مبادرة قطرية خلاقة في لبنان   
الأحد 1429/5/13 هـ - الموافق 18/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:23 (مكة المكرمة)، 14:23 (غرينتش)


أصبح من المعتاد القول اليوم إنه لا يوجد حل عسكري للأزمة اللبنانية، وإن الحل الوحيد يكمن في توافق الأطراف واتفاقها، ولا يمكن للبنان أن يعيش في ظل سيطرة طرف واحد أو فئة واحدة.

"
الرهان الرئيسي في تعزيز استقلال لبنان ينبغي أن يكون على بروز رأي عام لبناني قوي مؤمن بلبنان ورافض للحرب الأهلية، وبالتالي لأي التحاق بهذه القوة الخارجية أو تلك، أو تقديم الخدمات الإستراتيجية والسياسية لها
"
لكن ما لا ينبغي أن نتجاهله أيضا وفي السياق ذاته أنه لا حل توافقيا في لبنان من دون توافق الدول والأطراف العربية والدولية التي تتنازع السيطرة على لبنان، وتأمل في أن يكون أحد مواقع عملها الإستراتيجية.

وغياب هذا التوافق اليوم مانع أكبر لحصول التوافق اللبناني من التضارب الذي يبدو في الرؤى والمصالح بين الأطراف التي يقود بعضها حزب الله وبعضها الآخر تيار المستقبل.

لا يعني ذلك أنه لا توجد خلافات حقيقية بين اللبنانيين، سواء في قضية توزيع السلطة أو في التحالفات الخارجية، إنما لم يكن من الصعب تعايش الأطراف اللبنانية مع هذه الخلافات، على الأقل لفترة طويلة بانتظار أن تنقشع الرؤية الإقليمية والدولية.

وهذا هو الوضع الذي ساد في الحقبة السابقة حتى اغتيال رفيق الحريري أو قبله بقليل، حين بقي الطرفان حليفين قويين بالرغم من خلافاتهما العميقة، بفضل غياب التنافس على لبنان بين الأطراف الإقليمية والدولية، أي عندما كان، تحت الإشراف السوري ودمشق تشكل طرفا في الإجماع العربي الذي تجسد في اتفاق الطائف، وتعمل من خلاله.

بدأ الأمر يتغير مع تغير موقع دمشق في هذا الإجماع العربي وخروجها من التفاهم الثلاثي السعودي المصري السوري الذي أشرف على ترتيب أوضاع المشرق العربي خلال العقود الثلاثة السابقة.

فبقدر ما تخلت دمشق عن تحالفاتها العربية السابقة وانضمت إلى طهران التي لا تزال تعيش على منطق الثورة المعادية للولايات المتحدة وتخضع لحصار غربي مستمر منذ عقود، فقدت مظلة الإجماع العربي ووضعت دورها في لبنان على المحك، وبالمناسبة أعادت فتح معركة السيطرة الإقليمية والدولية على لبنان.

جاء تفكك المحور العربي المشرقي نتيجة مباشرة لضغط الإدارة الأميركية الجديدة على الدول العربية في سياق تطبيق المحافظين الجدد مذهبهم الإستراتيجي القاضي بإعادة هيكلة الشرق الأوسط وإخضاعه مباشرة لأجندة السيطرة العالمية الأميركية.

وسرع احتلال العراق عام 2003 توسيع الهوة بين مواقف العواصم المشرقية ودفعها إلى تبني إستراتيجيات متباينة، وأحيانا متناقضة، في مواجهة هذه الضغوط والتهديدات الرامية إلى تطويع الأنظمة العربية وإدخالها في إستراتيجية واشنطن، سواء أجاء ذلك باسم الديمقراطية وإصلاح النظم العربية أو باسم الحرب العالمية ضد الإرهاب.

وبينما اختارت القاهرة والرياض إستراتيجية الانحناء للعاصفة والتكيف مع السياسة الأميركية، نزعت دمشق -التي كان القضاء على نظامها هدفا معلنا للأميركيين بعد سقوط صدام- إلى تبني موقف المجاهرة برفض السياسة الأميركية الجديدة ومقاومتها.

وتفاقم الخلاف بين دمشق والقاهرة والرياض بموازاة ارتفاع وتيرة الضغط الأميركي على سوريا، وإجبارها على الخروج من لبنان، سواء أجاء على شكل قرارات تؤكد على ضرورة انسحاب الجيوش الأجنبية صوت عليها مجلس الأمن، أو على شكل تعبئة سياسية داخل لبنان وخارجه ضد النظام البعثي في دمشق أو على شكل عقوبات دولية.

وأمام ما بدا لدمشق خيانة لها من قبل العواصم العربية الحليفة، وتخل عنها، لم يجد النظام البعثي بديلا للتضامن العربي الذي عاش عليه خلال عقود طويلة سابقة، سوى الارتماء في أحضان طهران التي كانت ولا تزال تغذي عقيدة العداء الأقوى لواشنطن في المنطقة.

ومع اغتيال الحريري واضطرار دمشق لسحب قواتها من لبنان، ونصب مقصلة المحكمة الدولية بتأييد من العرب، تكرست القطيعة نهائيا بين دمشق وحلفائها السابقين في القاهرة والرياض.

وبدخول إيران في معركة الحصول على التقنية النووية، سوف يتحول الخلاف بين العرب إلى حرب إقليمية.

على هامش هذه القطيعة والحرب العربية العربية التي ولدتها الضغوط الأميركية منذ بداية القرن الجديد، ستولد القطيعة في لبنان بين الأطراف المتعايشة: حزب الله والخط الذي يمثله والأكثرية النيابية التي يمثلها الحريري.

وبموازاة ذلك سيعاد تكوين الأحلاف الإقليمية والدولية كما لم تكن من قبل، أي التحالف المصري السعودي الأردني الأميركي، والتحالف الإيراني السوري وحزب الله وحماس ومن ورائهما على درجة أو أخرى روسيا والصين.

لا يستطيع حزب الله أن يستمر في التعايش مع الأغلبية الحاكمة في بيروت بينما يخوض نظاما دمشق وطهران معركة حياة أو موت مع الولايات المتحدة.

وبالمثل لا تستطيع الأغلبية اللبنانية أن توقف الضغط الذي تتعرض له من طهران ودمشق وحزب الله، وأن تؤكد سيطرتها على الوضع وتؤمن الدعم الدولي الذي تحتاجه بالوقوف ضد الولايات المتحدة أو بالمغامرة بتأليب الرياض والقاهرة عليها.

وليس لهذه المعادلة أسباب أخرى سوى أن لبنان، كما صنعته الحروب الداخلية وسياسات النخب المحلية معا، ظل بلدا يفتقر لأي مقومات اقتصادية فعلية أو عمق إستراتيجي، ويحتاج من أجل بقائه إلى مساعدات الدول العربية والغربية معا.

"
لا يعني تحييد لبنان القطيعة معه أو حتى قطع المعونات عنه وإنما الكف عن استخدامه كورقة في اللعبة الإستراتيجية الإقليمية أو ساحة مواجهة بين الأطراف الأجنبية
"
وكما أن التخلي عن طهران وبالتالي دمشق يعني المساس بمشاعر مئات آلاف البشر ومصالحهم، يعني التخلي عن الرياض وواشنطن وباريس حرمان لبنان من الدعم المالي الاستثنائي الذي سمح له بالبقاء منذ نهاية الحرب الأهلية، وأمن له الموارد الضرورية للتنمية والإعمار وإعادة بناء الدولة. وهذا ما وفرته له مؤتمرات باريس الدولية.

ترجع المسؤولية في ما وصل إليه لبنان بالدرجة الأولى إلى النخبة اللبنانية التي استمرأت العيش على حساب الدول الأجنبية، الإسلامية منها والعلمانية، المعادية للولايات المتحدة والمؤيدة لها.

وترجع المسؤولية بالدرجة الثانية إلى واشنطن وسياستها الغوغائية التي دمرت آخر ما تبقى من توازنات نسبية في منطقة الشرق الأوسط، وقضت على فرص التعايش بين الأطراف اللبنانية المتنازعة، برعايتها التصويت في مجلس الأمن على قرارات غير واقعية ولا مدروسة، تهدف إلى محاصرة حزب الله ونزع سلاحه لصالح إسرائيل وطمأنتها على أمن حدودها الشمالية.

وترجع المسؤولية ثالثا إلى دمشق التي دفعها الخوف والقلق والشك إلى اتخاذ قرارات متعجلة أودت بالتحالف العربي التقليدي لصالح سياسة المحاور المتنازعة، بدل السعي بروية من أجل تقوية عزيمة الأطراف العربية وتشجيعها على مواجهة الضغوط الأميركية.

وترجع المسؤولية أخيرا إلى الرياض والقاهرة لعجزهما، وهما العاصمتان الأكبر، عن تأمين إطار سياسي وجيوسياسي فعال يضم جميع الدول العربية ويؤمنها ضد التدخلات الأجنبية.

لكن مهما كان الحال، إذا كان الهدف هو الحفاظ على السلام الأهلي في لبنان وتجنب الحرب الأهلية، فليس هناك ولن يكون حل آخر سوى القبول بمنطق التعايش بين الأطراف، وتحييد لبنان أو الاتفاق على تجنب تحويله إلى ساحة مواجهة بين الأطراف الإقليمية والدولية.

وهذا يعني ببساطة أنه مثل ما أن لبنان لا يستمر مع استئثار أي طرف من أطرافه، طائفيا كان أم سياسيا، بالسلطة والنفوذ فيه، فإنه لن يستمر ولن يستطيع أن يضمن شروط التعايش بين الطوائف والتيارات السياسية والفكرية إذا قرر أحد الأطراف الإقليمية أو الدولية المتنازعة في الشرق الأوسط الاستئثار بالسيطرة على لبنان والقضاء على نفوذ الأطراف الأخرى.

لن يستقر لبنان إذا كان قرار الأميركيين والإسرائيليين بالقضاء على النفوذ السوري والإيراني فيه، وبصورة أكبر إذا اعتبر هؤلاء أن حزب الله امتداد لهذا النفوذ فحسب، وبرروا بالتالي حصاره وتجريده من سلاحه.

وبالمثل لن يستقر أيضا إذا قررت طهران ودمشق وحزب الله أن لبنان ينبغي أن يكون قلعة المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وقرروا هم أيضا إزالة أي نفوذ سعودي أو مصري أو أميركي فيه.

فكما أن طهران ودمشق لن تسمحا بأن يكون لبنان تحت نفوذ معاد لهما، لن تسمح أيضا واشنطن ولا تل أبيب ولا الرياض ولا القاهرة أن يتحول لبنان إلى قاعدة للنشاط الإيراني والسوري المعادي لهم.

هذا يعني أن التعايش إذا كان أكثر احتمالا بانحسار الولاءات الخارجية، فهو أصعب بكثير إذا استمرت الدول الخارجية التي لا يعنيها مستقبل لبنان في اعتباره ساحة نزاع إستراتيجية.

وهذا هو ما يشير إلى صعوبة التفكير بمخرج عن طريق التفاهم الخارجي أو إقامة ما يشبه الوصاية المشتركة على لبنان.

إن الرهان الرئيسي في تعزيز استقلال لبنان ينبغي أن يكون على بروز رأي عام لبناني قوي مؤمن بلبنان ورافض للحرب الأهلية، وبالتالي لأي التحاق بهذه القوة الخارجية أو تلك، أو تقديم الخدمات الإستراتيجية والسياسية لها، أو استخدام السلاح لأهداف سياسية، أو خارج إطار التوافق على الجبهات الخارجية. مما يعني أن سلاح حزب الله، إذا تم الاتفاق على صيانته، ينبغي أن يكون ذلك لأهداف دفاعية فحسب.

مع ذلك لا ينبغي أن نقطع الأمل تماما في احتمال توصل الأطراف الدولية إلى توافق على تحييد لبنان إذا قدرت أن أحدا منها لن يستطيع الانتصار فيه وعزل الأطراف الأخرى.

وربما هنا، أي في عدم اليأس من وجود هذا الاحتمال، تكمن عبقرية المبادرة القطرية العربية التي قلبت الموقف اللبناني خلال ساعات من السلبية إلى الإيجاب، وفي هذه الحالة سيكون تحييد لبنان في الصراعات الإقليمية أساسا لاستقرار طويل المدى.

"
الإمعان في تحدي التوافقية التي أصبحت شبه عقيدة لبنانية رسمية جديدة حلت دون أن يشعر أحد محل الميثاق الوطني، سوف يقود إلى إشعال الطائفية ودفع تلك الجماعات التي أخفقت في مواجهة التحدي العسكري الراهن إلى مضاعفة جهودها لتكديس الأسلحة والتدرب على استخدامها
"
ولا يعني تحييد لبنان القطيعة معه أو حتى قطع المعونات عنه وإنما الكف عن استخدامه كورقة في اللعبة الإستراتيجية الإقليمية أو ساحة مواجهة بين الأطراف الأجنبية. والتحييد بهذا المعنى يختلف عن مفهوم الحياد كما كان مطروحا في الحرب الأهلية الماضية، أي عن اعتباره دولة لا هوية ولا موقع لها في الصراع الحضاري والإستراتيجي الإقليمي.

وهذا ما لا يمكن أن يتحقق من دون ضغط من قبل الرأي العام اللبناني على طبقته السياسية نفسها وتأكيده رفض العمل في خدمة الإستراتيجيات الخارجية.

أساس التوافق الداخلي أن تدرك القوى السياسية المتنازعة، على اختلافها، أنه لا يكفي أن يكون المرء ضد الولايات المتحدة وإسرائيل حتى يبرر استئثاره بالسلطة أو تمديده لدائرة قوته ونفوذه بما يهدد فكرة التعايش والمساواة بين الجماعات والطوائف المختلفة، كما لا يكفي الحديث عن تعزيز الدولة والدفاع عن المؤسسات من أجل تبرير محاصرة حزب الله أو تجريده من سلاحه.

بالعكس فإن احترام مواقع الآخرين وحقوقهم هو شرط قيام التعايش بين الأطراف، وهو مما يستدعي ضبط النفس وعدم الكيل بمكيالين.

فالذي يعيش على المساعدات والمنح الإيرانية لا يملك حق حرمان الآخرين من العيش على المساعدات والمنح السعودية، والعكس بالعكس. لبنان بلد مدين بالتبعية بسبب بنيته الاقتصادية ذاتها. والذي يستمد قوته من الدعم الإستراتيجي الخارجي لا يستطيع أن ينكر على الآخرين حقهم في استمداد الدعم من الخارج أيضا.

هذا يفسر الواقع المأساوي الذي يعيشه لبنان لكنه لا يبرر الحرب الأهلية ولا يشجع ولا ينبغي أن يشجع عليها.

بل بالعكس ينبغي أن يحث الجميع على التفكير في التوافق الذي يسمح بإعادة بناء لبنان وتطوير قاعدته الاقتصادية والسياسية، وتحريره من التبعية البنيوية التي ليست هي نفسها سوى النتيجة الحتمية للحروب والنزاعات الأهلية المتكررة والمستمرة.

قد يقول البعض كيف يمكن الحديث عن تحييد لبنان، في سياق الهمجيات المنفلتة في المنطقة، ويقول إن لبنان لا يمكن أن يتخلى عن مشروع المقاومة، بل إن من الجريمة تحييده في المعركة القومية. هذا هو مع الأسف الثمن الوحيد لتجنب الحرب الأهلية.

وقد يعتقد البعض، تحت إغراء القوة، أن المواجهة الأخيرة أثبتت أن المقاومة من الممكن أن تفرض سيطرتها على لبنان من دون أن يقود ذلك إلى حرب أهلية كما يهدد بذلك خصومها. فهي تتمتع بتفوق عسكري ساحق إلى درجة لا يجد خصوم حزب الله بدا من الخضوع والتسليم. والواقع عكس ذلك تماما.

إن الإمعان في تحدي التوافقية التي أصبحت شبه عقيدة لبنانية رسمية جديدة حلت من دون أن يشعر أحد بذلك محل الميثاق الوطني، سوف يقود بالعكس إلى إشعال الطائفية ودفع تلك الجماعات التي أخفقت في مواجهة التحدي العسكري الراهن إلى مضاعفة جهودها لتكديس الأسلحة والتدرب على استخدامها لمواجهة تحدي حزب الله.

ولن تجد هذه الجماعات صعوبة في ذلك. بل إن النتيجة الطبيعية لمثل هذا الحساب الخاطئ ستكون لا محالة تدخلا عسكريا أميركيا وغربيا لا يستهدف لبنان وحده وإنما الأطراف الإقليمية التي تريد أن تستأثر به في الوقت نفسه، وفي مقدمها سوريا.

وإذا اشتعلت الحرب لن يستفيد منها لا أصحاب حماية المقاومة ولا أصحاب صون الاستقلال. كل ما سيحصل هو أن اللبنانيين يكونون قد اختاروا بأنفسهم أن تخاض المعركة الإسرائيلية الإيرانية والأميركية الإيرانية السورية، على أرض لبنان وعلى حسابه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة