مشاهد التغيير.. مصر وتونس نموذجا   
الأربعاء 1426/12/18 هـ - الموافق 18/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:11 (مكة المكرمة)، 11:11 (غرينتش)

كما أن للساعة أماراتها وللموت أماراته فإن لصعود الدول وأفولها أماراتهما. والراصد لاتجاهات التطور في معظم الأنظمة العربية يرى بجلاء تضافر مؤشرات دالة بقدر غير قليل من اليقين على أنها تمر بنهايات الخريف وبدايات الأفول، وذلك بصرف النظر عن كيفيات مشاهد النهاية وهل ستكون من داخلها أم من خارجها.

من داخلها بافتراض امتلاك القائمين عليها الوعي الضروري باستحالة تواصل الأمر على ما هو عليه، باعتبار ذلك انتحارا، فيقدمون في شجاعة على قيادة التحول الديمقراطي الضروري، من قبيل بيدي لا بيد عمرو.

ولو كان الأمر بالتمني لآثرنا هذا المشهد لأنه الأدنى كلفة، إلا أنه رغم وجود محاولات هنا وهناك: في المغرب والأردن والبحرين فإنها تبدو بعيدة عن أن ترقي لمستوى النهوض الجاد بمقتضيات التحول الديمقراطي التي تنقل الأوطان التي يحكمونها من كونها ملكا شخصيا لهم وأسرهم وحاشيتهم إلى كونهم موظفين عند شعوبهم.

وقد يتخذ التحول من داخل النظام شكل الانقلاب، رغم أن هذا النوع من التغيير لم يعد كما كان سابقا مقبولا في الثقافة السياسية السائدة في العصر المتمحورة حول ازدياد الطلب وتمركزه على النموذج الديمقراطي أي انبثاق الشرعية من صناديق الاقتراع بما يحقق التحول السلمي في ظل حقوق للمواطنين متساوية، وهو ما يجعل السبيل الوحيد لحصول الانقلاب المعاصر على بطاقة الشرعية الداخلية والخارجية هو الوعد القاطع بالتنازل عن السلطة في أمد محدود وتسليمها لممثلي الشعب عبر انتخابات ديمقراطية صادقة.

وتمثل موريتانيا نموذجا لهذا النوع المعاصر من الانقلابات على طريق الديمقراطية، ولم يقدم العالم العربي حتى الآن إلا هذا "النموذج " الذي لا يزال تحت الاختبار الأول بينما قدمت أنظمة كثيرة في شرق أوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية نماذج عن تحول ديمقراطي من هذا القبيل.

أما التحول الديمقراطي من خارج السلطة القائمة فيمكن أن يأتي في أشكال كثيرة، منها الانقلاب ولا يخرج عن نفس مآل الانقلاب من داخل المنظومة.

"
من نماذج التغيير التدخل الخارجي الذي يأتي عادة عقب حرب خسرها النظام القائم كما حصل عقب الحرب العالمية الثانية في ألمانيا واليابان, وكما برر الأميركان بأن سبب اجتياحهم للعراق وأفغانستان هو لمنح شعوبهما الديمقراطية والمساواة ولربما يجتاحون سوريا غدا, وهو سبيل محفوف بالأخطار الجسام
"

ومنها الانتفاضة الشعبية وبالخصوص إذا واتتها أوضاع دولية وإقليمية مناسبة أو داعمة كما حصل في معظم التحولات التي أطاحت بديكتاتوريات عاتية في بلاد عديدة خلال العشرية الأخيرة، وآخرها قرغيزيا وجورجيا وأوكرانيا وعلى نحو ما لبنان.

ومن مقتضيات نجاح هذا النموذج توفر صف معارض عريض يقود مشروعا واضحا للتغيير على رأسه زعامة مقبولة وذلك في مناخ من استفحال الأزمة الاجتماعية وانسداد الآفاق السياسية. وكثيرا ما يوفر النظام القائم بارتكابه الخطأ القاتل الذي يمثل صاعق التفجير والإعلان عن بداية النهاية كالتورط في تزييف سافر للانتخاب أو في جريمة فاضحة كاغتيال شخصية أو التورط في فضيحة سافرة..الخ.

من نماذج التغيير التدخل الخارجي الذي يأتي عادة عقب حرب خسرها النظام القائم كما حصل عقب الحرب العالمية الثانية في ألمانيا واليابان, وكما برر الأميركان بأن اجتياحهم للعراق وأفغانستان هو لمنح شعوبهما الديمقراطية والمساواة ولربما يجتاحون سوريا غدا, وهو سبيل محفوف بالأخطار الجسام.

وبصرف النظر عن نموذج التغيير الديمقراطي فإن الثابت أن ظواهر الهرم في النظام العربي القائم آخذة في الاستفحال، وأن الهرم إذا حل بالدولة كما يقول العلامة ابن خلدون لا يرتفع. غير أنه قد يطول لا بسبب منعة ذاتية وإنما لانعدام الطالب حسب قوله.

ومن الواضح اليوم أن النظام العربي في عمومه قد تداعت شرعيته بتداعي العقد الاجتماعي بينه وبين المحكومين سواء أكان ذلك بالنسبة للأنظمة التي استمدت شرعيتها من قضية تحرير فلسطين وقيادة مشروع الوحدة ورد العدوان الدولي على الأمة -بينما شيء من ذلك لم يتحقق إلا النقيض له من كل وجه، فيستباح شعب فلسطين والعراق ولا رد غير التهافت على استرضاء الاحتلال والتطبيع معه- أم كان -بالنسبة لجميع الأنظمة تقريبا- بالقياس إلى عدم الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها بتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية وذلك بعد نصف قرن من الخطب الرنانة، تحولت خلالها الأوطان إلى حدائق خاصة للأسر الحاكمة بما يشبه حكم عصابات المافيا فتفقامت المديونيات والفوارق الطبقية وكاد ينحصر تداول الثروة في أهل الحكم، كما تفاقمت البطالة حتى بين المثقفين فيتقدم خمسون ألف مجاز (حامل لشهادة عليا) في تونس للتنافس على بضع مئات من المقاعد في التعليم.

وحتى على الصعيد الاجتماعي لم ينجح النظام العربي في رفع الأمية عن أكثر من نصف السكان رغم ضخامة الثروات، بما جعل البلاد العربية في ذيل دول العالم بمقاييس التنمية.

ولا يحتاج الراصد لجهد كبير حتى يقف على واقع الانسداد الذي يعيشه أكثر من نظام عربي لم يبق له من الشرعية غير الاعتماد المتفاقم على وسائل القمع، معززة بدعم دولي يبذل في الحصول عليه وضمانه وتجنب ضغوطه ما تبقى من سيادة البلاد وثرواتها، مقابل التغاضي عن مطالب الداخل.

لقد مثلت الانتخابات المصرية توليفة ومزيجا بين ضغوط الخارج والطبيعة الأمنية لنظام استهلك عمره الطبيعي وما تبقى من شرعية. لقد كان إفلاس "الحزب الحاكم" سافرا من خلال اضطراره للجوء إلى مزيج من العنف والبلطجة والعنف البوليسي واستخدام المال لشراء الذمم.

"
لولا لجوء الحزب الحاكم في مصر إلى مزيج من العنف والبلطجة والعنف البوليسي واستخدام المال لشراء الذمم, لفاز الإخوان بما يقارب النسبة التي فازت بها جبهة الإنقاذ سنة 1992 والنهضة سنة 1989 (حوالي 80%)
"

ولولا ذلك لفاز الإخوان ليس فقط بثلثي الأصوات في الدوائر التي ترشحوا فيها وإنما لفازوا في كل الدوائر بما يقارب النسبة التي فازت بها جبهة الإنقاذ سنة 1992 والنهضة سنة 1989 حوالي 80%، وهذا الأمر يدل دلالة واضحة على إفلاس هذه الأنظمة من الشرعية وقوة الرغبة الشعبية في التغيير وفي الوقت ذاته رغبتها في معاقبة الأنظمة المفلسة ومكافأة الإسلاميين على ما تعرضوا له من حملات إقصاء وتنكيل وتهميش مع أنهم الأقرب إلى قلوب الناس بسبب ضخامة المشترك الديني، وتواضع هؤلاء وقربهم من الناس وما قدموا لهم من خدمات كلما توفرت لهم الفرصة.

إن الإخوان المسلمين كان يمكن لهم الفوز بنتائج مماثلة أو قريبا منها منذ نهاية الأربعينيات لو توفر قدر معقول من نزاهة العملية الانتخابية. ولقد برهن النظام المصري من خلال إمعانه في البلطجة على إفلاسه رغم أن الإخوان لم يمثلوا تهديدا حقيقيا له من خلال تحجيمهم لأنفسهم، فكيف لو نزلوا بكل ثقلهم فترشحوا في كل الدوائر لكنا إذن أمام حالة جزائرية، أو حملة اعتقالات شاملة لسد الطريق أمام مشاركة الإخوان أصلا.

وفي كلا الحالتين لو حصل ذلك لكان النظام قد عجّل بأجله ووفر ظروف انقلاب. ولذلك يكون الإخوان بضبطهم لأنفسهم قد مدوا في عمر النظام، ولكنه مجرد تمديد, فقد تهاوت شرعيته والمسألة مسالة وقت.

إن انتزاع الشعب المصري حق التظاهر في الشارع وارتفاع شعار كفاية في وجه أقوى حاكم عربي وتكرر ذلك ثم عودة المتظاهرين ليناموا في بيوتهم آمنين هو أحد أبرز ظواهر التطور في عالم العروبة وأعظم انجازات سنة 2005 وأهم أمارات ساعة النظام المصري وأشباهه.

وما تبقى فمسألة وقت فقط. غير أن الجدير بالتنبيه هنا أن ذلك ما كان ليحدث لولا سنة التدافع (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) -البقرة 251-، وتمثلت في الضغوط الخارجية التي خضع لها النظام المصري وحدّت من استخدامه المنفلت لما بين يديه من أدوات قمع، دون أن تكفّها نهائيا، فانبثق من بين القرنين 88 نائبا للإخوان.

والمثال الثاني من تونس فالشبه كبير رغم الحجم المختلف، بين سياق التطور في مصر وفي هذا البلد الصغير ربما يكون هنا التشابه الأكبر بين قطرين عربيين، إن من جهة تزامن وتشابه التجارب الإصلاحية منذ النصف الأول من القرن العشرين أو من جهة التأثر

بالتجربة الفرنسية أو من جهة الطبيعة المدنية لكل من المجتمعين.

وكما كانت الانتخابات الأخيرة فاضحة لشرعية السلطة المصرية رغم "فوزها" المشكوك به بأكثر من ثلثي المقاعد إلا أنها لم تزد شرعيتها إلا تهلهلا وأسرعت بها إلى النهاية بسبب فشلها -بشهادة الكاميرا- في ضبط العنف بل ارتمت في أحضانه ملجأ أخيرا للشرعية.

إن شبيها بذلك حصل لسلطة 7 نوفمبر/ تشرين الثاني التي أفلست وحنثت بوعدها -استمدت منها شرعية الانقلاب- بقيادة عملية التحول الديمقراطي وإعادة الاعتبار للهوية العربية الإسلامية للبلاد.

وهذان الوعدان سرعان ما تخلت عنهما عقب أول امتحان تعرضت له في انتخابات 89، فطرحت بديلا عن ذلك: مشروعا تنمويا ساعدته الظروف الإقليمية في توفير تمويل غربي سخي له، واستطاعت استقطاب قطاع واسع من النخبة إلى صفها تخويفا من الإسلاميين وانتهازا يتستر بالدفاع عن الديمقراطية والحداثة!.

ومرت عشرية حمراء على أحرار تونس كانت مدة كافية لتكشف طبيعة المشروع الكارثية وخيبة الرهان. وجاء ظفر السلطة بتنظيم مؤتمر دولي ضخم لمجتمع المعلومات حرصت عليه كل الحرص لتنتزع من خلاله شهادة دولية تدعم شرعيتها الحداثية، جاء على الضد بالكامل لما أرادت.

إذ نجحت كاميرات آلاف الصحفيين في كشف الغطاء عن حقيقة المذبحة التي تتعرض لها مفاهيم الحداثة ومنها الحريات السياسية والإعلامية، فلم تتحمل السلطة ذلك فتورطت في اقتراف صنوف من العدوان على الصحفيين وعلى الضيوف، وذلك مقابل نجاح ثمانية من رموز المعارضة السياسية والمدافعين عن حقوق الإنسان ينتمون إلى مختلف التيارات مدعومين على امتداد البلاد بقوى شعبية تحررية ومن المهاجرين، نجحوا في إظهار السلطة في العراء بمثل ما فعلت الانتخابات المصرية، بما فاقم من أزمة البلاد وقدم المعارضة لأول مرة في صف موحد يبعث على الاحترام ويلوّح بالبديل رافعا مطالب بسيطة جامعة تتمحور حول الحرية: حرية التعبير وتأسيس الأحزاب والجمعيات وإطلاق المعتقلين. وقد لاقت هذه المطالب التفافا واسعا من قبل النخبة والشباب والنقابيين، وولدت في مصهر هذا التحرك هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات تؤرخ لميلاد جديد لمعارضة جادة تبشر بتغيير حقيقي يلوح في الأفق، ولم تشوش عليهم غير أصوات استئصاليه هي بعض مخلفات التطور، تعبر عن تخوف من عودة الأصولية بما يهدد مكاسب الحداثة!.

وكأن الديكتاتورية والحداثة صديقان حميمان، يرفضان أي عمل مشترك مع النهضة –مع أن له تراثا يمتد إلى نهاية السبعينيات بين كل قوى المعارضة- وذلك على غرار الاستئصال المصري الذي لا يزال يرفع رايته زعيم حزب التجمع رغم الكارثة الانتخابية الفاضحة التي قاد إليها حزبا عريقا بل قاد إليها المعارضة غير الإسلامية التي لم تتنبه إلا بعد فوات الأوان لضرورة التباين معه والالتحاق بقوى الشارع التي أقلعت في اتجاه الإخوان.

"
الإسلام في حالة فوران وتمدد، وهو القوة الأبرز في مؤسسات المجتمع المدني في معظم الأقطار، وجماعاته السياسية الأكثر تغلغلا في كل شرائح المجتمع وبالخصوص الشباب، بما يجعل التفكير في المستقبل لا يمكن بحال أن يكون بعيدا عنه
"

ولم ينتبه الاستئصال هنا وهناك لا إلى سريان ظاهرة التطور على الجميع بمن فيهم الإسلاميون فالاستئصال نرجسي لا ينظر إلا لصورته في مرآته وليس مستعدا ليتابع الحياة في تطورها.

منهاجه: صدقت النظرية وكذب الواقع. حتى ولو كان الإسلاميون اليوم القوى الأعظم التي تتصدى للمخططات الإمبريالية ويتحالف مع القوى المضادة للعولمة المتوحشة، ولا هو انتبه لحقيقة تطور الساحة الشعبية وبالخصوص صوب الإسلام بضغط عوامل كثيرة، ولا هو انتبه إلى تطور الموقف الدولي في اتجاه التعامل مع هذا الواقع الجديد، ولا هو تفطن إلى أنه في لحظات التغيير الحاسمة كالتي أخذت تمر بها أمتنا وبلادنا لا يبقى في الساحة غير معسكرين معسكر سلطوي ومعسكر معارض.

فمن يرفض طرفا في المعارضة فقد رفض المعارضة كلها ودفع بنفسه إلى المعسكر المقابل أو خرج من اللعبة جملة. ولكم مضى من هذر حول القطب الثالث فلم لم يتحقق في غيبة الإسلاميين؟ الحقيقة المجتمعية في عالم الإسلام اليوم أن الأوضاع المحلية والدولية تقدم مزيدا من فرص التغيير وأن الإسلام يمثل قوى تجديد النخبة ويقود معارك الأمة الكبرى, من إندونيسيا إلى المغرب.

الإسلام في حالة فوران وتمدد، وهو القوة الأبرز في مؤسسات المجتمع المدني في معظم الأقطار، وجماعاته السياسية هي الأكثر تغلغلا في كل شرائح المجتمع وبالخصوص الشباب، بما يجعل التفكير في المستقبل لا يمكن بحال أن يكون بعيدا عنه حملا للوائه أو تحالفا معه، من أجل أوطان تنبثق فيها الشرعية من صناديق الاقتراع، وعبر ذلك تداول السلطة سلميا وينعم كل المواطنين بحقوق متساوية. فهل يملك الاستئصال قدرة النظر إلى ما ومن حوله؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة