فلسطين بوصلة حريتنا   
الخميس 29/9/1433 هـ - الموافق 16/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)

بداية نود تأكيد أمور، هي في ظننا من البديهيات، لكن يبدو أن بعض القراء لا ينتبهون إليها بسبب تعاملهم مع مقالة عن الموضوع بمعزل عن باقي كتاباتنا. في الوقت نفسه نضيف أن دعواتنا المستمرة، والتي لن نمل من تكرارها ليلاً نهارًا، لوضع فلسطين، قضيتنا الوطنية القومية بامتياز، في مقدمة شعارات الحراكات العربية، لا تعني إطلاقًا أننا نضعها في مواجهة الحراكات الشعبية في مختلف بلادنا العربية، ولا نذكر أننا أوحينا بذلك، صراحة أو مواربة.

على العكس، إننا على يقين من أن الإنسان الحر حقًا، بالمعنى العام للكلمة، يعطي لقضاياه القومية اهتمامًا أكبر لأن شعوره بأنها قضيته يكون أكبر وأعمق، ومتحررًا من ضغوط الشعارات واللغة السمجة التي عادة ما ترافق الخطاب العربي الرسمي عن قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، (والصهيونية جزء عضوي من النظام الإمبريالي العالمي).

صحيح أن الجندي السوفياتي حارب بشراسة لا مثيل لها الجيوش النازية دفاعًا عن وطنه، وهو لم يكن حرًا، وكان يعيش في أحد أقسى أنظمة القمع التي عرفتها البشرية، لكننا نقول هنا إنه رغم القمع الذي عاشه دافع عن وطنه لأنه أحبه ولشعوره بأهمية الوطن.

إضافة إلى كل ما سبق، فإن دعوتنا لاتخاذ فلسطين بوصلة طريق حرياتنا، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والشخصية.. لا تعني أبدًا التقليل من تضحيات أشقائنا في العديد من الدول العربية، وإخضاع حرياتهم، بمختلف تجلياتها، للقضية المركزية.

وهنا نود التشديد على التذكير بعظم التضحيات التي قدمها شعب لبنان، وسكان الجنوب في مقدمتهم، من أجل فلسطين، وتحملوا، صامتين، كل بذاءات المؤسسة السياسية الفلسطينية في جنوبي لبنان وتصرفات قياداتها العسكرية والمدنية في حق أهلنا هناك، عدا عن وحشية العدو الصهيوني التي لا تختلف في طبيعتها عن تصرفات النازيين القدامى.

ونحن لا نقلل أبدًا من تضحيات ودرجة تحمل أهلنا من شعب لبنان العربي في بيروت وفي الشمال تبعات احتضانهم للقضية الفلسطينية والذي تجلى في أبهى حلله يوم مغادرة المقاتلين الفلسطينيين بيروت في أعقاب اجتياح العدو الصهيوني لبنان في عام 1982. نقول هذا ولا ننسى أن كثيرا من قيادات بيروت "السنيَّة" كانت تعد حركة فتح "جيش السُّنَّة".

ونحن لا نقلل أبدًا من مدى تحمل أهلنا في سوريا كل تبعات تبني قضايانا الوطنية القومية واحتضانهم الحقيقي، العفوي، النزيه، لفلسطين منذ عام 1948، شعبًا وقضية.

لكن لماذا نشدد على أن فلسطين هي بوصلة حرياتنا؟

إذا أردنا معرفة جوهر دعوة اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى "وطن قومي لليهود"، فعلينا العودة إلى القرن الثامن عشر، وتحديدًا إلى الثورة الفرنسية

ثمة رأي سائد، عن جذور فكرة اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، هو، في ظننا، خاطئ تمامًا، ويعتمد على الأساطير المؤسِّسَة للصهيونية.

إذا أردنا معرفة جوهر دعوة اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى "وطن قومي لليهود"، فعلينا العودة إلى القرن الثامن عشر، وتحديدًا إلى الثورة الفرنسية (1789-1799).

ففي تلك الأيام، كان وقع هذه الثورة في فرنسا (الكاثوليكية) التي قلبت النظام القديم وهددت ممالك أوروبا كلها، وفي مقدمة ذلك التاج البريطاني، يشابه، من منظور تأثيره النفسي والفكري، الثورة الإسلامية في إيران في سبعينيات القرن الماضي. لقد شكلت الثورة الفرنسية تهديدًا ملموسًا وحيًا للأنظمة الرجعية ولسلطة الكنيسة والإقطاع والأرستقراطية وبطاناتهم.

لقد أحدثت الثورة الفرنسية، التي أطلقت شعارات الحرية والإخاء والمساواة (ولم يتحقق أي منها إلى الآن، إلا في الدساتير!) هزة فكرية، ولم تتوافر في القارة الأوروبية قوة فكرية مضادة سوى في بروتستانتية بريطانية.

لقد نظرت المؤسسة السياسية الرجعية البريطانية، والكنيسة كانت جزءا منها، إلى الثورة الفرنسية على أنها التهديد الأكبر والأخطر لسلطتها، وأخذت تبحث عن عقيدة مضادة تحاصر بها الأفكار الثورية التحررية التي أطلقتها، ولم يكن لديها من مخزون فكري سوى الدين، فاستعانت به، ووظفته للادعاء بأن ما يجري في فرنسا هو من علامات الساعة، وقرب نهاية العالم.

ولما كان الفكر البروتستانتي فكر ديني أصولي (عودة إلى الجذور) يعتمد اعتمادًا رئيسًا على العهد القديم، أو ما يعرف في لغة تراثنا التاريخي باسم "التوراة"، فقد انطلقت في كنائس بريطانيا ومواعظ الأحد الدينية حملة هوس ديني تتوعد الخلق باقتراب الساعة، وذهب كثير من الوعاظ البروتستانت بعيدًا في هوسهم إلى درجة تحديد "يوم القيامة" حتى بالساعة.

ولما كانت العقيدة البروتستانتية الأصولية تقوم على أساس أن النهاية الألفية، أي عودة المسيح (الثانية) ستكون في أرضه وبين شعبه، والمقصود هنا "اليهود" فقد ولدت حركة دينية بروتستانتية فكرية منظمة داخل الكنيسة، التي لم تكن يومًا ما بعيدة من المؤسسة السياسية الحاكمة هناك، تدعو إلى تجميع اليهود في فلسطين، تمهيدًا للعودة الثانية المزعومة، والتي عرفت بالإنجليزية تحت اسم "حركة الاستعادة/العودة".

وظهرت كتب كثيرة عن الموضوع تدعو إلى تجميع اليهود في فلسطين تمهيدًا لانتصار المسيحية في معركة "هر مجدو" المذكورة في التوراة، وهي معركة الخير، أي "البروتستانتية" ضد الشر "كل ما هو ليس بروتستانتي"!. وقد أسهبنا في تفاصيل هذا في كتابات لنا، اعتمدت التوثيق الرسمي منهاجًا بحثيًا.

العمل لاغتصاب فلسطين وتحويلها إلى مستوطنة يهودية لم يكن مشروعًا يهوديًا، بل إن الفقه اليهودي، بكافة اتجاهاته، كان ضد العودة المزعومة وكان ينظر إلى توزع اليهود في مختلف أصقاع المعمورة على أنه رحمة من إله التوراة يهوه

قبل الاسترسال، نود هنا التذكير بجوهر هذه الحركة التي تتحدث عن "استعادة" (اليهود لبلادهم كذا) والذي يذكرنا بشعار حروب أوروبا ضد العرب في الأندلس حيث لا يخجل أكاديميون أوروبيون من استعمال مصطلح "حروب الاستعادة" وهو مصطلح سياسي لا علاقة له بالعلم ولا بحقائق المعارك التي كانت تدور هناك.

ومن هذه المنطلقات، ننظر إلى قضية فلسطين. فالعمل لاغتصاب فلسطين وتحويلها إلى مستوطنة يهودية لم يكن مشروعًا يهوديًا، بل إن الفقه اليهودي، بكافة اتجاهاته، كان ضد العودة المزعومة وكان ينظر إلى توزع اليهود في مختلف أصقاع المعمورة على أنه رحمة من إله التوراة يهوه، والهدف منه نشر تعاليمه بين شعوب الأرض. ومازال كثير من اليهود يعارضون بقوة مشروع الدولة الصهيونية اليهودية، من منطلقات دينية بحتة.

وهذا يعيدنا إلى جوهر القضية الوطنية/القومية الفلسطينية. الغرب ينظر إلى اغتصاب فلسطين على أنه "استعادة" وتصحيح لتاريخ أخطأ في مساره قبل ألف ألف قرن.

والغرب، البروتستانتي تحديدًا، ينظر بازدراء إلى كل المذاهب المسيحية الأخرى، وفي مقدمتها الأرثوذكسية السائدة في الشرق، والكاثوليكية طبعًا؛ "لنتذكر معارضة الولايات المتحدة الأميركية الأخيرة لعد منظمة اليونسكو التابعة لمنظمة الأمم المتحدة كنيسة المهد في بيت لحم المحتلة من التراث العالمي".

ولنتذكر هنا كلمات فوكوياما أنه عد انتشار البروتستانتية في أميركا اللاتينية (الكاثوليكية) قفزة نوعية تبشر بنهاية التاريخ وسيادة الرأسمالية، التي هي، وفق المفكر والفيلسوف الألماني ماكس فيبر، روح البروتستانتية.

فوكوياما تراجع عن أفكاره عن نهاية التاريخ وما إلى ذلك من الهذيان الفكري، لكن الفكرة قائمة أفصح عنها وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور بلغة واضحة لا تقبل أي تأويل، عندما قال، في معرض حديثه عن مستقبل فلسطين بعد دخول قوات الاحتلال البريطانية أول مدينة فلسطينية في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 "والصِّهيونية، سواءً كانت محقة أو مخطئة، جيدة أو سيئة، متجذرة في تقاليدنا الأزلية، وفي حاجاتنا الحالية وآمالنا المستقبلية، وهي أهم بما لا يقاس من رغبات وهوى السبعمائة ألف عربي الذين يقطنون حاليًا تلك البلاد العتيقة".

ما يهمنا من هذا التصريح، أنه يفصح على نحو مطلق عن جوهر الصراع العربي، الإسلامي المسيحي المشرقي، من منظور القوى الإمبريالية.

إنه يقول إن الصراع حضاري، والهدف، كما تراه الإمبريالية العالمية، تصحيح مسار تاريخ المنطقة، إلى ما قبل الفتوحات العربي الإسلامية، وهذا في ظننا ما يجعل أي تسوية قائمة على اقتسام أرض فلسطين (الانتداب) بين المعتدي والضحية، ضربا من الخيال.

السكوت، المريب، عن مسألة العرب المركزية، إما هو تعبير عن ضيق أفق الحراك وأن الهدف ذلك الكرسي اللعين، أو تعبير عن طبيعة الناطقين باسم مختلف الحراكات، ومعرفتهم أنهم سيفقدون دعم الغرب لو طرحوا مسألة فلسطين ضمن برامجهم، المجهولة إلى الآن

من هنا فإن أيا من الحراكات الشعبية التي لا ترفع فلسطين شعارًا لها، تفقد شرعية استحالتها ثورة وطنية تقدمية الجوهر وجب الالتفاف حولها.

فالسكوت، المريب، عن مسألة العرب المركزية، إما هو تعبير عن ضيق أفق الحراك وأن الهدف ذلك الكرسي اللعين، أو تعبير عن طبيعة الناطقين باسم مختلف الحراكات، ومعرفتهم أنهم سيفقدون دعم الغرب لو طرحوا مسألة فلسطين ضمن برامجهم، المجهولة إلى الآن، والتي لا نعرف عنها شيئا سوى اللغو المعتاد عن الحرية والديمقراطية والتعددية وما إلى ذلك من المصطلحات المعهودة والمستهلكة إلى درجة مملة.

في الوقت نفسه، من الخطأ الكبير تبرئة المؤسسة السياسية الفلسطينية من أسباب خبوء الاهتمام الشعبي حيث إنها بتقديم التنازل تلو الأخر وإظهار أنه لا قاع لتراجعاتها إزاء مطالب العدو الذي تزداد شهيته للمزيد من العدوان كلما قدمت المؤسسة الفلسطينية تنازلاً.

ويضاف إلى ذلك الانقسام الفلسطيني، والذي ستوضح الأيام المقبلة أن سببه لم يكن يومًا الموقف من قضية فلسطين وإنما التمسك بالكرسي الملعون.

على أي، علينا تذكر أن أساس صراعنا من أجل تجريد كيان العدو من جوهره الصهيوني مسألة وجودنا وليس غير ذلك. لنتذكر على سبيل المثال سجناء غوانتانامو. السبب الوحيد لبقائهم في المعتقل أنهم مسلمون، وليس لأي سبب آخر. الغرب يلاحق المسلم، عربيًا كان أو غير عربي، لأنه، من منظوره، عدو ومذنب، إلى أن يثبت العكس، وأنه أداة طيعة في يد الغرب.

رغم جراحنا العميقة التي حفرتها أنظمة الظلم في أجسادنا، علينا تجنب محاولة حجب الشمس بالغربال. الولايات المتحدة الأميركية لا تهمها حرية الشعوب والتعددية... فهي لم تتحمل وجود مائة شيوعي أميركي فطاردتهم وأقامت لهم محاكم التفتيش المكارثية، تمامًا كما يفعل الغرب مع المسلمين، المقيمين والوافدين إلى بلاد الغرب. أين حقوق المسلمين الذين يحرقون أحياءً في ميانمار.

الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. الذي ألحقته نظم الطغاة العرب بشعوب أمتنا العربية يفرض علينا أن نكون أكثر وعيًا وأعمق تفكيرًا، وعدم الانجرار وراء شعارات ومصطلحات وبالتالي مطالب مستهلكة ستثبت الأيام عقمها ذلك أنه ليس ذهبًا كل ما يلمع.

إن التراخي في مسألة عد فلسطين قضية العرب الأولى، والبناء على ذلك، سيعني أنه علينا قريبًا الاستعداد لتلقي مطالب إضافية في خيبر والمدينة المنورة، بل وحتى في اليمن وشرقي جزيرة العرب، حيث يرى الغرب المتصهين أن العرب المسلمين طارئون على المنطقة التي يجب أن تعود إلى أهلها الحقيقيين، وأن مسيحييها الأرثوذكس مجموعة من الهراطقة الذين وجب إعادة تثقيفهم دينيًا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة