تركيا بين الصد الأوروبي والضغط الأميركي   
الخميس 1428/10/21 هـ - الموافق 1/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:02 (مكة المكرمة)، 14:02 (غرينتش)


تبدل الزمن وتغيرت الأحوال ولم تعد تركيا بالنسبة للولايات المتحدة والغرب حليفا إستراتيجيا ومثاليا لا يمكن الاستغناء عنه، لم تعد تركيا كما كانت في السابق العضو الآسيوي الأوروبي الأهم في حلف شمال الأطلسي وصاحب العلم الشهير والوحيد الذي يحمل هلالا ونجمة بين أعلام الحلفاء الأخرى الملونة والمزركشة التي يحمل بعضها صلبانا.

"
الغرب الذي لا يعترف بالمكافآت المجزية جعل من تطلع تركيا إلى نيل جائزة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حلما يزداد استحالة كلما أصر الأتراك وصمموا على تحقيقه، حتى أصيب صانع القرار التركي بالدوار والعصبية وعدم السيطرة على رد الفعل
"
ولعله هو العلم الوحيد أيضا الذي كثيرا ما أخفق في مواجهة بعض تلك الأعلام في معارك تاريخية دامية أكثر مما أخفق إلى جانبها في معارك مشتركة.

لقد حدثت متغيرات عالمية وأخرى داخلية تركية، لم يعد بالإمكان تجاهلها ولا القفز فوقها مهما حسنت نوايا الأتراك ومهما امتد بساط التسامح من جانب الغرب

كان انهيار الاتحاد السوفياتي إيذانا ببدء تراجع الدور التركي في إستراتيجية الولايات المتحدة والغرب، بعدما لعبت سياسة التحالف والتطويق التي انتهجتها الولايات المتحدة الأميركية ضد الاتحاد السوفياتي دورا هاما في إعطاء تركيا مكانة خاصة لم يحظ بها أي عضو آخر في إستراتيجية الحلف.

وقد كانت تركيا هي الحليف الوحيد الملاصق للاتحاد السوفياتي، ولعل أحد ثمار ذلك الموقع ما جنته الولايات المتحدة في البند الذي لم يعلن رسميا في حينها ضمن الاتفاق الشهير بين الرئيس كينيدى ونكيتا خروتشيف إبان أزمة الصواريخ الروسية، إذ تم الربط في ذلك البند بين تفكيك الصواريخ السوفياتية في كوبا وبين عدم نصب صواريخ أميركية في الأراضي التركية.

بعد انتهاء الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو أصبح حلف شمال الأطلسي أكبر منظمة عسكرية عابرة للقارات, يتسابق الكثيرون في الانضمام أليها وخصوصا الأعضاء السابقون في حلف وارسو.

وقد أخذ بعض جيران تركيا الأكثر قربا إلى حدود روسيا الاتحادية يضعون أراضيهم تحت تصرف الولايات المتحدة والحلف في مقابل زهيد إذا ما قورن بما تطالب به تركيا الغرب وما تطمح إليه، بل كان البعض من جيرانها يدفعون مقابلا سخيا إلى جانب تكاليف انتشار القوات الأميركية فوق أراضيهم دون أن يطلبوا شيئا سوى أمن حكوماتهم واستمرارها.

لقد توسع الحلف وتعولم متجاوزا المفهوم الجيو إستراتيجي التقليدي لموقع تركيا وتعددت مهامه حتى أصبح الكثير منها يتصادم مع المصالح التركية الحيوية.

وأدرك الأتراك هذا التبدل منذ بدايته فحاولوا البحث عن بديل يؤمن لتركيا وضعا أفضل في عالم تغيرت فيه قواعد اللعب وتسارعت فيه المتغيرات، فوجدوا في عضوية الاتحاد الأوروبي حلا يحقق الكثير من الطموحات كما يعتبر مكافأة مجزية لنهاية خدمة أدتها تركيا لأكثر من نصف قرن باعتبارها عضوا مهما في حلف شمال الأطلسي وفي منطقة من أكثر مناطق الإستراتيجية الغربية حيوية وأهمية.

غير أن الغرب الذي لا يعترف بالمكافآت المجزية جعل من تطلع تركيا إلى نيل هذه الجائزة حلما يزداد استحالة كلما أصر الأتراك وصمموا على تحقيقه، فبدأت حلقة مفرغة من الشروط المتوالدة بعضها من بعض، أصابت صناع القرار التركي بالدوار والعصبية وعدم السيطرة على رد الفعل.

"
رفض الأتراك الدخول في المشروع الأميركي في العراق لأن غزو العراق قد يؤدي إلى تفتيته ويفتح الباب أمام ظهور دولة كردية ستدفع تركيا نصف ثمنها من أراضيها وسيادتها
"
ولعل تلك هي النتيجة التي أرادها الأوروبيون لكي ينطبق على تركيا مثلنا الشعبي القائل "يموت الملسوع وما جاه الخرتيت"، أي يموت الملدوغ من السم قبل أن يصل أليه الترياق.

الاتحاد الأوروبي أيضا جرى له ما جرى للحلف فقد تمدد وتوسع في فترة زمنية قصيرة ولم يعد ناديا لأغنياء أوروبا الغربية فقط، بل دخلت إليه دول أوروبية فقيرة اكتسحت عمالتها -رغم التقنين والقوانين- أسواق العمل والفرص في الدول الغنية, وأصبح الكثير من أبناء هذه البلدان يعربون عن قلقهم وعدم ارتياحهم لهذا التدفق البشرى وهذا الزحام.

ولذا فإن الاستعجال التركي لم يقابله أي تحمس من جانب الأوروبيين الذين بدؤوا يجدون صعوبة في التسامح مع أبناء حضارتهم من الأوربيين الشرقيين الذين يشبهونهم حتى في لون بشرتهم وشعرهم وعيونهم، فما بالك بالأتراك الذين هم في المخيال الشعبي الثقافي والتاريخي الأوروبي شرقيون مسلمون فقراء أجلاف وأيديهم ثقيلة الوقع على النساء.

كان للغزو الأميركي للعراق أثر هام على العلاقة الأميركية التركية من ناحية وعلى لعبة الصد الأوروبي تجاه تركيا من ناحية أخرى وذلك من خلال تكشف حقيقتين.

الأولى هي أن النفوذ الأميركي مهما بلغت قوته لا يستطيع أن يضمن متى شاء مكانا لتركيا في الاتحاد الأوروبي, حيث فشلت ضغوط الإدارة الأميركية من أجل تخفيف الشروط والتسريع بانضمام تركيا إلى الاتحاد، وذلك في إطار الإغراء الذي حاول الرئيس الأميركي أن يقدمه للأتراك من أجل أن يضعوا بلادهم تحت تصرف قوات الغزو إبان الإعداد لغزو العراق.

الثانية أنه اتضح أن ما بين المصالح الأميركية والمصالح التركية من تناقض أكبر بكثير مما بينهما من اتساق، إذ رفض الأتراك المشاركة في هذا المشروع، لأنهم رأوا فيه نذيرا بتهديد الأمن التركي لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الأولى، لأن غزو العراق قد يؤدى إلى تفتيته ويفتح الباب أمام ظهور دولة كردية ستدفع تركيا نصف ثمنها من أراضيها وسيادتها.

"
الضغط والتلويح بإمكانية إيقاظ كل خلايا السقم في جسم الدولة التركية يعد في نظر الولايات المتحدة وسيلة ناجحة لجعل الأتراك يدركون هشاشة ما تحت أقدامهم ويقلعون عن عادتهم الجديدة في الوقوف جهارا نهارا في وجه الرغبات والنزوات الأميركية
"
منذ أن وضع أول جنود المارينز قدمه على الأراضي العراقية بدأت شقة الخلاف بين المصالح التركية والأميركية تزداد تباعدا كل يوم إلى أن وصلت إلى مرحلة إعداد قرارات واستصدارها من الكونغرس حول قضايا تعتبرها تركيا من صميم سيادتها وتدخلا في شؤونها الداخلية, بينما ترى فيها الولايات المتحدة جزءا من مسؤوليتها الأخلاقية العالمية.

لا شك في أن لعبة الشد المفتعلة بين الكونغرس والرئاسة الأميركية حول قضية الأرمن، إلى جانب تصاعد العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستانى تدخل جميعها في سياق الضغط على تركيا وتذكيرها بأنها -رغم قوة جيشها- دولة هشة على صعيد التركيبة السكانية، وأنها ليست في مأمن من مخططات التجزئة والتفتيت في المنطقة التي حولها ما لم تبد انصياعها التام لمتطلبات الإستراتيجية الأميركية في المرحلة القادمة التي يبدو أهمها هو ما يجري إعداده ضد إيران.

فبالرغم من أن تركيا قد لا تفضل رؤية إيران دولة نووية, فإنها قد تتخذ الموقف نفسه من غزو العراق ولا ترى من مصلحتها القومية المشاركة في الحرب التي تقرع طبولها في الغرب وفي المنطقة.

ولذا فإن الضغط والتلويح بإمكانية إيقاظ كل خلايا السقم في جسم الدولة التركية يعد في نظر الولايات المتحدة وسيلة ناجحة لجعل الأتراك يدركون هشاشة ما تحت أقدامهم ويقلعون عن عادتهم الجديدة في الوقوف جهارا نهارا في وجه الرغبات والنزوات الأميركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة