نحو مشروع عربي إسلامي للمقاومة   
الأحد 1425/12/6 هـ - الموافق 16/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)


محمد مورو

 

مع كثرة الحديث عن مشروعات الإصلاح وتعدد الأطروحات التي تناقش حالة التخلف والانحطاط العربي والإسلامي، فإنه من الضروري علميا وموضوعيا وشرعا تحديد نقطة الانطلاق الصحيحة، ومن ثم البرنامج الملائم للإقلاع من تلك الحالة التي تعانى منها الأمة.

 

وإذا كان من الضروري بداية لوضع تصور صحيح للإقلاع والإصلاح أن نحدد طبيعة الجماعة البشرية التي نحن بصدد تشخيص أمراضها، ومن ثم وضع الوصفة الصحيحة لعلاجها، وكذا طبيعة التحدي والأمراض التي تواجهها تلك الجماعة، أي الانطلاق من نقطة مبدئية، وهي أننا لا نتعامل مع جماعة بشرية مصمتة ليس لها سمات ولا خصائص، كذلك لا نتعامل مع جمادات أو أشياء مادية تخضع فقط لقانون وسنن العلوم الطبيعية، فإن علينا في البداية تحديد من هي هذه الجماعة البشرية التي نحن بصددها.

 

"
لسنا إزاء مشروع استعماري اقتصادي وسياسي فقط بل نحن إزاء مشروع حضاري يستهدف القضاء على أمتنا
"
وبدون الدخول في تفصيلات كثيرة، فنحن أمام جماعة بشرية (العالم العربي والإسلامي) لها تاريخ وحضارة وثقافة عميقة جدا. وبصرف النظر عن إيجابية أو سلبية تلك السمات الثقافية والحضارية، فإن هذه الجماعة تتأثر بالضرورة بتلك السمات الثقافية والحضارية، ومن ثم فإن تجاهلها يؤدى مباشرة إلى الفشل وتكريس الحالة المراد علاجها.

 

هذه الأمة إذن أمة إسلامية، والمكون الرئيس والأساس لوجدان وثقافة هذه الأمة هو الإسلام كدين وحضارة وثقافة بالنسبة للمسلمين (الأغلبية الساحقة)، بل هو ثقافة وحضارة بالنسبة لغير المسلمين داخل تلك الأمة، وعليه فإن شرط النجاح الأول لأي مشروع هو إسلاميته.

 

وفي الحقيقة نحن أمام أمة هي الأعمق ثقافيا وحضاريا مقارنة بكل الجماعات، فهي تتمتع باتساع جغرافي، وامتداد زماني وثقافي يزيد على 14 قرنا من تأثير واضح للإسلام لا تخطئه عين أي مراقب.

 

وهكذا فإن وهم تغييب الإسلام والحضارة والثقافة الإسلامية –بوعي أو بدون وعي– هو قفزة فاشلة في المجهول والفراغ، ولن تحدث مطلقا مهما فعلنا أو فعل غيرنا، فهي محاولة محكوم عليها بالفشل ونتيجتها الحتمية ضياع الوقت والجهد ومسخ ذلك الكيان جزئيا وتعطيله عن التصدي المكافئ للتحديات والإشكالات، وهذا بالتحديد هو السبب الأساسي في فشل كل مشروعات النهضة على أساس غير إسلامي (علماني ليبرالي، علماني قومي، علماني اشتراكي).

 

والمحصلة هي ما نشاهده الآن من نتائج تلك المحاولات التي استقطعت من عمرنا وجهدنا الكثير بلا طائل، بل حققت عكس المطلوب تماما.

 

فالإسلامية إذن هي الشرط الأول لأي مشروع إصلاح، ولكن العنوان وحده لا يكفي إذ لابد من تحديد ما تحت العنوان وما بعد العنوان.

 

وإذا قلنا إن هذه الأمة غير قابلة للذوبان الحضاري لأنها الأعمق حضاريا وثقافيا، فإن هذا يقود إلى الإيمان باستحالة هزيمتها هزيمة عسكرية وسياسية نهائية.

 

وإذا بدأنا بتحديد أسباب التراجع وقلنا إن المنحنى الإسلامي صعد منذ بعثة محمد (ص) ثم ساد العالم، ثم ثبت هذا المنحنى، ثم هبط، وأننا الآن في حالة تراجع حضاري وهزيمة تكنولوجية واضحة يجب الاعتراف بها أولا، ثم العمل على تجاوزها ثانيا.

 

ولو بحثنا عن سبب هبوط هذا المنحنى وقبل ذلك عن سبب صعوده، لكان من الممكن تلخيص المسألة في كلمة واحدة، هي المقاومة.

 

"
المنظومة الإسلامية الثقافية تمثل خطراً حقيقياً على المنظومة الغربية الرأسمالية لأنها تشكل بالنسبة لمستضعفي العالم البديل الأيدولوجي للثورة على الرأسمالية بعد سقوط الشيوعية ولاهوت التحرير
"
وكلما قامت الأمة بهذا الواجب، كلما صعد المنحنى الحضاري للأمة، وكلما تخلت عنه وأبطلته كفريضة أو اكتفت بمجرد الدفاع، توقف صعود المنحنى ثم ثبت ثم هبط. فالصعود إذن مرتبط باستعادة هذا الفعل، بل إن كثيرا من الأطروحات –وبعضها إسلامي طبعا– حين تتجاهل هذا البعد وتتحدث مثلا عن التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي والتربية وغير ذلك فإنها تكرس التخلف ولن تحقق وحدة ولا إصلاحا اقتصاديا ولا سياسيا إلا إذا سلكت سبيل المقاومة.

 

المقاومة إذن شرط التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتنمية الحقيقية، وشرط كل شيء صحيح وجميل. ولا بد بالطبع من إدراك بعد الهزيمة التكنولوجية، والاعتراف بها، وضرورة خفض سرعة نزول المنحنى الحضاري للأمة، ووقف هذا النزول تماما، ثم إحداث انقلاب في المنحنى يعقبه صعود جديد إن شاء الله.

 

وبدون هذه المراحل فإن مشروعات الإصلاح تصبح قفزا في الفراغ. وكان هذا خطأ الحركات السياسية الإصلاحية عموما، والإسلامية منها خصوصا. لذلك لا مفر من تقديم اجتهاد فكري وحركي وفقهي يلائم هذه الظروف، ويحقق أقصى قدر من فريضة المقاومة.

 

تقول إحدى الأطروحات المراوغة إننا أمة متخلفة ومهزومة وهذا صحيح، وإن المواجهة ليست حلا وهذا غير صحيح، ومن ثم علينا اتباع الأسلوب الألماني أو الياباني في الإصلاح، أي ترك موضوع المواجهة نهائيا، والتفرغ للبناء والإنتاج في محاولة لسد الفجوة التكنولوجية، ومن ثم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 

غير أن هذا طرح خاطئ لعدة أسباب ، فمعركة الألمان واليابانيين لم تكن معركة حضارية ولا ثقافية، بل عسكرية وسياسية. أما نحن فالمعركة ضدنا بالإضافة إلى كونها عسكرية وسياسية واقتصادية فإنها أيضا حضارية وثقافية، إذ إننا لسنا فقط إزاء مشروع استعماري اقتصادي وسياسي، بل إزاء مشروع حضاري يستهدف القضاء على أمتنا.

 

وثمة وجدان صليبي يحرك الأعداء ضد الأمة، والمواجهة مع الغرب الصليبي لم تنقطع في الزمان ولا المكان حتى اليوم.

 

"
أثبت مشروع المقاومة من الناحية العلمية والموضوعية نجاحه وفعاليته
"
فالمسألة هنا أننا أمام خصم عنيد لن يقبل بغير اجتثاث الأمة، ولن يتركنا نبني ونعمر، فهو لن يقبل بقيام نهضة على أساس إسلامي أو حتى علماني.

 

ونحن أمة وسط ثقافيا وجغرافيا ولسنا جزراً منعزلة، وبالتالي فالقياس على النموذج الألماني والياباني قياس مخادع وخاطئ، إضافة إلى أن أميركا والغرب كانت لهم مصلحة في تقدم ألمانيا الغربية في إطار الحرب الباردة والصراع مع المنظومة الاشتراكية، وكذلك في تقدم اليابان حتى لا ينفرد الاتحاد السوفياتي أو الصين بالتمدد في آسيا.

 

وموضوع القياس الياباني والألماني خطأ مبدئي نظرا لظروف وطبيعة الصراع مع الغرب، وهو خطأ أكثر بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق والمنظومة الاشتراكية، لأنه ليس هناك استقطاب يسمح بهامش من المناورة يمكن أن تفلت بها الأمة من موانع الغرب وعراقيله إزاء نهضتها، وهكذا، فإن القياس الألماني والياباني يحتم المقاومة.

 

من الأطروحات الأخرى المرواغة أننا أمة لا قيمة لها، وأن الناتج القومي الأميركي مثلا 13 تريليون دولار، أما الناتج العربي والإسلامي السنوي فهو قليل جدا.

 

فالناتج العربي 717 مليار دولار، أي أقل من قيمة شركة ميكروسوفت أو نوكيا للهواتف المحمولة أو ناتج دولة واحدة مثل إسبانيا، وهذا صحيح، ومن ثم فإن الغرب لا يضعنا في اعتباره، ولا أطماع له فينا ولا نشكل له أي نوع من التهديد.

 

ولعل حجة هؤلاء هي نفسها مقتل منطقهم، فما دمنا بلا قيمة ولا نشكل خطرا فلماذا تم زرع إسرائيل، ولماذا تم احتلال أفغانستان ثم العراق، هل السبب هو موارد البترول مثلا؟!

 

هي موارد مهمة فعلا، ولكن تدفقها كان مضمونا بدون مخاطر هذا الاحتلال على الأميركيين وحلفائهم، بل إن أحد الزعماء العرب قال ذات يوم مستغربا إنهم يأخذون البترول وحتى صدام حسين شخصيا كان مستعدا لأن يضخ لهم البترول.

 

"
مشروع المقاومة هو المقدمة الأولى الصحيحة والجوهرية للإصلاح السياسي والمقدمة الأولى والصحيحة للتقدم الاقتصادي وإشاعة روح الوحدة والتكافل والحيوية والإيجابية في الأمة
"

إذن فالمسألة لها بعدها الحضاري والثقافي والتاريخي إضافة إلى بعدها الاقتصادي والسياسي، وقد لا تشكل الأمة خطرا حقيقيا أو كبيرا الآن، ولكن هناك ما يسمى بالقوة الكامنة، والمنظومة الإسلامية الثقافية تمثل خطراً حقيقياً على المنظومة الغربية الرأسمالية لأنها تشكل بالنسبة لمستضعفي العالم البديل الأيدولوجي للثورة على الرأسمالية بعد سقوط الشيوعية ولاهوت التحرير.

 

وبديهي أنهما كان لابد أن يفشلا أمام الرأسمالية، فهما من الناحية العلمية والموضوعية قد خرجتا من نفس الأرضية الحضارية التي أفرزت الرأسمالية، ومن الطبيعي أن هذا سبب جوهري وبنيوي للفشل.

 

أما الإسلام فهو منظومة ثقافية مختلفة ليست نابعة من المنظومة الحضارية الغربية، وهي ذات تراث ونصوص منحازة للفقراء، وهي بالتالي قادرة على تقديم التبرير النظري للثورة على الرأسمالية.

 

وهي كذلك ذات خطاب عالمي يؤهلها كأيدولوجية أو جذر ثقافي للمستضعفين والمتضررين من الاستغلال الرأسمالي وهم أكثرية العالم، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فالخطاب الإسلامي خطاب غير عنصري.

 

وتشكل جغرافية العالم الإسلامي المتوسطة والشاسعة وكثافته السكانية الكبيرة وثقافة الرباط والمقاومة والإيمان؛ تشكل مصدرا لا ينضب للمقاومة والنضال.

 

وهكذا فإن عداء الغرب للإسلام والمسلمين له أسبابه القوية والخطيرة أيضا، فحديث المفكرين والسياسيين الغربيين عن الخطر الأخضر هو إدراك لما يمكن أن يمثله الإسلام والمسلمون إذا ما سادت ثقافة المواجهة والمقاومة.

 

لماذا هو إذن مشروع مقاومة وليس مشروع إصلاح سياسي أو اقتصادي أو تربوي مثلا؟ ذلك أن هذه الأمة لا تنهض ولن تتقدم إلا بالمقاومة، لأنها أمة مستهدفة، وقد برح الخفاء، فأميركا وبريطانيا وحلفاؤهما جاؤوا بجيوشهم لاحتلال العراق، وأصبح التطابق بين إسرائيل وأميركا كاملا واضحا لا تخطئه عين، خاصة بعد ما يسمى بوعد بوش الصادر في 14 أبريل/ نيسان الماضي.

 

لقد أثبت مشروع المقاومة من الناحية العلمية والموضوعية نجاحه وفعاليته. فقد نجحت المقاومة العراقية –رغم كل الظروف الصعبة وغير المواتية– في تعطيل وإفشال المشروع الأميركي، وكذلك الأمر بالنسبة لمشروع المقاومة في فلسطين الذي جاء أيضا في ظروف غير مواتية، والأمر كذلك بالنسبة للمقاومة في لبنان.

 

"
مشروع المقاومة لن يحقق العزة والكرامة لهذه الأمة فقط بل سيكون بداية لتحرير العالم كله من الهيمنة والظلم الإمبريالي والصهيوني وهذا سوف يرفع قيمة الرسالة الثقافية للأمة عالميا ويحول الإسلام إلى أيديولوجية لكل المستضعفين والمناهضين للرأسمالية والعولمة المتوحشة
"
فمشروع المقاومة يمتلك مقومات النجاح، وإذا أدركنا أننا في حالة هزيمة تكنولوجية، وأنه من المستحيل عمليا مواجهة آلة الحرب العسكرية والسياسية والاقتصادية المعادية بالجيوش أو الدول أو المؤسسات الرسمية –وقد دلت التجارب على ذلك– فإن التجارب ذاتها تؤكد قدرة المقاومة الشعبية على أن تبرز وتأخذ مكانها، وأن تحقق أولا قدرا من التصدي والصمود يمنع وصول المنحنى الحضاري للأمة إلى نقطة الانهيار.

 

كما سترفع المقاومة من وعي الشعوب بالتحديات المحيطة بها، وتوقظ هذه الشعوب، وتعالج المظاهر السلبية في الواقع العربي والإسلامي، فتزداد قدرة الشعوب على انتزاع حقوقها.

 

ومن هنا يصبح مشروع المقاومة هو المقدمة الأولى والصحيحة والجوهرية للإصلاح السياسي، والمقدمة الأولى والصحيحة للتقدم الاقتصادي وإشاعة روح الوحدة والتكافل والحيوية والإيجابية في الأمة، بل سوف تفجر المقاومة طاقة الابتكار العلمي والتطوير التكنولوجي أيضاً.

 

وهكذا فإن إشاعة ثقافة المقاومة هي الأسلوب الصحيح شرعيا وواقعيا، لأن التخلي عن المقاومة يعني الإبادة والتدمير والعبودية والانقراض الحضاري. أما المقاومة  فهي إما نصر وإما شهادة، وحتى لو كانت النتيجة هزيمة عسكرية، فإن خسائر الهزيمة لن تكون أسوأ من حالة الانبطاح، وعلى الأقل هناك الكرامة والتجربة التي يمكن للأجيال القادمة الاستفادة منها عند تكرار المحاولة، أي المحافظة على الجذوة مشتعلة تحت الرماد.

 

وليس من الإغراق في الوهم أو التفاؤل القول بأن مشروع المقاومة لن يحقق العزة والكرامة لهذه الأمة فقط، بل سيكون بداية لتحرير العالم كله من الهيمنة والظلم الإمبريالي والصهيوني، وهذا سوف يرفع قيمة الرسالة الثقافية للأمة عالميا، ويحول الإسلام إلى أيدولوجية لكل المستضعفين والمناهضين للرأسمالية والعولمة المتوحشة.

_______________

كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة