ظاهرة العنف والاستشهاد.. الصواب والخطأ والمواجهة   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة*

كثيرة هي الإدانات التي تابعناها للتفجيرات التي حدثت في الدار البيضاء والرياض، وكثيرة هي الكتابات التي ذهبت في اتجاه التساؤل عن طبيعة الأفكار التي تنتج مثل هذه الممارسات وضرورة إعلان الحرب عليها كمسار وحيد للحد منها أو إيقافها. غير أن تحليل المسألة على نحو آخر يصل إلى حقيقة الظاهرة وأسئلة نشوئها وتطورها لم يكن متوفراً على نحو معقول بين ذلك الركام من الكلام والبيانات والكتابات، أقله من وجهة نظر هذه السطور حتى لا نصادر حق أحد في تبني الرأي الذي يعتقده.

إن المتتبع لظاهرة العنف "الإسلامي" أو الجهاد -حسب زاوية النظر- لا بد أن يلحظ أن للشق الداخلي أسبابا تختلف عن ذلك النوع الموجه لعدو خارجي، فعلى الصعيد الأول يمكن القول إن الانسداد السياسي وعنف المطاردات والسجون للأفكار والتوجهات وأصحابها كان سبباً مباشراً للظاهرة، إلى جانب توفر فضاء يحفزها ممثلاً في حد ما من القبول الشعبي لها بسبب الموقف من الأنظمة ومواقفها وفسادها، وقد تأكد ذلك في كل من مصر والجزائر، ففي الأولى خرج العنف من السجون كما خرج من رحم مطاردة العمل السلمي للجماعة الإسلامية، وعندما تضاءل التأييد الشعبي إلى حد التلاشي عاد القائمون على الظاهرة إلى المربع السلمي، وإن فعلوا ذلك ضمن مقاربة فكرية وشرعية وسياسية لا تلغي بحال نظيرتها الأولى التي أيدت الظاهرة على اعتبار أنها ستظل موجودة وسيستخدمها آخرون إذا توفرت ظروفها من جديد.


إن المتتبع لظاهرة العنف "الإسلامي" أو الجهاد -حسب زاوية النظر- لا بد أن يلحظ أن للشق الداخلي أسبابا تختلف عن ذلك النوع الموجه لعدو خارجي
من السهل على البعض أن يرد ما جرى من مراجعات في مصر إلى الانتصار الأمني، لكن ذلك الانتصار لم يكن ليتوفر لولا غياب الإسناد الشعبي، ثم إن الفشل الأمني الواحد قد يكون مكلفاً إلى حد كبير كما تأكد من عملية "الأقصر" الشهيرة عام 1998.

في الجزائر حدث الشيء ذاته، ذلك أن فتاوى تكفير الدولة والحكام كانت موجودة قبل إلغاء الانتخابات، لكن فضاءها الشعبي لم يكن متوفراً بوجود الديمقراطية أو الحراك السياسي، وعندما وقع ما وقع انطلقت دائرة العنف ولم تتراجع إلا عندما فقدت كل سند شعبي لها إثر تحولها إلى عنف أعمى وإثر ملامح انفتاح سياسي وإن كان محدوداً، مع أن سؤال القتل لم يكن موجهاً للإسلاميين وحدهم، بل لآخرين لهم أهدافهم من وراء استمراره. ويبقى أن قصة الانتصار الأمني لا تختلف كثيراً عنها في الحالة المصرية.

بالنسبة للعنف الموجه لأهداف خارجية حتى لو كانت في الداخل، فإن الحافز الأساسي الذي يمكن الإشارة إليه هو عداء من يمثلون تلك الأهداف للأمة وإذلالهم لها، وبالتالي توفر فضاء من الكراهية لهم والرغبة في استهدافهم في الأوساط الشعبية. والحال أن أحداً لا يمكنه إنكار ذلك الحد من القبول الذي تلقاه الأعمال الموجهة ضد الأهداف الأميركية في الشارع العربي والإسلامي من دون التدقيق في الأسئلة السياسية المرافقة لها، وإذا ما كانت تخدم القضية على نحو صحيح أم لا، إذ إن الأصل فيها هو تفريغ شحنات الغضب الكامن في النفوس تجاه عدو لا يمكن قهره بوسائل الحرب المعروفة في المعارك العادية.

إن الفضاء الفكري في المعادلتين لا يبدو عائقاً أمام المنفذين، إذ إن فتاوى التأييد ليست غائبة، وإذا كانت فتاوى الرفض محكومة لشبهة الخضوع لاعتبارات الأجواء السياسية الضاغطة، فإن الفتاوى الأخرى قد تتفوق من حيث المصداقية لأنها تقف عكس التيار، وقد تدفع الثمن الباهظ أيضاً.

ثم إن النصوص الصحيحة قرآناً وسنة توفر فرصة لالتقاط الفتوى من دون كثير عناء، وهو الأمر الذي ينطبق على أي دين أو نص سماوي، وصولاً إلى أي أيدولوجيا فكرية لبشر يخضعها آخرون للتفسير والتأويل الذي يقترب أو يبتعد عما أراده صاحبه.


دروس الجانب الداخلي من مسار العنف تقول بكل وضوح إنه نتاج الانسداد السياسي والعنف الرسمي والفساد المتعدد الأشكال، ولذلك فإنه لا مجال لمواجهته إلا بفتح الآفاق نحو فضاء سياسي معقول يسمح بمحاسبة المسؤولين، كما يسمح للأفكار بالتعبير عن نفسها
لسنا نقول إن مواجهة الفتاوى المذكورة أو الأفكار التابعة لها بوسائل على جبهة الفكر نظرية غير صحيحة، لكن ذلك لا يمكن أن يتم عبر الفتوى أو زاوية النظر الشرعية فقط، بل لا بد من تحليل الموقف وفق ظروف الزمان والمكان على نحو يقنع الناس أولاً والقائمين على تلك الأعمال ثانياً بعدم جدواها في سياق تحقيق الهدف المنشود، فتفجيرات مثل تلك التي جرت في الدار البيضاء أو الرياض لا يمكن أن تخدم أهداف المواجهة مع الولايات المتحدة، كما أن العنف في مصر أو الجزائر لم يشكل خدمة للإسلام والمسلمين، بل إساءة بالغة.

إن إمعان النظر في مآلات الأحداث أو العمليات وتدبر عواقبها على الأمة ينبغي أن يشكل بوصلة لمن يقومون بها وكذلك من يريدون منعها أو مواجهتها، أما مجرد التنديد أو مطاردة الأفكار وفتح السجون لأصحابها فلا يحل المعضلة إذا تواصلت القناعة بها لدى القائمين عليها وبقي الفضاء الشعبي مؤيداً لها على نحو من الأنحاء.

هناك بعد مهم يتصل بظاهرة الاستشهاد التي أخذت تشيع في الأوساط الإسلامية بتأثير الحالة الفلسطينية، ويتمثل ذلك البعد في حجم الكراهية لسياسات الولايات المتحدة والتحدي لها كلما بالغت في إذلال العرب والمسلمين. والحال أن ما جرى في العراق لم يثر الإحباط في الشارع العربي والإسلامي كما توقع الكثيرون، إذ ها هو يسهم في تأجيج التحدي وإطلاق موجة لا حدود لها من الشبان المقبلين على الاستشهاد، بدليل ما جرى ويجري في فلسطين والشيشان، وما جرى في الرياض والدار البيضاء، بصرف النظر عن صواب الموقف في الحالة الأولى وخطئه وسوء الأهداف المختارة وعدم خدمتها للمواجهة في الحالة الثانية. ذلك أن هذا المسار السيئ في تلك الأعمال قابل للتغيير عن طريق حملات النقد الموجهة إليه، وكذلك عن طريق تحسن الوعي السياسي للقائمين عليه تبعاً لذلك.

إن ثقافة الاستشهاد السائدة هذه الأيام وإن ضربت في الزمان والمكان الخطأ في بعض الأحيان، فإنها تشير إلى مرحلة قادمة يمكن أن تكون الأهداف فيها من نوع مختلف، لا سيما إذا اندلعت المواجهة في العراق بين الشعب وقوات الاحتلال، وهنا سيجد الشبان المقبلون على الجهاد فرصة لتفجير طاقاتهم على نحو مؤثر.

قد تجدر الإشارة هنا إلى ظاهرة المتطوعين العرب في الحرب الأميركية على العراق، فقد سمعنا أثناء رحلة إلى بغداد روايات لا تحصى عما فعله أولئك المتطوعون تجمع على أنهم كانوا الأشد قوة ومراساً بسبب روح الاستشهاد لديهم وغياب عقدة صدام حسين من نفوسهم وشعورهم أنهم يدافعون عن بلد مسلم.

وقد ذكر أحد أولئك المتطوعين لكاتب هذه السطور كيف وصل الانبهار بضابط عراقي حد القول لهم إن مجموعة من زملائهم قد "قاتلوا أكثر من الصحابة مع محمد صلى الله عليه وسلم"!!.


ثقافة الاستشهاد ثقافة جديدة، وهي بهذا المستوى غير مسبوقة وستكون لها تداعياتها على المنطقة، وهي ظاهرة إيجابية إذا تم ترشيدها، بدليل التجربة اللبنانية والفلسطينية
ما نريد قوله هو أن مواجهة الممارسات الخاطئة لبعض الفئات لا تنفي وجود حاجة لقراءة الجانب الإيجابي من هذه الظاهرة، ظاهرة الإقبال على الاستشهاد، ذلك أنها تؤكد أننا بإزاء جيل قادر على التحدي وتجاوز عقدة الخوف، وهو ما يعني أن ورطة الولايات المتحدة مع هذه الأمة كبيرة، ذلك أن استمرار مسلسل إذلالها لا يمكن إلا أن يؤدي إلى انفجار الأوضاع، وربما على نحو تصعب مواجهته.

ثقافة الاستشهاد ثقافة جديدة، وهي بهذا المستوى غير مسبوقة وستكون لها تداعياتها على المنطقة. وهي ظاهرة إيجابية إذا تم ترشيدها، بدليل التجربة اللبنانية والفلسطينية، غير أن ذلك لا يتم عبر سلاح الفتاوى المضادة على أهميتها حين تتبنى نظرية المقاصد الشرعية، وإنما عبر الحوار بشأن البوصلة والجدوى، فهي ثقافة مقبولة حين تسير في الاتجاه الصحيح وغير ذلك حينما تفعل العكس وتضرب على نحو لا يخدم الهدف المعلن.

يبقى الجانب الداخلي من مسار العنف، فدروس هذا المسار تقول بكل وضوح إنه نتاج الانسداد السياسي والعنف الرسمي والفساد المتعدد الأشكال، ولذلك فإنه لا مجال لمواجهته إلا بفتح الآفاق نحو فضاء سياسي معقول يسمح بمحاسبة المسؤولين، كما يسمح للأفكار بالتعبير عن نفسها من دون عنف ولا إقصاء.

_______________
*محلل وكاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة