط في التغريدة السابقة).
• "أصبح المرتزقة هم الأعزاء في وطننا وأبناء الوطن أصبحوا الأعداء لأنهم قالوا أين حقي وأين الديمقراطية وأين العدالة وأين المساواة وأين الكرامة".
• "حقوق الشعوب لا تعرف لوناً ولا عرقاً ولا مذهباً.... ومسطرتها العدالة".
• "عند فقدان الثقة في العدالة والدولة بشكل عام يلجأ الفرد لكيانات تحميه وتحتويه كالقبيلة والطائفة والفئة مما يخلق دويلات داخل دولة...".
• مغرد يستشهد بمقولة ينسبها للمستعرب الياباني نوبواكي نوتوهارا: "مشكلة العرب الأساسية هي غياب العدالة الاجتماعية، تهميش المواطن وإذلاله وانتشار القمع بشكل لا يليق بالإنسان!". 

ما سبق إذن يشير إلى ظاهرة جديدة تخلّقت في رحم هذا الإعلام الاجتماعي، وهي "نمنمة العدالة الاجتماعية" على نحو ما ذكرت، والأمر ليس مقصوراً على العدالة، بل ثمة نمنمة للمسائل المشابهة المتشابكة، كالحريات والديمقراطية والكرامة والفساد ونحوها.

وأحسب أن هذه الظاهرة جديرة بأن يستوعبها الجميع وبالذات الأنظمة الحاكمة في عالمنا العربي، إذ إن آثارها واستحقاقاتها كبيرة، وهي تدعو – ضمن مسائل عديدة– إلى تغيير طريقة التفكير مع الشعوب، فلكل زمن عقوله ومذاهبه ورجاله. ولعلي أرصد أهم هذه الآثار والاستحقاقات:

1- زيادة وتيرة التعبير والقياس للعدالة الاجتماعية وبقية أخواتها عبر الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي يتوقع معه زيادة الضغوط المجتمعية، وقد تأخذ قوالب حَراك شعبي، أو مطالبات قانونية بشكل أو بآخر، بما في ذلك تدويل بعض ملفات الفساد.

2- يبالغ المسؤولون والنظامويون (المدافعون بالحق والباطل عن الأنظمة) في تصويرهم لمستويات تحقق العدالة الاجتماعية، ويتغافلون عن حقيقة شيوع المعلومات الوفيرة، وعن الحملة الشعبية "شايفين وعارفين ومش راضين"، وقد يترتب على الاستمرار في تجاهل الحقائق توسع نطاق هذه الحملة.

العدالة الاجتماعية يقيسها بعض المسؤولين والنظامويين عبر مقارنة "جائرة" ببعض الدول الأفقر، وينسون حقيقة علم الجميع بالمداخيل الهائلة التي تحققها إيرادات النفط

3- العدالة الاجتماعية يقيسها بعض المسؤولين والنظامويين عبر مقارنة "جائرة" ببعض الدول الأفقر، وينسون حقيقة علم الجميع بالمداخيل الهائلة التي تحققها إيرادات النفط وغيرها.

4-  بات الناس يدخلون سلسلة جديدة من المقارنات بشأن العدالة الاجتماعية، إذ لم تعد المقارنات مقتصرة فقط على الناس العاديين في الدول الأخرى، بل على النخب الحاكمة والشخصيات المتنفذة في البلد ذاته.

5- تصرح فئات متزايدة من الناس بإيمانها الذي يزداد ترسخاً مع مرور الوقت بأنه "لا عدالة اجتماعية بلا أذرع ديمقراطية". ومن ثم فإن الناس أمسوا لا يثقون كثيراً في التشريعات والأجهزة الحكومية التي يتم سنها وتأسيسها من أجل الإسهام في تحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك أن "خرق الفساد أكبر من رقعة الإصلاح الشكلاني".

الديمقراطية قيمة كونية!
العلائق المتواشجة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تجرني إلى التأكيد على أن الشعوب العربية كغيرها تؤمن بالديمقراطية باعتبارها "قيمة كونية"، ولا أحد يطيق نفي هذه الحقيقة التي باتت دامغة لكل من يمتلك حواساً تنقل له ما يحدث واقعاً في هذه "القرية الكونية الآخذة بالدمقرطة"، والعالم العربي ليس استثناءً ولا يمكن أن يكون كذلك بأي شكل من الأشكال، وهو ليس خارج التاريخ على الإطلاق.

وإني أعجب من البعض –كما يقع في الخليج العربي– حين يصورون أن الخليجيين -على سبيل التحديد- لا يهتمون بالديمقراطية بقدر اهتمامهم بالشأن التنموي والخدمات والجوانب الحياتية وتحقيق الرفاهية والإشباع الاقتصادي.

كيف تُقال هذه المزاعم؟ أنا أتحدى من يقولها بتجربة مبسّطة. هل يستطيع أولئك أن يقدموا لأبنائهم المسكن والغذاء والتعليم والصحة والترفيه ويحرمونهم من المشاركة في اتخاذ القرارات داخل إطار العائلة وبما يخص حاضرهم ومستقبلهم؟ هل يُقبل منهم هذا السلوك "التغذوي الاستبدادي"؟ هل يطيق هؤلاء مجرد الزعم بأن الأبناء سيكونون سعداء بفلسفة "كل واحمد ربك"؟ أم إن الأبناء يتمنون لو أنهم أقل في الشأن المعاشي مع تمتعهم بالمشاركة الحقيقية في القرارات التي تعنيهم في حياتهم، بما يُشعرهم بالكرامة و"تقدير الذات" (Self-Esteem)، وليس معاملتهم كـ"مشاريع تسمين" أو مشاريع تعليم أو توظيف؟ أقطع بأن كل المتحدثين عن هذه المسألة في الفضاء الخليجي وغيره لا يطيقون إدارة أبنائهم بـ"القرارات النازلة من الأعلى"، فقد ولى هذا الزمن وأضحى الأولاد أكبر من ذلك (العيال كبرت). وما دام أن الأمر كذلك، وهو مشاهد لنا جميعا، فلمَ نتعامل مع الشعوب بطريقة تناطح المنطق وتقفز على الحقائق؟!

التاريخ يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن "الطبقات الوسطى هي القادرة على تسخين القدر الاجتماعي، مع قدرتها الفائقة على تحديد مقادير الطبخة وكمياتها"

وأحسب أن بعض المسؤولين والكتّاب والنظامويين يبالغون في تصوير تهميش الشعوب العربية، ومنهم الشعوب الخليجية، للمسألة الديمقراطية. والصحيح أن ثمة فئات مجتمعية عربية وخليجية لا تكترث إلا للبعد الحياتي المعاشي، وغالباً ما يكون هؤلاء من الفئات المسحوقة اقتصادياً واجتماعياً، ولكنه صحيح في الوقت ذاته أن ثمة نمواً متصاعداً في "الوعي الديمقراطي" لدى كثير من الطبقات الوسطى في المجتمعات الخليجية، والتاريخ يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن "الطبقات الوسطى هي القادرة على تسخين القدر الاجتماعي، مع قدرتها الفائقة على تحديد مقادير الطبخة وكمياتها".

ولكي تكون المسألة واضحة للجميع، أشير إلى أن الفئات غير المكترثة بالديمقراطية ليست حصراً على المجتمعات العربية والخليجية، إذ نجدها في أعرق الديمقراطيات في العالم كالولايات المتحدة الأميركية ودول غرب أوروبا، ومع ذلك تتبنى الشعوب الديمقراطية وتناضل من أجل المحافظة عليها، ومن ثم يسقط الاحتجاج بمسألة هامشية الديمقراطية لدى شعوبنا العربية.

هل تسارع الأنظمة العربية في إيجاد الأذرع الديمقراطية التي من شأنها تحقيق العدالة الاجتماعية في أرض الواقع، بما يعين على تأسيس دولة القانون والمواطنة في إطار من الاستقرار والأمن والاندماج الاجتماعي والنهضة الحقيقية؟!
ـــــــــــــــــ
ملحوظة لغوية: النمنمة هي التصغير، نمنمَ الشيءَ أي جعله صغيراً أو صمّمه بحجم أصغر (انظر: معجم اللغة العربية المعاصر، مادة نمنم). 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة