المنطق المغيب عن مفاوضات القاهرة   
الأربعاء 1430/2/9 هـ - الموافق 4/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 10:01 (مكة المكرمة)، 7:01 (غرينتش)


ليس فقط في ظل الدمار الهائل -للبشر كما للبنى التحتية اللازمة لحياة البشر- يتواصل الحوار القديم في القاهرة, بل وعلى خطى الدبابات وبتتبع آثارها على الأرض الغزية, أعيد فتح هذا الحوار العجيب الذي غيب عنه المنطق, ببساطة لأنه اعتمد منطق القوة الفجة منذ بدايته.

ولعل مقولة السيد ياسر عبد ربه التي استبقت غيرها من التصريحات التي حاولت أن تكون أكثر ذكاء وتسترا, من أنه "نأمل أن يكون هذا العدوان خطوة تمهد للتلاحم الفلسطيني", والتي أتت متزامنة مع منع منسق ما بين السلطة وإسرائيل والمحيط العربي والدولي لأي شكل من أشكال هذا التلاحم, بدءا بأبسطها وهو وصول المعونات الإنسانية لمن هم تحت القصف من ذلك "الشعب الفلسطيني".

"
ما فعلته إسرائيل في غزة واضح بل وصادق صدق دبابة تجتاح وتقصف لتقتل, والقتل جرى لمدنيين عزل وترك بعضهم عمدا كي يكونوا شهودا يروون ما حدث للبقية, باعتبار هذا النشر جزءا من الهدف من الحملة
"
لعل هذا مؤشر دقيق على الكيفية التي جرى بها هذا "التمهيد" على أرض غزة, وهو تمهيد ظن عبد ربه وزملاؤه أنه فاعل بعد أن لم يعقه لا بنيان ولا بشر ولا زرع ولا شجر, وسوّاهم جميعا بالأرض.. تمهيد حقيقي قوي يختصر المسافات ويزيل كل العوائق وهو يرسم "خارطة طريق" جديدة خطوطها ومسارها واضحان على الأرض الفلسطينية بما لا يقبل أي لبس أو تأويل.

ما فعلته إسرائيل واضح بل وصادق صدق دبابة تجتاح وتقصف لتقتل, والقتل جرى لمدنيين عزل وترك بعضهم عمدا كي يكونوا شهودا يروون ما حدث للبقية, باعتبار هذا النشر جزءا من الهدف من الحملة.. وصدق فوسفور يُسقط في مناطق مأهولة ليحرق من فيها, وهو ما حاولت إسرائيل لاحقا المراوغة فيه بعد أن بوغتت بشروع نشطاء أوروبيين بإجراءات سوق قادتها لمحاكم دولية.

والأهم أن إسرائيل لم تكذب علينا بشأن أهدافها وخططها وحتى نواياها للحظة, ولكنها كذبت فقط بشأن درجة تحقق الأهداف المخصصة بمراحل العدوان نفسه, وعدلت بالتالي الخط الفاصل بين المراحل العسكرية والسياسية, فحولت جزءا هاما مما كان ضمن أهداف المرحلة العسكرية الثالثة لمرحلة المفاوضات في القاهرة.. والأخيرة هي "أم المراحل", كونها بدأت قبل واستمرت أثناء العدوان وتستكمل الآن بعده بإحالة كل ما لم يتحقق من أهداف العدوان إليها.

وهنا أيضا لم تكذب إسرائيل. فليفني صرحت حتى أثناء العدوان بأن "ما يجري في القاهرة ليس لصاح حماس بل هو ضدها".. وهذا يكمل وينسجم مع مجمل تصريحاتها الأخرى (إذا استثنينا الإعلامية الدعائية في مواجهة ضغط رأي عام دولي من مثل قولها إنها تحارب الإرهاب ولا تستهدف المدنيين..), ومع التصريحات السياسية والعسكرية لكامل طاقم المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر المكلف باتخاذ قرار إعلان الحرب ومتابعتها.

فما قاله هؤلاء جميعا يختصر في إعادة غزة للسلطة الفلسطينية بإخراج حماس منها مرة وإلى الأبد, وذلك للوصول لتسوية مع تلك السلطة تحديدا, وإن لم يتم تحديد معالم تلك التسوية فإن بعضها قيل صراحة أثناء الحرب, ومنه حديث نتنياهو عن رفض حق العودة الذي زايدت ليفني عليه بإضافتها "الترانسفير".

وما يتبع هذا الهدف الرئيسي من حديث عن وقف إطلاق الصواريخ هو مجرد تفاصيل تتحقق تلقائيا كمؤشر على إنهاء وجود المقاومة في غزة ومصادرة سلاحها -كما جرى ويجري في الضفة- ومنع إعادة تسلحها. ولو تمعنا في تفاصيل ما يطرح في القاهرة على حماس وقوى المقاومة, وما اعتمد فيها ويجري تطبيقه من نهج سياسي مصري رسمي, نجد أنه يحقق كل هذا بحيث يمكن تسميته المرحلة الثالثة أو الرابعة التي أحيل إليها استكمال ما بدأ في المرحلتين أو الثلاث السابقة.. ولا يهم هنا الترقيم الذي لم يتفق عليه بعد, خاصة في ضوء إعادة إسرائيل توزيع مهام المراحل, ولكن المهم هو التسلسل الذي لم يتغير منه شيء.

بعد هذا العرض للحقائق على الأرض كما بينتها لنا إسرائيل أولا, ولم تناقضها أفعال الطرفين المصري والفلسطيني السلطوي, مضافا لهما طرف ثالث هو ذلك الجزء من الجسم العربي الرسمي الذي مثله موقف قمة الكويت (أيضا باستثناء التصريحات الإعلامية الدفاعية لتلك الأطراف الثلاثة غير المرفقة بفعل يترجمها), ننتقل لصلب موضوع مقالتنا هذه, وهو المنطق المجرد.. المنطق كما يفهم في الفلسفة والعلم وكل الشؤون التي تعني الإنسان ككائن عاقل, باعتباره تسلسلا ضروريا للوصول لاستنتاجات عقلية مقنعة بغض النظر عن موضوع ذلك الاستنتاج.

ونؤكد ابتداء أن أمثلة غياب المنطق التي نوردها يجب أن تؤخذ على اعتبارها عينات من كم وافر لم يشمله حديثنا كون المساحة المخصصة لهذا المقال لا تتسع له.

ننتقي أمثلتنا هذه من جزئية "الشرعية" الفلسطينية التي ترفعها مصر ومعها الجسم العربي الممثل في مخرجات قمة الكويت, كمبرر لغالبية ما تقوم به ضمن "مبادرتها" المدعومة من أولئك العرب.

فمصر "الرسمية" تقول إن شرعية التمثيل الفلسطيني هي لرئيس السلطة الشرعي, الذي يقدم على أنه السيد محمود عباس. وتفاصيل تنازع تلك الشرعية تقوم على أن القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية (الدستور) ينص على أنه في حال انتهاء ولاية الرئيس دون إجراء انتخابات رئاسية, تؤول رئاسة السلطة لرئيس المجلس التشريعي, وحاليا لكون السيد عزيز دويك معتقلا فإن تلك المهمة تؤول لنائبه, في تسلسل لكامل تحول صلاحيات وأدوار رئيس المجلس التشريعي حسب النصوص والأعراف الدستورية الدولية.

"
من مؤشرات غياب المنطق أن الرئيس عباس في تمسكه بشرعية استمرار رئاسته يستند على نص قانون مؤقت أصدره بنفسه, كما أن النظام المصري لا يتبنى فقط وجهة النظر هذه, بل يعتبر نفسه حكما في الأمر, مع أن الجانب الفلسطيني الآخر لم يقبل به حكما
"
في حين يستند الرئيس عباس في تمسكه بشرعية استمرار رئاسته على نص قانون مؤقت أصدره عباس نفسه يعدل به القانون الأساسي للسلطة, يسمح بتمديد فترة الرئاسة وربطها بإجراء انتخابات تشريعية متزامنة.
وواضح أن النظام المصري لا يتبنى فقط وجهة النظر هذه, بل يعتبر نفسه حكما في الأمر, مع أن الجانب الفلسطيني الآخر لم يقبل به حكما.

ومثله يفعل بعض العرب الذين قرروا أن المبادرة المصرية هي وحدها المطروحة ولا تقبل غيرها, بل ولا يقبل وسيط آخر مشارك لمصر رغم أن الطرف الفلسطيني الآخر لم يعد يقبل بمصر وسيطا أوحد ولا يعتبرها محايدة, خاصة بعد مجريات فترة العدوان على غزة, لا في الحوار مع السلطة ولا مع الجانب الإسرائيلي.

المنطق الغائب هنا يتمثل في عدة أسئلة, كما في أي استدلال منطقي، أولها: كيف يتسنى لجهة غير مقبولة من الطرفين أن تصر على أنها الوسيط الوحيد, ناهيك عن أن تصر على أنها وسيط محايد؟

وثانيها: إذا كانت مصر مقتنعة بالتفسير القانوني القائل بشرعية ولاية عباس, فإن هذا يفترض أن يكون ساسة مصر قد استندوا لتفسير قانوني دستوري صادر عن مختصين. وهذا يطرح سؤالا مفصليا حول ما قامت به مصر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم حين اجتمع في القاهرة, بتنسيق من إحدى المؤسسات القانونية غير الحكومية في رام الله المعنية بسيادة القانون والمشروعية وبتمويل إحدى المؤسسات القانونية النرويجية, عدد من فقهاء قانونيين فرنسيين وبريطانيين وألمانيين إضافة لعدد من الفقهاء العرب والفلسطينيين منهم الدكتور أنيس القاسم, بهدف التوصل لرأي جمعي محايد حول دستورية الحكم المتنازعة في فلسطين وبحسب الدستور الفلسطيني.

وحتما لم يعد خافيا الرأي السائد بين هؤلاء, كون مائدة العشاء جمعتهم في الليلة السابقة لاجتماعهم الصباحي المقرر. ولكن الذي حدث أنه في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل, حضر أحد كبار رجال الأمن وأعلم المسؤول عن الجمعية القانونية الفلسطينية أن قرارا صدر بمنع عقد الاجتماع. ولم تنجح كل الجهود التي بذلت صبيحة اليوم التالي إذ كان الرد أن "جهات عليا" هي التي أصدرت القرار.. فكيف ينسجم هذا مع أي زعم "لشرعية" باتت تشكل ليس فقط عمود أي توافق فلسطيني, بل وتشكل مصير شعب وقضية بتحديد من يملك حق تمثيل ذلك الشعب؟!

وثالثها: أن الشرعية الدولية لا أقل, والتي لا يخلو خطاب لمسؤول عربي عن طلب التزام العالم بها, وتحديدا اتفاقيات جنيف التي تضمن أساسا الحقوق الإنسانية في زمن الصراعات المسلحة, تقول إن على أي دولة لها حدود مع إقليم محاصر أن تفتح حدودها لمرور الغذاء والدواء وكل مستلزمات الحياة وأن تصبح بوابة ذلك الإقليم على العالم.. فكيف إن كان من على تلك البوابة يصر على أن يتصدى, وحده دون غيره, لحل مشكلة سياسية تتعلق بشعب ذلك الإقليم؟ ألا يعتبر هذا فرضا للحصار لإملاء حلول واستخلاص تنازلات, في حين أن نص اتفاقية جنيف هنا جاء لضمان فك الحصار بغض النظر عن أسبابه ومن فرضه؟ فأية شرعية وظفت هنا, ومن أتاح وأين وفي أي قانون جرى "تشريع" هذا للوسطاء؟

ورابعها: الحديث عن شرعية الحكم يقوم على الانتخابات. وفي أسوأ الأحوال تتحول المسألة لشرعية نسبية, ضمن الالتفاف السياسي الجاري على النصوص والأعراف القانونية والدستورية المتفق عليها دوليا. فإذا كان من يحكم الإقليم المحاصر في هذه الحالة منتخبا بأغلبية كبيرة وبنزاهة تامة بشهادة المراقبين الدوليين, وما زال حكمه ضمن المدى الزمني "الشرعي" الذي انتخب له, وهي بمجملها حيثيات لا تتوفر للجانب المصر على إبقاء الحصار قائما من جهته بذات القدر من الشفافية أو التوافق مع المعايير والمدد الدولية للحكم الديمقراطي.. فأين المنطق في اختيار معيار "الشرعية" ابتداء ليتصدر هذا الذي يجري في القاهرة ويسمى "مبادرتها"؟

وخامسها: إصرار أية جهة حاكمة بهذه الحدية على الالتزام بما تسميه "شرعية" في شأن شعب آخر له مؤسساته ومرجعياته, تحتم من باب أولى التزام ذات الجهة بشرعية ما يصدر عن مؤسساتها هي, ومن باب أولى ما يصدر عن سلطتها القضائية التي لا شرعية تعلو على أحكامها ولا أحد فوق تلك الأحكام.

"
منطق القوة الخالي من أي منطق هو الذي حاولت إسرائيل تكريسه على أرض غزة من جانبها, ويلتقي مع تكريس آخر له محلي يجري مده من القاهرة ليصل إلى رفح ومنه إلى داخل غزة, رغم أن المجتمعات البشرية حاولت لجمه منذ بداية تشكلها بالتوافق على أعراف وصولا إلى سن قوانين
"
والقضاء المصري أصدر عدة أحكام ملزمة للحكومة تحديدا على امتداد الشهور الماضية, منها -مما يتعلق بالشأن الفلسطيني- حكم محكمة القضاء الإداري في أبريل/نيسان 2008, والمؤيد بحكم من المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 4/1/2009، القاضي بإلغاء قرار وزير البترول المصري الذي ترتب عليه عقد اتفاقية توريد الغاز والبترول المصري لإسرائيل, والذي تقول المحكمة إنه قرار "لا يمت للمصلحة العامة للمجتمع ويهدر جزءا مهما من ثروة البلاد الطبيعية التي وهبها الله للشعب".

وتضيف المحكمة أن ما قامت به الحكومة في هذا الشأن "مريب.. يثير التساؤل.. ويتعارض مع الشفافية التي بات أمرها مستقرا في ضمير الأمة والعالم المتحضر".. ومنها أيضا حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 11/11/2008 بوقف تنفيذ قرار الحكومة بمنع إدخال عدد من شاحنات الإغاثة التي جمعها مصريون لإعانة أهل غزة, وذلك باعتباره قرارا يمثل "مخالفة صريحة لأحكام الدستور والقانون وإساءة لاستعمال السلطة" وينال من "الحريات العامة للمدعين ومن حقهم في التعبير عن آرائهم ومواقفهم".. هذه أحكام قضائية مصرية لا أقل, لم تلتفت لها الحكومة المصرية مما يؤثر على شرعية تلك الحكومة داخليا ودوليا.

وهذا يعيدنا لما بدأنا به مقالتنا, فهذه كلها أحكام محاكم مصرية وثيقة الصلة بالشأن الفلسطيني القائم في غزة على حدود رفح الآن. هي تعيدنا لما قلناه عن منطق القوة الخالي من أي منطق الذي حاولت إسرائيل تكريسه على أرض غزة من جانبها, ويلتقي مع تكريس آخر له محلي يجري مده من القاهرة ليصل إلى رفح ومنه إلى داخل غزة.

ومنطق القوة الفجة هذا هو ما حاولت المجتمعات البشرية لجمه منذ بداية تشكلها, بالتوافق على أعراف وصولا إلى سن قوانين.. أي باعتماد منطق موحد لتحديد ما هو شرعي وما هو غير شرعي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة