حراك العشائر الأردنية.. قراءة في المشهد   
الخميس 16/1/1434 هـ - الموافق 29/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:06 (مكة المكرمة)، 11:06 (غرينتش)

 

سلطت المظاهرات التي تصاعدت في الأردن احتجاجاً على رفع الحكومة أسعار الوقود لمواجهة العجز المتفاقم في الموازنة، الضوء على حراك العشائر الأردنية الذي انعطف وسلك طريقا غير الذي عهدته في علاقتها مع النظام.

فحراك العشائر هذا بدأت إرهاصاته الأولى مذ أشعلت العشائر فتيل الاحتجاج في الربيع الأردني الذي انطلق عام 2011 في عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حيث بدأت أولى الاحتجاجات المطالِبة بإصلاح النظام في مناطق ذات الطابع العشائري، تطالب بالإصلاح القائم على العودة إلى الصيغة التعاقدية بينها وبين النظام والقائمة على تقاسم الحكم والملكية.

بدأت أولى الاحتجاجات المطالِبة بإصلاح النظام في مناطق ذات الطابع العشائري، تطالب بالإصلاح القائم على العودة إلى الصيغة التعاقدية بينها وبين النظام، والقائمة على تقاسم الحكم والملكية

لكن ما حصل في الاحتجاجات الأخيرة يدعو المراقب إلى البحث في علاقة النظام السياسي بالعشائر الأردنية "البدوية"، والإشارة إلى التحالف التاريخي بين العشائر والأمير عبد الله بن الحسين منذ وصوله إلى مدينة معان في جنوب الأردن يوم 11/11/1920، مما شكل نواة اعتمد عليها الشريف حسين ونجله عبد الله أثناء تأسيس المملكة لمواجهة الأزمات السياسية الداخلية والإقليمية.

الجديد الذي لم يحسب النظام له تداعياته هو تفسخ العشيرة كضابط اجتماعي، وتصاعد العشائرية كمفسخ مجتمعي، وذلك بعد عام 1989 عندما حاول النظام محاربة النفوذ الصاعد للحركة الإسلامية بإخراجه لعبة الصوت الواحد، وهو ما أدى إلى الالتفاف على الشكل الاجتماعي التقليدي "العشيرة"، مما أنتج لاحقا إحياء لأنماط اجتماعية تعود بالمجتمع إلى ما قبل الدولة.

وما إن دخل موسم الربيع العربي حتى ظهرت مظاهر اجتماعية لم تكن في الحسبان. ففي سياقات محاولة الدولة إقناع المواطنين بخطواتها في محاربة الفساد وتحقيق العدالة بتقديم بعض النماذج للتحقيق أو المحاكمات في تهم فساد، خرجت بعض العشائر لمناصرة أبنائها المتهمين لرفضها أن يُقدَّموا كقرابين على مذبح السياسة، مما أعطى مناخا عاما يقول إن الدولة الأردنية تقف في مواجهة مع العشيرة كما لم تقف من قبل.

يقع كل هذا اليوم، أما قبل عقود طويلة فكانت المعادلة مختلفة، فتاريخيا كانت العشيرة مصدراً رئيسياً لإمداد النظام بالجندي المخلص الذي يعتمد عليه في أسوأ الظروف التي تجابهه. ولاحقًا جرّب النظام هذا التحالف أثناء تصادمه مع منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما عرف بأحداث أيلول (سبتمبر) الأسود في مطلع سبعينيات القرن الماضي. وترجم نظام الحكم نجاح العشائر في الحفاظ عليه بالاعتماد عليها أكثر.

استمر هذا الواقع حتى وقعت المملكة اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1994، المفصل المهم في علاقة النظام الأردني مع الإخوان المسلمين. ولم ترتبط علاقة النظام بالإخوان بالعشائر إلا في حقب متقدمة، وتحديدا في عهد الملك عبد الله عندما أعاد "الانفصاليون الأردنيون أو القوميون الجدد أو الوطنيون أو المحافظون" تعريف جماعة الإخوان المسلمين في الذهنية العشائرية بأنها جماعة تمثل الفلسطينيين في الأردن، وهو ما عزز حالة من العداء العشائري تجاه الجماعة التي تجتهد باستمرار في فك طلاسم هذا التعريف.

ورغم التحالف "المصلحي" الذي ساد بين العشائر والنظام الملكي منذ تأسيس الدولة الأردنية وتعمق إثر توقيع الأردن معاهدة السلام، فإن فترة تسعينيات القرن الماضي وما قبلها بقليل شهدت حالات تذمر وتململ داخل العشائر الأردنية بفعل الأوضاع الاقتصادية المتردية والأزمات المتتالية التي مرت بها الدولة الأردنية، دون أن يعني ذلك تخلي العشائر عن العقد الاجتماعي مع النظام. فظهرت هبة نيسان (أبريل) 1989، ثم ثورة الخبز عام 1996، وأحداث معان عام 1998، ومعان عام 2002.

خلال هذه الانتفاضات الصغيرة والكبيرة وما بعدها، اعتمد النظام على أسلوب تفسيخ المعارضة ومنها العشائرية، ورافق ذلك تبني الأردن لسياسات اقتصادية أخذت بالتموضع في جوهر السياسة الأردنية الداخلية التي اصطدمت تدريجيا مع العشيرة وآليات احتوائها من حيث التوظيف والهبات والمنح.

ولم تتوقف مطالبات أبناء العشائر المطالبين -في البداية- بتوظيفهم عند هذا الشعار طويلا، فقد أخذت الشعارات بالتطور تدريجيا إلى أن أخذت تنادي بمعالجة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطن.

ما يظهر في مشهد العشائر في الأردن اليوم، أنها تتخطفها قوتان لا تكاد إحداهما تظفر به: النظام، والإصلاحيون وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين.

هو مشهد ظهر بوضوح في قصة مواقف زكي بني ارشيد نائب المراقب العام لجماعة الإخوان، فهذا الأخير ينتمي إلى عشيرة بني حسن التي تقول عن نفسها إنها أكبر العشائر الأردنية عددا ويطلق عليها عشيرة المليون، وتقطن في الشمال الشرقي للمملكة، وهو انتماء ما فتئ يظهر حجم الفجوة الآخذة في الاتساع بين النظام والعشائر.

فبينما ينشغل الموالون للنظام من العشيرة نفسها بمحاولات النيل من مواقف ابنهم زكي عبر عرائض تصفه بأنه ابن عاق، تذهب شخصيات من العشيرة نفسها إلى حماية ابنها البار، وتحمّل النظام مسؤولية أي خطر يقع عليه.

منذ بداية الربيع الأردني دأب النظام على محاولة النأي بالعشائر عن الربيع العربي، واصفا المطالبين بالإصلاح بأنهم فلسطينيون يحاولون خطف الدولة

ولم يكف النظام الأردني عن اتباع سلسلة من الإجراءات الشكلية والأمنية لضمان استمرار احتواء العشائر، ومن بينها توقيع ما سمي في حينه "حلف الفضول" في منتصف عام 2012، حيث التقى شيوخ ووجهاء العشائر الأردنية من جميع مناطق المملكة وباديتها ومخيماتها في قصر الملك المؤسس عبد الله الأول في معان ذات البعد العشائري، للتوقيع على وثيقة "حلف الفضول2" لتجديد البيعة والولاء من الشعب الأردني والعشائر الأردنية للملك عبد الله الثاني بن الحسين وابن العائلة الهاشمية.

ومنذ بداية الربيع الأردني دأب النظام على محاولة النأي بالعشائر عن الربيع العربي، واصفا المطالبين بالإصلاح بأنهم فلسطينيون يحاولون خطف الدولة، وبهذا يضرب عصافير كثيرة بحجر واحد، لكن أهمها إبعاد العشائر الأردنية عن تطورات المنطقة، وثانيها استمرار تفعيل شق صف المجتمع الأردني إلى قسمين كبيرين: أردني وفلسطيني.

لكن هذه المحاولة في زمن الربيع العربي لم تصمد طويلا، إذ لم يمض وقت على اكتشاف الأردنيين أن من يتظاهرون بل ويتصدرون المظاهرات إنما هم أبناء العشائر.

عندما لاحظ الأردنيون أن أسماء معظم النشطاء تنتهي بأسماء عشائر أردنية معروفة، توقف الأمن عن هذه المحاولة ليستبدلها بأخرى هي فزاعة الإخوان المسلمين التي ما زالت تحاول دك إسفين بين الشارع والجماعة لكون الإخوان الأقدر تنظيميا على قيادة شارع عشائري لم يعتد على تنظيم صفوفه في الشارع.

الدولة إلى حد بعيد نجحت في مساعيها، لكنها نفسها كلما استقرت لها الأمور اتخذت مواقف ليعود مشهد الربيع الأردني مجددا إلى مربعه الأول. وهذا تماما ما حصل في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري عندما لاحظ الجميع خفوت جذوة الاحتجاجات في الشارع المطالب بالإصلاح، فما كان من الدولة إلا أن أعلنت رفع أسعار المشتقات البترولية لتشتعل شرارة احتجاجات لا أحد يعلم إلى أين تأخذ الدولة من حيث تداعياتها المستقبلية.

ويشتبك في الأردن ما هو إخواني بما هو عشائري، كما تشتبك تفاصيل المجتمع بكل ما هو عشائري، وهو أمر مفهوم في دولة أسست في سياق المفهوم العشائري.

وفي انتفاضة رفع الأسعار التي اندلعت فور إعلان رئيس الوزراء عبد الله النسور رفع أسعار المشتقات البترولية وبدأت تأخذ اسم هبة تشرين 2012 -وكأنها استدعاء لنتائج هبة نيسان 1989- أخذت العشائر الأردنية ركنا بعيدا عن النظام الأردني.

ركن يعبر عن العقد الاجتماعي الذي اتفق عليه الطرفان: العشائر والنظام، هو عقد مضمونه أن يعمل النظام على توفير حد مقبول من الحياة الكريمة لأبناء العشائر. لكن أزمة الدولة الاقتصادية عملت على شل حركة النظام الاقتصادية بإعلانه أن الاقتصاد الوطني في حالة صعبة إلى حد ما، وهو ما يعني وقف التعيينات والوظائف في مؤسسات الدولة والتوقف عن تقديم المنح والعطايا التي اعتاد عليها أبناء العشائر.

إن الدولة الأردنية تقف اليوم في مواجهة مع العشيرة كما لم تقف من قبل، فبينما تحاول إرضاء الحراك الشعبي المطالب بمكافحة الفساد فتقدم بعض النماذج للتحقيق أو المحاكمات، تخرج بعض العشائر لمناصرة أبنائها المتهمين لرفضها أن يُقدَّموا كقرابين على مذبح السياسة.

ما استطاع النظام تقديمه من قرابين على مذبح مكافحة الفساد هم أشخاص لا ينتمون إلى عشائر كبيرة، وهم أنفسهم الذين اعتمد عليهم في مرحلة من المراحل أمنيا وإداريًا وسياسيًا.

ويمكن الاستشهاد بنموذج رئيس الوزراء السابق معروف البخيت الذي ينتمي إلى عشيرة عباد، فما إن أعلن المدعي العام لعمان إحالة ملف الكازينو -المتهم فيه البخيت كشخصية رئيسية– عام 2010 إلى مجلس النواب للسير في إجراءات إحالة البخيت وسبعة وزراء من حكومته الأولى إلى مجلس النواب، حتى تجتمع قيادات من قبيلة عباد في منزل البخيت تضامنا معه.

لا يكاد يدرك الأردنيون معنى أن تقدم الدولة على فتح مثل ملفات الفساد، فما يعنيه هذا أن الكثير من أفرادها سيكونون موضع اتهام ومحاسبة وهم الذين تسلموا قيادة العديد من مؤسسات الدولة على مدى العقود الماضية.

وتقف الحكومة اليوم موقفا صعبا أمام مطالبات الحراك بمكافحة الفساد وتوجس العشائر من توقيف بعض أبنائها في سياق التحقيق بقضايا فساد.

بينما يحاول الأردن إرضاء الحراك الشعبي المطالب بمكافحة الفساد فيقدم بعض النماذج للتحقيق أو المحاكمات، تخرج بعض العشائر لمناصرة أبنائها رافضين أن يقدموا كقرابين على مذبح السياسة

كل ما سبق يكاد يتحول إلى مجموعة من التراكمات النفسية والذاكرة الجمعية للأردنيين، فالوقت وقت الربيع العربي، لكن ماذا يعني ذلك؟

سميح المعايطة في مقال له بجريدة الغد (8/6/2005) قال إن "العشيرة في الأردن تعرضت لظلم كبير من أكثر من طرف.. والحكومات على مدار العقود مارست ظلماً بحق مؤسسة العشيرة، عندما جعلتها في صورة أشخاص يقبلون بكل شيء، ويبتعدون عن مناقشة الأمور بعمق، وعلاقتهم بالدولة قائمة على القصائد والفرق الشعبية وإقامة الاحتفالات، وتخصيص يوم لهم في المآدب والمواسم".

ويضيف المعايطة "ولعل العارفين من كبار السن أو ممن بحثوا في تاريخ الأردن وعشائره، يذكرون أن النظام السياسي الأردني اعتمد منذ بدايته على العشائر لقوة رجالها وحضورهم ورأيهم، وأن القوى التي مارست عملاً وطنياً مناهضاً للنفوذ البريطاني، والتي عملت على بناء مؤسسات ديمقراطية وتشريعية ومواقف وطنية، كانت من شخصيات عشائرية في العشرينيات، حيث المؤتمر الوطني والميثاق وغيرها من المحطات الهامة في تاريخ الدولة". إلا أن إضعاف العشيرة وإعادة إنتاجها في صيغة جديدة كان ضرورة من أجل تقوية نظام الحكم. ومما ساهم في صوغ هذه العلاقة المعقدة هو اعتماد الجيش الأردني في تشكيله -منذ نشأته- على أبناء العشائر.

ما سبق يمكننا من القول إن أدق كلمة يمكن أن تطلق على العلاقة بين النظام والعشائر الأردنية اليوم هي كلمة الارتباك. لكن يبقى الأكيد أن العشيرة تشكل ضامنا لاستقرار الأردن، وبقاؤها يبقى رقماً مهماً وصعباً في استقرار النظام الذي لا يمكنه أن يستغني عن شيوخ ورموز العشائر ذات الثقل الكبير في المجتمع الأردني. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة