الرأي الآخر في تحكيم أبيي   
الأربعاء 3/1/1432 هـ - الموافق 8/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:16 (مكة المكرمة)، 13:16 (غرينتش)


عُجتُ أقرأ رأي القاضي عون شوكت الخصاونة بمحكمة العدل الدولية التي جري تحكيمها في مسألة النزاع حول منطقة أبيي في السودان، وهو رأي مما يوصف بأنه "رأي الأقلية" في مقابل "رأي الأغلبية" في المحكمة.

والمعلوم أن رأي الأغلبية لم يلق قبول شعب المسيرية رعاة البقر العرب ورأوا فيه ترجيحاً لشعب دينكا نقوك الجنوبيين. واختلف شريكا اتفاقية السلام الشامل السوداني (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) بدورهما، وصار استفتاء أبيي الذي من المفروض أن يتزامن مع استفتاء الجنوب ويخير أهلها بين البقاء في شمال السودان أم الانضمام إلى جنوبه، عقبة كأداء تلبد سماء سياسة السلام السوداني.

وقد أغراني انشقاق الخصاونة بالرأي بقراءته لعلّنا نجد فيه حكمة تفض المستغلق في المسألة، فقد قيل إنك لن تفهم حتى رأيك أنت بصورة مثالية إلا بعد أن تعتبر بالرأي الآخر، فالرأي مرآة أخيه أيضاً.

"
أميز ما في رأي الخصاونة رده مسألة التحكيم حول أبيي إلى أصلها في مزاعم الأطراف بالحق فيها, وهو ما عميت عنه البصائر, فهو يأخذ على لجنة خبراء أبيي وعلى المحكمة نفسها، الخروج عن الاختصاص
"
أميز ما في رأي الخصاونة رده مسألة التحكيم حول أبيي إلى أصلها في مزاعم الأطراف بالحق فيها، وهو ما عميت عنه البصائر. فهو يأخذ على لجنة خبراء أبيي التي انعقدت المحكمة لتنظر إن كانت قد خرجت من ولايتها في المسألة، وعلى المحكمة نفسها، الخروج عن الاختصاص.

أما المحكمة فحادت عن الحكم على البينة بالحق واختارت الحل الوسط بما اعتقدت أن فيه رضا الأطراف السياسية والقبائلية. والحلول الوسط فيها مخاطرة غير مأمونة العواقب، فعلى طالب السلم أن يلتزم جادة النصفة والمبدأ لا أن يحتطب ليلاً ليقع على الحل الوسط. وأما لجنة الخبراء، فللخصاونة فيها رأي سيئ شامل، ولولا المحكمة التي سترت عيبَها لبان خرَقُها.

من رأيه أن الخبراء قاموا بما لم يؤمروا به، فلم يكن تفويضهم تحديد مواقع سكن دينكا نقوك عام 1905، أو الفتوى بشأن استخدامات الأرض بجنوب كردفان، وإنما اقتصر ببساطة على تحديد الدلالات المكانية بالإشارة إلى تاريخ محدد هو العام 1905 وواقعة محددة هي تحويل أرض مشايخ الدينكا التسعة في ذلك التاريخ من الجنوب إلى مديرية كردفان الشمالية المتاخمة.

وكان عليهم استيضاح كل خلط حول مفردات ذلك التفويض بالنظر إلى المأثور الإداري الإنجليزي للسودان (1898-1956)، وكان ذلك متاحاً لولا أنهم تركوا تفويضهم وبدؤوا لعبة من صنعهم بلا تبرير واضح، فانتهوا إلى تحديد لدار مشايخ دينكا نقوك التسعة في أراض بحجم بلجيكا سكنها المسيرية ولم يطرقها الدينكا عام 1905 ولا في أي وقت بعد ذلك التاريخ.

ومن رأيه أن الخبراء أخذتهم صيحة نظرياتهم وسداد تطبيقها عن مهمة تحديد الأرض موضوع الخلاف، فقد انشغلوا كثيراً بضبط حقوق الأكابر من حقوق الأصاغر دون النهوض بالتبعة المملة في رسم الأرض والدقة الواجبة لتلك الغاية. وعليه صار تحديد الموقع أضعف حلقات عملهم مما يتعذر الدفاع عنها، فانتهوا إلى رسم الحدود بخطوط مستقيمة، علماً بأن حدود القبائل قلّ أن تتصف بتلك الاستقامة. ولم يسبقهم الإنجليز الأعرف بالأرض إلى مثل هذا الرسم المستقيم للحدود.

وتعرض الخصاونة لمبادئ الخبراء حول الحقوق في الأرض بتفصيل، فوجدهم لم ينكروا أن للمسيرية حقاً قديماً في الأرض فقضوا بأن حقوقهم فيها ثانوية بالنظر إلى أسلوب حياتهم الرعوي (الذي لا يختلف عن نظم النقوك). وهي شراكة انصرفت بها المحكمة -تأسياً بالخبراء- إلى جعل دينكا نقوك أصحاب الحق الأكبر فيها والمسيرية أصحاب حق أصغر.

وأعلى الخبراء من مفهوم حقوق الأكابر والأصاغر حتى جعلوه الفيصل في تحديدهم لأرض دينكا نقوك. وقال الخصاونة إنه لم يقطع أحد شك أن المفهوم تقليد متبع في كردفان. واحتكام الخبراء إلى قانون أفريقي لاستخدام الأرض غير مجد، لأن أفريقيا واسعة وقوانين أرضها شتى. فالاحتكام إلى قانون أرض أفريقي جامع مانع فاسد مثل احتكامنا إلى قانون أرض آسيوي مثلاً.

ونظر الخصاونة -مثل ما فعلت المحكمة والخبراء- في كتاب لنظم الأرض في السودان فلم يجد للمفهوم أثراً، فالحقوق في الأرض وفي ولاية كردفان بالذات التي هي موطن الخلاف، أجملها القاضي البريطاني هيز في تحكيمه المشهور بين باديتي عرب الكبابيش والهواوير عام 1953.

فبعد استماعه للأطراف وتحري أعراف الأرض، حكم هيز للكبابيش بوصفهم أهل الدار وجعل الهواوير تٌبَّع لهم، وهي علاقة تجعل للجماعة صاحبة الدار حقوقاً سيادية عليها لا تقل عن تلك التي للدولة القومية. فمن بين تلك الحقوق السيادية مثلاً أن الجماعة سيدة الدار وحدها المسموح لها بضرب نحاسها القبلي (رمز سيادي)، أما نحاس التبع فلا. ويفرض ناظر القبيلة ضريبة تسمى "الشِراية" على زراعة أهله وضيوفه التبع.

"
لم يثبت أن علاقة الأكابر-الأصاغر في الانتفاع بالأرض قد سادت بين المسيرية ودينكا نقوك, فالباحث الأنثربولوجي إيان كنينسون لم يقل بهذه العلاقة, وشهد أن المسيرية والنقوك عند بحر العرب شركاء في الماء والكلأ
"
ولم يثبت أن علاقة الأكابر-الأصاغر في الانتفاع بالأرض قد سادت بين المسيرية ودينكا نقوك، فإيان كنينسون الذي نشر كتاباً عن المسيرية بعد عمل أنثربولوجي ميداني في سنوات آخر خمسينيات القرن الماضي، لم يقل بهذه العلاقة، فقد شهد المسيرية والنقوك عند بحر العرب شركاء في الماء والكلأ.

وقال كنينسون في شهادته خلال التحكيم "لم ألاحظ أبداً أن المسيرية استأذنوا النقوك ليأتوا إلى البحر ولم يروا أنفسهم زواراً له، بل يعد المسيرية المنطقة داراً لهم". وسبقه هاول (1951) الإداري والأنثربولوجي البريطاني، إلى القول إن المسيرية يعدون تلك المنطقة دارهم. بل استشهد الخصاونة بدوغلاس جونسون -وهو أحد الخبراء- للتدليل على أن علاقة الأكابر-الأصاغر لا مكان لها في إعراب نظم الأرض في جنوب السودان الذي منه الدينكا.

فهم خلافا لجماعات شمال السودان خلو من مفهوم الدار كما شرحناه، فقد جاء في مقال لجونسون (1982) أن حدود الأرض بين الجماعات في الجنوب سلسة. فالحد منطقة انتقالية تتواشج نظم العيش فيها (زراعي، رعوي) وينسرب واحدها في الآخر، فالحد بينهم ليس منتهى الشيء ولا فاصلاً.

وقال الخصاونة في صفة المسيرية والنقوك إنهما بادية، فليس المسألة في أن إحدى الجماعتين "تأخذ بالرعي تتخبط في الأرض خبط عشواء في مقابل أخرى من المزارعين المستقرين". وأخذ على الخبراء أنهم بإعمالهم مفهوم الأكابر-الأصاغر في مفهوم الأرض إنما جعلوا المسيرية مواطنين من الدرجة الثانية في أرضهم لهم رعي بهائمهم فيها لا أكثر.

ولم يثبت في واقع الأمر وجود مفهوم للأرض ونظمها مثل الذي اهتدى به الخبراء الذين اعترفوا بأنه كان القول الفصل في تحديدهم لدار مشايخ النقوك التسعة. وخلص الخصاونة إلى وصم تحديد الخبراء لأرض النقوك بالمجازفة والخروج عن التفويض لأنه لم تثبت لاستدلالات الخبراء مقدمات في نظم الأرض في كردفان.

بعد نقضه قرار الخبراء من جهة موضوعه اتجه الخصاونة لنقضه من الناحية الإجرائية لمخالفته نص لائحة اختصاصهم، فهو يٌفَرق بين لجنة ترسيم حدود أبيي المكونة وفق اتفاقية نيفاشا (2005) وبين جماعة الخبراء التي هي جزء من لجنة الترسيم (وشملت ممثلين لطرفي النزاع في الشمال والجنوب) المنوط بها تحديد منطقة أبيي بعد البحث والتحري.

وقال إن لتحديد لجنة الخبراء صفة قضائية ولكنها لا ترقى إلى جعل الخبراء كياناً قضائياً أو تحكيماً من حيث نهائية أحكامه. خلافاً لذلك فقرار لجنة الترسيم التي تنظر في حصيلة الخبراء، قضائي في المعنى المار: ملزم ونهائي. ومتى لم تتفق اللجنة على رأي، صار لقرار الخبراء -المرفوع للرئاسة في الدولة- صفة الحكم القضائي.

ومن رأي القاضي أن الخبراء لم يتبعوا الطرق اللائحية في قانون لجنة ترسيم حدود أبيي ليكون لتحديدهم الإلزامية والنهائية بنص اللائحة، فقد خرقوه بتجاوز لجنة الترسيم التي هم جزء منها ولها حق النظر في عمل الخبراء كما تقدم، وسارعوا إلى عرض قرارهم على مؤسسة الرئاسة. والنتيجة أن لجنة الترسيم لم تجتمع للنظر فيه بغية الوصول إلى رأي مجمع عليه. ومتى لم تتفق الأطراف في لجنة الترسيم على ذلك الرأي المجمع عليه -حسب لائحة اللجنة- يصير قرار الخبراء ملزما ونهائياً.

تغاضى الخبراء عن لجنة الترسيم وأسرعوا بقرارهم إلى الرئاسة، وبرروا ذلك بأن الرئاسة ربما لم تقبل بتقريرهم متى علموا ما فيه بعد مناقشة لجنة الترسيم له. ووصف الخصاونة تحسب الخبراء لسلبية الرئاسة بأنه ليس حدساً فحسب، بل لم يعتبر أيضاً حقيقة أن الغاية لا تبرر الوسيلة متى لم يستكملوا الإجراءات المنصوص عليها في لائحة ترسيم حدود أبيي.

"
أخذ الخصاونة على لجنة الخبراء عقد اجتماعات في هيلتون الخرطوم بأفراد من دينكا نقوك مما لا يستقيم ولائحة تنظيم شغلهم, وزادوا باجتماعهم بدبلوماسي أميركي لينصحهم حول ما غمض عليهم, دون الأطراف الأخرى
"
وأخذ الخصاونة على لجنة الخبراء عقد اجتماعات في هيلتون الخرطوم بأفراد من دينكا نقوك مما لا يستقيم ولائحة تنظيم شغلهم. وزادوا باجتماعهم بدبلوماسي أميركي لينصحهم حول ما غمض عليهم من مهمتهم، وتذرعوا بأنه لا شذوذ في اجتماعهم بالدبلوماسي الأميركي لسبقهم الاجتماع بالبروفيسور إيان كنينسون مثلاً. فرد عليهم الخصاونة بأن الرجوع إلى كنينسون واقع ضمن صلاحيتهم لمعرفته بحقائق التاريخ الذي تداوله الخبراء خلال شغلهم، أما نشدان النصح من دبلوماسي أميركي فمستغرب، إذ متى غمض عليهم شيء في اختصاصهم كان الواجب أن يستفتوا أطراف اتفاقية نيفاشا وبروتوكول أبيي، وهما حكومة السودان وحكومة جنوب السودان.

ولم يقبل الخصاونة بالصفة القضائية التي أسبغتها المحكمة على لجنة الخبراء. ومن ضمن اعتراضاته على هذا الترخص في منح تلك الصفة للخبراء طعنه في مصداقية أحدهم وهو دوغلاس جونسون المختص بتاريخ السودان وأستاذ التاريخ بجامعة أكسفورد، منبها إلى تورطه في السياسة المحلية مما يجعل حياده موضوع شبهة.

فهو باعترافه سبق له نصح الحركة الشعبية حول حدود شمال السودان وجنوبه، كما أخذ عليه قوله لجريدة "السودان تريبيون" (29 مايو/أيار 2006) إنهم اعتبروا في تحديدهم لمنطقة أبيي أن ينال الجنوب حقول النفط. وكان من رأي الخصاونة أن يخضع تقرير الخبراء -متى كان للسياق اعتباره في تقليب الأدلة- لنظر فاحص من المحكمة.

قال الخصاونة إن المحكمة تجاوزت اختصاصها وأربت في انقطاعها عن حقائق التاريخ والحاضر، ووصف المنطق من وراء قرارها بأنه غير مقبول بلا منازع (ناهيك أن يكون مقنعاً) يناقض نفسه لأنه جنح نحو بلوغ نتيجة ما مهما كلف الأمر. كما وصمه بالإهمال في أحيان كثيرة، والنقص من جهة ملكة النقد للبينات وإقامة الدليل.

من رأي الخصاونة أن قرار المحكمة هو نفسه قرار الخبراء إلا قليلا، فلم يدفعها شكها في سداد تحديد الخبراء الشمالي لأرض النقوك (خط 10 دقائق 22 ثانية) إلى أن تنهض بتحديد مستقل للحدود وقوفاً مع المبدأ، بل خرجت بحل وسط.

ولما اعترفت المحكمة بأن بعض أرض أبيي مشتركة بين المسيرية والدينكا قسموها بينهم عملاً بنظرية "القسمة السوية للموارد الطبيعية المشتركة". وقال الخصاونة إنه لم يسمع بهذه النظرية من قبل. وأحلت المحكمة الحد عند 10 دقائق 10 ثوان شمالاً، وهو خط لم يقل به أحد ولكنه الخط الذي قال الخبراء إن عنده تنتهي حقوق النقوك الأكابر في الأرض.

كما شككت المحكمة في تحديد الخبراء للأرض من جهة الشرق والغرب، وكان على المحكمة وقد شككت في تحديد الخبراء شمالاً وشرقاً وغرباً، أن تخلص إلى نتيجة لا مهرب منها وهي أنه لم يبق من تقرير الخبراء سوى نظريات من علم الاجتماع والجغرافيا البشرية، وكان واجبها بعد ذلك أن تحكم بفشل الخبراء في مهمتهم. ومن حقها متى ما أبطلت تقرير الخبراء، أن تشرع هي في التحديد على ضوء دفوعات الأطراف ومحاميهم.

خلافاً لذلك اختارت المحكمة أن تحدد الأرض بخطوط مستقيمة أخرى. وشرعت في ذلك بغير تفويض لأنه غير مأذون لها بالنقض الجزئي، بمعنى أن تأخذ ببعض قول الخبراء وتترك قولهم الآخر. وعليه فالمحكمة نفسها تجاوزت اختصاصها. وقد ورطها ذلك في ما يمكن تسميته "بالجرح والتعديل" في مصطلح علم الحديث النبوي، ومفاده: هل من اختصاص المحكمة تعديل تحديد الخبراء لدار دينكا نقوك بعد جرحه، أم أنها متى جرّحته أسقطته وشرعت مستقلة في ذلك التحديد على ضوء دفوع الأطراف؟

"
ربما كان الخصاونة الوحيد في أروقة التحكيم الذي به فطرة بداوة أو ذاكرتها بما حصنه من ظلم البداة, وهم جماعة من الإنسانية الأولى التي جعلتهم الأمم المتحدة في ذمتها حماية لهم من احتقان أهل البنادر الذين لا يرونهم سوى جماعة هائمة على وجهها
"
ويقول الخصاونة إن السكة الأخيرة هي لب اختصاص المحكمة، فليس من اختصاصها استكمال تحديد الخبراء لأرض النقوك بعد النقض الجزئي له. واستوجب هذا التضييق في اختصاص المحكمة حقيقة أن الحدود التي ستتواضع عليها ستكون في القريب ربما حدوداً لدولتين هما شمال السودان وجنوبه.

فالتدقيق هنا أولى، فإن تطرق شك إلى تحديد الخبراء فالاختصاص يدعو المحكمة لطرحه كأن لم يكن. وهو لا يرى سوابق قضائية لتعديل تحديد الخبراء المجرَّح تداركت المحاكم فيها ما نقضته جزئياً واستكملته. ومتى وقع هذا التدارك كانت له شروطه وهي أن تشتمل القضية على مطالب بوسعنا فصلها واحدها عن الآخر فصلاً سلساً.

ولم يتوفر هذا الشرط في تحكيم أبيي فمسألتها واحدة لا تقبل القسمة. فالحدود التي اتفقت للخبراء لم تخضع في نشأتها لنظم سياسة أو شرعية مختلفة تأذن للنظر في أجزائها على حدة.. فهي بنت نظام الحكم الإنجليزي الذي انتظمت وحدة الغرض والتنفيذ إدارته وأدبها.

من أنفع زوايا النظر لرأي الخصاونة هي صدوره من عربي مسلم. ولا أريد أن ينصرف ذهننا هنا إلى أنه حابى المسيرية نصراً لها ظالمة ومظلومة، فقد سبقنا القاضي إلى القول لصحيفة الشرق الوسط (30 يونيو/حزيران 2009) إنه إن اعتدّ بعروبته وإسلامه في هذا الموقف فلأنهما ربياه على طلب العدل للناس كافة.

ما أردته من ذكر هويتي القاضي القول بأن البداوة -على خلاف زملائه- ذاكرة قريبة منه، فقد قال للشرق الوسط إنه لم يقبل أن يعتبر الخبراء والمحكمة المسيرية "مجرد بدو رحل لهم حقوق ثانوية في الأرض" بينما الدينكا بدو مثلهم.

وانتثرت هذه الحمية للعدل للبداوة أو بين البداة في جنبات رأيه. وربما فسر هذا قسوة عبارته -كما وصفها هو نفسه للشرق الوسط- في تقريره لغضبته من افتئات "المضر" الدولي على "الوبر" وانتقاص حقوق جماعة ما بالنظر إلى أسلوب حياتها.

والخصاونة ربما كان الوحيد في أروقة التحكيم الذي به فطرة بداوة أو ذاكرتها بما حصنه من ظلم البداة، وهم جماعة من "الإنسانية الأولى" التي جعلتهم الأمم المتحدة في ذمتها حماية لهم من احتقان أهل البنادر الذين لا يرونهم -في مراحيلهم الرشيدة الدبيرة- سوى جماعة هائمة على وجهها تنكبت الاستقرار الذي عليه عماد الحداثة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة