على هامش تحقيقات لجنة الكونغرس في أحداث سبتمبر   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ منير شفيق

ماذا تعني كل المعلومات الجديدة التي خرجت أثناء تحقيق لجنة الكونغرس في التقصير الذي سبق هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في واشنطن أو نيويورك؟
والجديد في الأمر أن معلومات إضافية مهمة أخذت تتراكم فوق المعلومات التي كشف عنها كثيرون بعد وقوع تلك الهجمات التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء.

وكان من بينها ما أعلنه مدير المخابرات العسكرية في الفلبين عن تقرير أرسله إلى واشنطن حول تحضيرات للقاعدة عن طريق استخدام طائرات في عمل إرهابي كبير. ونقل أيضا أن تحذيرات مشابهة أرسلت إلى واشنطن من قبل المخابرات الفرنسية وعدد من المخابرات العربية والدولية الأخرى. وكلها تؤكد أن تنظيم "القاعدة" يعد لعملية في الولايات المتحدة.


قبلت كوندوليزا رايس، بعد رفض وتمنع، أن تمثل أمام اللجنة للتحقيق معها، وربما بعد وعود بعدم التشديد في الأسئلة كثيرا، ومع ذلك كانت شهاداتها مجروحة وضعيفة لا تخلو من المراوغة
الأمر الذي أثار الشكوك منذ الأسبوع الأول حول: لماذا لم تأخذ إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الإجراءات الضرورية، والمفترض بها أن تكون في الحد الأقصى لإحباط أي تحضيرات تعد لها "القاعدة" أو بعبارة أخرى: كان ما وصل من تحذيرات لواشنطن يتطلب إعلان استنفار عام؟

بقي هذا السؤال عالقا دون إجابة، أو بإجابات من قبل الإدارة الأميركية غير مقنعة. وذلك طوال ما يقرب ثلاث سنوات ويزيد حتى الآن. وقد ظن أن الأحداث الكبرى التي تلته مباشرة مثل الحرب على أفغانستان واجتياح الجيش الإسرائيلي لمناطق (أ) في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم الحرب على العراق واحتلاله، سوف تغلق الملف.

لكنه عاد إلى الظهور، بقوة خلال الأيام العشرة الأخيرة من مارس/ آذار2004، عندما فتحت جلسات علنية للتحقيق الذي تجريه لجنة الكونغرس المشار إليها، لا سيما مع ريتشارد كلارك المستشار الأول للرئيس الأميركي في مكافحة الإرهاب، وما تزال التحقيقات جارية.

لقد فجر كلارك عدة قنابل من مخزن المعلومات السرية داخل الإدارة الأميركية، وصل إلى حد اتهامها، كما نشرت الصحف يوم 25 مارس/ آذار الماضي بالمماطلة فيما يتعلق بتحذيراته قبل 11 سبتمبر/ أيلول وطلبه عقد اجتماع على أعلى مستوى لمناقشتها، معترفا بأنه تذمر للإدارة من عدم استجابتها، قبل سبعة أيام من الهجمات، محذرا من قتل مئات الأميركيين.

اعترافات ريتشارد كلارك مست أول ما مست رئيسته كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي، فهي التي عليها أن تجيب أولا: لماذا لم تأخذ بجدية تحذيرات كلارك إلى جانب سلسلة من التقارير وصلتها، وفي الاتجاه نفسه، وآخرها تقرير وضع أمام الرئيس؟ ولماذا ثانيا لم تبذل إدارة بوش جهدا جديا لرفع مستوى الاستنفار؟

قبلت كوندوليزا رايس، بعد رفض وتمنع، أن تمثل أمام اللجنة للتحقيق معها، وربما بعد وعود بعدم التشديد في الأسئلة كثيرا. ومع ذلك كانت شهاداتها مجروحة، ضعيفة، ولا تخلو من المراوغة. وكانت استبقت ذلك بعقد مؤتمرات صحفية مختصرة كذبت فيها ريتشارد كلارك دون دليل، ودون إعطاء الصحافة فرصة لاستجوابها كما يجب.

ادعت أنها لم تتسلم تحذيرات كلارك إلا بعد أربعة أيام من تلك الهجمات (من يصدق؟)، في حين أبرز كلارك تقريرا أرسل إليها في يونيو/ حزيران 2001، وقد تضمن تحذيرا من عمل إرهابي ضخم ومختلف نوعيا تعد له القاعدة. وقال إن ممثلي الأجهزة الأمنية الفيدرالية استدعوا إلى اجتماع في الخامس من يوليو/ تموز 2001، جرى خلاله تحذيرهم من "هجوم إرهابي لتنظيم القاعدة في مستقبل قريب".

وحضر اللقاء كبار المسؤولين في الأمن وإدارات الطيران والجمارك وخفر السواحل والهجرة، وبالطبع بعد الاجتماع كان عليهم أن ينتظروا تعليمات الإدارة، وهو ما لم يحصل، فكيف يمكن لكوندوليزا رايس أن تنكر معرفتها بعقد هذا اللقاء، وما جرى فيه، كما راوغت أمام اللجنة.

وصفت كوندوليزا رايس ريتشارد كلارك في مؤتمر صحفي بأنه "قيصر" مكافحة الإرهاب. واتهمته بالنزق في طريق إدارته لعمله، أما تسويفها فقد جاء في مؤتمرها الصحفي يوم 25 مارس/ آذار أن المسؤولين في الإدارة الأميركية لم يستبعدوا احتمال تعرض الولايات المتحدة لاعتداءات إرهابية، إلا أن كلارك لم يبلغ أحدا إذا كانت هناك تهديدات محددة بشن هجمات داخل أميركا.


إن التواطؤ أو غض النظر من جانب إدارة بوش لغرض في نفس يعقوب يصبح واردا لكن دون أن يصل إلى ما وصل إليه من تدمير للبرجين وإيقاع حوالي 3000 قتيل
يعني أن مسؤولية كلارك كونه لم يحدد لها أين ستقع تلك التهديدات وكيف، وربما التاريخ، حتى تلام بعدئذ عن عدم اتخاذ إجراءات لإحباطها. وتظن أنها إذا قالت إن الإدارة الأميركية لم تستبعد احتمال تعرض الولايات المتحدة لاعتداءات إرهابية، يكفي للإجابة عن السؤال: ما دامت "لم تستبعد" لماذا لم تأخذ إجراءات مشددة في أكثر الأماكن احتمالا؟

والدليل ما جرى بعد تلك الهجمات وما اتخذ من إجراءات في كل الاتجاهات، وفي كل ما يحتمل أن يكون هدفا. أما ألا تؤخذ إجراءات قط، وتبقى الأمور تسير في المطارات والأماكن المختلفة ضمن الإجراءات الأمنية العادية كأن التحذيرات لم تكن، فسيبقى موضع تساؤل ويحتاج إلى تحليل، علما بأن لجنة الكونغرس لم تحرجها إلى الحد الكافي.

مثلا، الكل يذكر ذلك التصريح الذي أدلت به كوندوليزا رايس إثر تلك الهجمات مباشرة بعد أن أثير السؤال نفسه. وقد أعلن في حينه وجود تقرير عن احتمال هجمات إرهابية حتى باستخدام الطائرات على مكتب الرئيس ومنذ يوليو/ تموز 2001، فقد جاء في ذلك التصريح أن "أقصى ما توقعناه من استخدام الطائرات لعمل إرهابي هو استخدامها لأخذ رهائن من أجل المبادلة بها مع مساجين (الشيخ عمر عبد الرحمن مثلا)، لكن لم يكن من الممكن أن نتوقع استخدامها قنابل وصواريخ".

لقد علق في ذلك الوقت على تصريح كوندوليزا رايس أن هذا يعني أن الإدارة الأميركية لم يكن عندها مانع من حدوث مثل ذلك العمل الإرهابي أي خطف طائرات واستخدام ركابها رهائن للمبادلة. وهي في هذا التصريح " جاءت لتكحلها فأعمتها".

إن التواطؤ، أو غض النظر لغرض في نفس يعقوب يصبح واردا، لكن دون أن يصل إلى ما وصل إليه من تدمير للبرجين وإيقاع حوالي 3000 بريء من المدنيين قتلى. وبالمناسبة ثمة تصريح لبوش نفسه في اليوم التالي قال فيه إنه لو كان يتوقع احتمال استخدام الطائرات في قتل المدنيين على تلك الصورة لكان قد اتخذ أشد الإجراءات الأمنية للحيلولة دون وقوعه.

يجب فورا وقبل الخروج بنتائج أو الخوض في التحليل أن يؤكد أن المنهج هنا يرفض نظرية المؤامرة أو التشكيك في أن هناك أيدي غير يد تنظيمات القاعدة قامت بتلك العمليات أو حضرت لها، وإنما القول بوجود تقاطع بين رغبة الإدارة الأميركية بوقوع عمل إرهابي، ولنقل مثل خطف طائرة ركاب، ومن يقومون بتلك الأعمال.

أما لماذا؟ فجوابه بسيط، ودلائله شتى تبدأ من أول يوم انطلقت فيه إدارة بوش بتنفيذ إستراتيجية غير تلك التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أو الإدارات الأميركية السابقة منذ الخمسينيات في مواجهة الحرب الباردة.

كانت إدارة بوش تعد لإستراتيجية عسكرة العولمة، وعسكرة العلاقات الدولية لفرض نظام الأحادية القطبية من خلال سياسات القوة واستعراض العضلات العسكرية.

ولهذا كانت بحاجة إلى حدث كبير ولنقل "إرهابي" ليكون مبررا للانتقال إلى تلك الإستراتيجية وإعطاء كل التسويفات اللازمة لها، وفي المقدمة، التمهيد للعدوان على العراق، حيث أكد ريتشارد كلارك أن الرئيس الأميركي طلب منه بعد ثلاثة أيام من الأحداث أن يبحث له عن دلائل تربط بين العراق وتنظيم القاعدة (من شهادة كلارك أمام لجنة التحقيق في الكونغرس) يوم 23 مارس/ آذار 2001 وربما هذا ما جعل جيمي كارتر من بين وقائع أخرى يتهم الرئيس بوش، ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير بالاعتماد على مجموعة أكاذيب لتبرير الحرب على العراق (التصريح يوم 23 مارس/ آذار).


المؤسسة الأميركية أقل كثيرا في مستوى فعاليتها من تلك الهالة المحاطة بها من حيث عمل الفريق والدقة في التنسيق بين المؤسسات أو القدرة على التحليل، والسرعة في اتخاذ الإجراءات
هذا الاستنتاج أي حاجة الإدارة الأميركية إلى المبرر المذكور هو الذي يفسر غضها الطرف عما وصلها من معلومات حول إعداد القاعدة لعمل إرهابي كبير، ومن ثم عدم اتخاذ الإجراءات المشددة، على الأقل في المطارات التي مر بها في ذلك اليوم، عدا أيام الرصد والتدريب النظري، 18 شابا يمكن الاشتباه في بعضهم، بل كشف أن بعضهم كانوا تحت المراقبة، ولم يعترضهم أحد، ولم يجدوا صعوبة غير معتادة في التفتيش للوصول إلى غايتهم.

يفهم من تصريح كوندوليزا رايس حول خطف طائرات لاستخدامها في تبادل مساجين أن الإدارة الأميركية ربما كانت تعد لوقوع كارثة في إحداها، أو ربما كانت تكفي لغرض فتح ملف "الحرب على الإرهاب".

وبكلمة فإن الإشكال الذي يواجه إدارة بوش يتجاوز التقصير، حيث يجب أن يتضمن تهمة غض النظر المتعمد، أو التواطؤ غير المباشر، إذا ما أريدت الإجابة عن السؤال: ماذا تعني كل المعلومات التي تراكمت حول تسلم إدارة بوش تحذيرات مسبقة عن إعداد القاعدة لعمل إرهابي كبير في الولايات المتحدة؟ ولماذا لم تؤخذ إجراءات بناء عليها كان من الممكن أن تفعل شيئا، أو كما قال كلارك "ربما كان بالإمكان الحيلولة دون هجمات 11 سبتمبر/ أيلول لو كانت كوندوليزا رايس قامت بواجبها".

تبقى نقطة أخيرة لافتة يمكن تلمسها من متابعة تحقيقات اللجنة المذكورة، وهي أن المؤسسة الأميركية أقل كثيرا في مستوى فعاليتها من تلك الهالة المحاطة بها من حيث عمل الفريق والدقة في التنسيق بين المؤسسات أو القدرة على التحليل، والسرعة في اتخاذ الإجراءات. هذا ناهيك عن "الحكم الصالح"، النزاهة والشفافية، فكيف وقد اختلط كل ذلك برغبة الإدارة الأميركية في حدوث عمل إرهابي ما.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة