عولمة العدوان على قداسة القرآن   
الأربعاء 6/4/1433 هـ - الموافق 29/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)

إن قضية إهانة القرآن الكريم صارت خلال السنين الأخيرة عملا عالميا ممنهجا، تسير حسب خطط خصوم الإسلام بعد دراسات وبحوث وتقارير ميدانية عن قداسة القرآن في قلوب المسلمين وازدياد اهتمامهم به حفظا ودراسة، طبعا ونشرا، تعريفا وتفسيرا، خصوصا بعدما وجدوا أن مراكز توجيه المسلمين -أحزابا ومؤسسات وشخصيات- يستفيدون وبمهارة فائقة في تنشئتهم العقائدية والفكرية والسياسية والاجتماعية من معطيات الحضارة الغربية من تكنولوجيا حديثة كالإنترنت وشبكات الاتصال وغيرهما من وسائل مقروءة ومسموعة ومرئية.. وهم ينظرون إلى اتساع مجالات الدعوة بحرقة وألم، كما يرون عودة أبناء أجيال القرن المنصرم المغرر بهم إلى الإسلام عقيدة ومنهجا، فكرا وممارسة، دعوة وبناء، وتوجيها للدولة والمجتمع، فالتجؤوا إلى أساليب صبيانية في الاستخفاف بالإسلام ومقدساته، حتى بدت بداية ظاهرة قد تليها مراحل أشد عدوانا.

السجانون والمحققون في غوانتانامو كانوا يأمرون أثناء استجواب المعتقلين كلابا مدربة لتقعد على المصحف أمام المعتقلين عامة، وأمام المعتقل الذي طلب من الإدارة تزويده بمصحف!

معتقل غوانتانامو لفت أنظار العالم عامة والمسلمين خاصة إلى المَظلمة غير المبررة التي وقعت على من لم يستطيعوا تسميتهم لا بأسرى الحروب الأميركية ولا بمجرمين ارتكبوا إجراما داخل أميركا أو خارجها.. في الوقت الذي كان العالم ينظر باندهاش إلى أساليب نقل المعتقلين وكيفية محاربتهم نفسيا بالتعامل معهم كسقط المتاع، فإذا الأخبار تتسرب من داخل غوانتانامو بأن السجانين والمحققين يأمرون أثناء استجواب المعتقلين كلابا مدربة لتقعد على المصحف أمام المعتقلين عامة، وأمام المعتقل الذي طلب من الإدارة تزويده بمصحف!

ثم رأى العالم عامة والمسلمون خاصة في العراق بعد الاحتلال الأميركي مصاحف مرسوم عليها الصليب، أو مصابا بطلقات نارية بعدما أصبح هدفا (نيشان) لمرمى جنود الأميركان. في الوقت الذي لما تسكن غيرة المسلمين وحميتهم بعدُ من ممارسة الجنود الأميركيين ومسؤوليهم فإذا المخرج الهولندي (ثيو فان جوخ) ينتج بمساعدة (إيان هيرسي علي) الصومالية الأصل فيلما باسم (الخنوع) عما سمياه اضطهاد المرأة. حيث نشروا صورة امرأة سمراء عارية الظهر وعليه خطوط بنية أو حمراء غامقة تصويرا لآثار الجلد وعليها آيات من سورة النور.. استهزاء بالقرآن وعدوانا على الإسلام وتحقيرا للمسلمين.

وكان هياج المسلمين فورة ارتجالية لم تساندها مواقع القرار الرسمي في بلاد المسلمين، فازداد الخصوم جرأة، لكن شعبيا صارت هولندا جبهة التحدي، فقام شاب مغربي (محمد بويري) في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 بقتل المخرج الهولندي وسط الشارع بطلقات رصاص وطعنات سكين انتقاما للقرآن وغيرة على الإسلام وأهله في زمن انعدام الخلافة الراشدة ثم سلم نفسه إلى الشرطة اختيارا وتحديا.. ومنحت أميركا حق اللجوء السياسي لهيرسي علي رغم أنها كانت عضو البرلمان في هولندا، بعدما ظهرت معلوماتها المغلوطة التي أخذت حق اللجوء السياسي بسببها.

ثم علت صرخات التحدي الأوروبي للقرآن وأهله، فقام رسام كاريكاتير دانماركي برسم ما سموه (رسوم محمد) صلى الله عليه وسلم ليطبعوه في كتاب (كاري بلوتكن) للأطفال عن (القرآن وحياة محمد) صلى الله عليه وسلم، ونشرت صحيفة يولاندس بوستن الدانماركية اثني عشر رسما منها في 30 سبتمبر/أيلول 2005، وبعدها بأيام وفي عيد المسلمين قامت مجلة (مغازينة) النرويجية بنشر الرسوم ثانية فكان ما كان من المواجهات في كل بلاد العالم (عدا إسرائيل).. وحرق المسلمون سفارات وقنصليات دانماركية ونرويجية وقاطعوا بضائع الدانمارك وكافؤوها بخسارة ثمانية مليارات دولار خلال سبعة أيام إضافة إلى عزل الدانماركيين في كل بلاد المسلمين والنظر إليهم كإسرائيليين.. والنرويج سعت بسرعة لتصحيح موقفها، فأتت الحكومة برئيس تحرير المجلة المسيحية معتذرا عما نشر، وأرسلت وفدا من المسلمين والمسيحيين إلى الشيخ يوسف القرضاوي وغيره من العلماء خوفا من مصير اقتصادي واجتماعي مشابه للدانماركي.

ومرة أخرى في هولندا، ذلك المجتمع الديمقراطي والمنفتح على ثقافات الأمم وجد بلاده ساحة تحد حضاري بين ضيقي الأفق الغربيين والمتعصبين الأميركيين ضد المسلمين في أوروبا البالغ عددهم خمسة وعشرين مليونا، حيث يشكلون في هولندا وحدها 20% من السكان البالغ عددهم سبعة عشر مليونا، منهم أحد عشر ألف مسلم ولدوا من أبوين هولنديين أصليين.

شكل السياسي الهولندي خيرت فيلدرز -الذي درس سنتين في إسرائيل- بعد مقتل صديقه فان جوخ حزبا سياسيا في 2006 جمع حوله كل من يعادي المسلمين وطلب بصورة علنية حظر القرآن في هولندا، ودعا عام 2007 المسلمين مرارا إلى "تمزيق نصف القرآن إذا أرادوا البقاء"! ووصف القرآن علنا بأنه كتاب فاشي ككتاب (كفاحي) لهتلر.. وأنتج في 2008 فلما سماه الفتنة مهاجما الإسلام والقرآن ومحذرا أوروبا عموما وهولندا خصوصا من المستقبل الذي يقع بيد المسلمين وغيرها من الإثارة.

وقرر حرق القرآن علنا فأثار الأمر كل السياسيين الهولنديين وقد قام رئيس الحكومة ووزير العدل ووزير الخارجية بمناقشته في التلفزيون لثنيه عن حرق القرآن، لكنه أبى. ثم حرَّق سرا، وصور ونشر فعلته.. وعندما قدم للاستجواب أظهر الصورة على حقيقتها وتبين أن الذي حرَّقه كانت نسخة من دفتر (كتالوج) التلفونات.

واستمر الغرب في تنفيذ خطط الغي مؤمنا بأن الدنيا صراع.. صراع اقتصادي كما قال كارل ماركس أو صراع قوة كما قال داروين أو صراع حضارات كما قال صموئيل هنتنغتون. ليوجهوا مجتمعاتهم ويقنعوهم أن العدو الجديد لهم هو الإسلام المتحدي فلسفة وفكرا، حركة تغير وسياسة، قيما اجتماعية متأصلة، موجهة بالقرآن روحيا، كي يحرموا المسلمين من نفس من ديمقراطيتهم، كي يدوسوا حقوقهم باسم حقوق الإنسان!!

شجع الغرب بصور غير مباشرة ملاحدة بلادنا وأبناء الجاليات المسلمة -من الذين انحرفوا عقائديا- على إهانة القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام، دون أن يتركوا جبهة حرق القرآن قيد أنملة

بعد ما نصح رئيس أميركا الأسبق بيل كلينتون الحكومات الأوروبية بالكف عن الإساءة للإسلام وذكَّرهم بما فعلوه باليهود وما دفعوه إليهم بعد إنشاء إسرائيل -والمسلمون يمرون بحالة مشابهة لحالة اليهود قبل الحرب العالمية الثانية- إذا بقسيس أميركي (تيري جونسون) من فلوريدا يدعو إلى اليوم العالمي لحرق القرآن وقد قرر أن يحرق مائتي نسخة من المصحف في ساحة كنيسته في يومه العالمي لحرق القرآن!! وعندما وجد رد الفعل عنيفا في كل ولاية أميركية ثم في العالم كله تراجع.

ثم أعلن ملحد أسترالي لا يؤمن بالأديان ويدعى إليكس ستيوارت بأنه سيحرق الإنجيل والقرآن معا، لكنه لم يرنا إلا صفحة إنجيل لفَّها على شكل سيجارة وأشعلها وشهق دخانها وقال ما أقدسه!!

لما وجد الغرب أن ردود أفعال المسلمين لا تتجه إلى أديانهم بل إلى الجانب الاقتصادي والأمني من حياتهم اضطروا أن يسايروا.. لكنهم شجعوا بصور غير مباشرة ملاحدة بلادنا وأبناء الجاليات المسلمة من الذين انحرفوا عقائديا على إهانة القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام، بترجمة ما يكتب لهم من الخارج ويوصل إليهم عبر شبكات الإنترنت ليرددوه باسمهم وكأنهم مفكرون وكتاب أو مناضلون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان! دون أن يتركوا جبهة حرق القرآن قيد أنملة.

فواصلوا -وسيواصلون والله أعلم- إهانة القرآن في بلادنا عن طريقهم مباشرة أو عن طريق المغرر بهم. فعن طريقهم هو ما ظهر في أفغانستان يوم الخميس 23 فبراير/شباط 2012 من حرق للقرآن الكريم من قبل جنود الاحتلال الأميركي في قاعدة باغرام الجوية في كابول، وهي من المحاولات المتواصلة لإسقاط هيبة المقدسات الإسلامية في القلوب والقيم بعد إزاحة شريعته في الحكم والقضاء.. وعن طريق المغرر بهم ما قام به أناس في مدينة قالمة الجزائرية يوم عيد الفطر الماضي (1432/2011) حيث فوجئ المسلمون في مسجد عبد الحميد بن باديس بوجود نسخة من المصحف الشريف في دورة المياه! كما نشرته جريدة الشروق الجزائرية. وقبله بثلاث سنين وجدوا في مسجد مالك نسخة من القرآن مكتوبة عليها كلمات نابية.

ومن قبيله ما ارتكبه الموتورون من الأكراد الحقودين حسب خطة حملات مبرمجة بين أكراد العراق لإهانة القرآن الكريم تدنيسا وحرقا، بعدما قامت السلطات الكردية في كردستان العراق بتهيئة الأرضية الملائمة لها تشريعا وتشجيعا وبالتشهير المفتوح عبر مؤسسات الحكم وأجهزة إعلامه.

ظهرت الخطة عام 2009 يوم وجدت نسخة من القرآن الكريم في حاوية الفضلات العامة في مدينة حلبجة المتدينة! ولما ثار العلماء الغيورون قالوا إنه عمل فردي.. وبعده بأسابيع وجدت نسخة أخرى من القرآن الكريم في دورات المياه (التواليت) في مسجد (خُمخانة) في مدينة السليمانية. ومرة أخرى قالوا إنه عمل فردي.. وفي بداية عام 2010 وجدت عدة نسخ من القرآن الكريم ممزقة ومهانة في ضواحي أربيل، ومرة ثالثة قالوا إنه عمل فردي. ثم أصبح الحديث عن القرآن وما يتعرض له والدفاع عنه ممجوجا من كثرة ما تكرر دون فائدة.

ظل أهل الإسلام في بلاد الأكراد رغم استضعافهم مدافعين عن القرآن ورافعين الدعاوى والشكاوى إلى السلطات المحلية الكردية، دون جدوى.

أكراد في النرويج قاموا بحرق سورة الأنفال من القرآن الكريم وصوروا فعلتهم ووضعوها في موقع (يوتيوب) على شبكة الإنترنت بعدما عرَّفوا أنفسهم ووضعوا صورهم متحدين مشاعر المسلمين بوجه سافر كالح

وفي خضم المدافعة فوجئ الجميع بما قام به شرطي مسلح في مدينة (باوه نور)، حيث دخل المسجد ظهرا والمصلون في صلاة الجماعة فقام بتمزيق المصاحف الموجودة في المسجد، وظل متحديا فيه دون خوف أو خجل. وقد رفع المصلون الشكوى ضده إلى مديرية الشرطة فاحتجز ليومين ثم أطلق سراحه! ليقوم هو نفسه ثانية بعد أسبوع فقط وفي مسجد آخر في مدينة (كلار) بتمزيق المصاحف وأثناء صلاة الظهر أيضا.

في 14 أبريل/نيسان 2010 ذكرى حملات الإبادة التي تعرض لها شعبنا بين سنتي 1987-1988 والتي سماها النظام العراقي البائد بحملات الأنفال، قام موتورون من الأكراد بمهاجمة القرآن الكريم علنا وسورة الأنفال خصوصا في أجهزة الإعلام الحزبية التي يسيطر عليها الحزبان الحاكمان وجعلوا الجو العام مشحونا.

تأثرا بهذه الأجواء قام أكراد في النرويج بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2010 بحرق سورة الأنفال من القرآن الكريم وصوروا فعلتهم ووضعوها في موقع (يوتيوب) على شبكة الإنترنت بعدما عرَّفوا أنفسهم ووضعوا صورهم متحدين مشاعر المسلمين بوجه سافر كالح.

وبينما كانت الجالية في صدمتها وإذا بكردي آخر في مدينة أوسلو (عاصمة النرويج) يحرق في اليوم التالي سور (النساء والأنفال والفتح والنصر) مصورا عمله وناشرا إياه في نفس الموقع، ثم قام كردي ثالث بالعمل نفسه، وقد قررت مجموعة منهم تكرار العمل!

إن ظاهرة إهانة القرآن الكريم علنا هي تنفيذ خطة بمراحل تماما كما كانت خطة بمراحل لنزع القداسة عن الإنجيل والبابا واللغة اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للكنيسة. كما هي خطة مرحلة أخرى من عرقلة عودة المسلمين إلى دينهم ومن ثم عودتهم رقما صعبا في المعادلات الدولية.. والله أعلم. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة