ثقافة الغرب العرقية في مواجهة المهاجرين   
الأربعاء 3/12/1431 هـ - الموافق 10/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)


لاشك أن هجرة أبناء الجنوب إلى الشمال هي إفراز لأوضاع اقتصادية سياسية واجتماعية ثقافية في بلدان هؤلاء المهاجرين، وليس ثمة أيضا دليل على أن هذه الهجرة ستحل هذه الإشكاليات.

ولكن ما يهمنا في هذا الموضوع هو الهجرة كظاهرة تزامنت مع عودة وصعود ظاهرة العرقية الثقافية في الغرب، التي تجلت في تنامي التيارات اليمينية من ناحية، وفي التنادي الغربي الرسمي الذي اتخذ شكل إجراءات وإقرار آليات وتشريعات قانونية تتصدى لممارسة هذه الجاليات لخصوصياتها الثقافية والاجتماعية.

"
ردات فعل أغلبية فئات المجتمعات الغربية التي تتخذ أحيانا طابعا عنيفا أو إقرارا يتخذ شبه إجماع لإجراءات وتشريعات ضد رموز وثقافة المهاجرين، تكشف عن أسباب أخرى غير اقتصادية متجذرة وعميقة في بنية ثقافة الغرب
"
إن السبب المباشر في ظهور هذه التيارات واتخاذ تلك الإجراءات ضد المهاجرين والمقيمين في هذه البلدان، يبدو متمثلا في العامل الاقتصادي الظاهر للعيان، غير أن ردات فعل أغلبية فئات المجتمعات الغربية التي تتخذ أحيانا طابعا عنيفا أو إقرارا يتخذ شبه إجماع لإجراءات وتشريعات ضد رموز وتمظهرات ثقافة هؤلاء المهاجرين، تكشف عن أسباب أخرى غير اقتصادية متجذرة وعميقة في بنية ثقافة الغرب، بعضها يعكس نظرة هذه الثقافة للثقافات الأخرى وبعضها يكشف عن طبيعة علاقة الغرب بالآخر.

أولا- نظرة هذه الثقافة للثقافات الأخرى: لقد قامت الأيديولوجيا التي أطرت ثقافة الغرب، على تأكيد أحادية هذه الثقافة فبداية من عصر النهضة الأوروبية وهى العلامة الفارقة بالنسبة للحضارة الأوروبية مقارنة بحضارات العالم الأخرى، قامت أوروبا بحركة بعث وإحياء لما تعتبره تراثها الأصيل, وبالتالي بدأت أولى خطوات قطع ما هو مشترك من التراث بينها وبين الآخرين، فتم تنقيح الدين الوافد من الشرق وذلك عن طريق الحركات الدينية ليتلاءم مع الذات الأوروبية الناهضة والوريث الشرعي الوحيد -حسب مفهومها- للإرث الحضاري الإغريقي الروماني.

منذ تلك اللحظة بدأت حضارة أوروبا مسيرة التمحور على الذات والاكتفاء بنفسها وساعدها على ذلك نهضتها العلمية التي انطلقت لتدشين أولى خطوات هيمنتها على الآخرين، ومع بداية القرن التاسع عشر ظهرت الرومانسية التي لم تعد حالة فردية بل تبلورت في بوتقة الثقافة المكتفية بنفسها لتصبح رومانسية جماعية على مستوى الذات الجماعية ثقافيا وحضاريا وأصبح الآخر مجرد موضوع لها.

كان ذلك بمثابة خطوة أخرى لقطع الصلة مع الآخر ثقافيا فلم تعد ثقافات الآخرين سوى موضوع لعلم خاص بها في ثقافة الغرب أطلق عليه مصطلح الأنثروبولوجيا في مقابل السوسيولوجيا الخاص بمجتمعات الغرب المتحضر تمييزا لها عن المجتمعات الأخرى المتخلفة.

وظهر المنظور العرقي الذي يصنف الحضارات حسب تراتبية تتعلق بالصفات الجسدية من حيث اللون والعرق وشكل الجسم والتي ترتبط بالمناخ والغذاء والطباع، فهذه التراتبية مرتبطة بحتمية عرقية وجسدية تمليها الجغرافيا ولا فكاك منها.

في ظل هذه المفاهيم والمنظورات تشكلت ثقافة الغرب وتبلورت نظرتها إلى الحضارات الأخرى ولهذا فإن أي احتكاك بين ثقافة الغرب وأي عنصر أجنبي -حسب هذه الرؤية- لا يترك سوى أثر سلبي ذي طبيعة انحرافية أكثر من كونه إثراء أو إضافة إيجابية فالمؤرخ الإسباني البورنوز سانشيز يرى أنه لولا الإسلام لاتبعت إسبانيا النهج الذي اتبعته فرنسا وألمانيا وإنجلترا ولمشت فوق رؤوس الجميع.

هذه الرؤية وهذه المفاهيم الثاوية في العقل الثقافي الغربي هي على الأغلب التي تقود ما يجري من ردات فعل رسمية وشعبية ضد كل رموز وتمظهرات ثقافة المهاجرين العرب والمسلمين بالذات.

"
يمكن للعقل الغربي قبول الثقافات الأخرى عندما تكون مجرد جملة من التمظهرات الفلكلورية الساذجة التي في طريقها للانقراض, أما إذا ظهرت كخصوصية تريد أن تتخذ لها مكانا في المشهد الثقافي فعندئذ تصبح ظاهرة تضايق وتشوه المشهد والذوق العام 
  "
فثقافات هذه الأجناس يمكن قبولها عندما تكون مجرد جملة من التمظهرات الفلكلورية الساذجة التي في طريقها للانقراض وليس هناك ما يمنع من رؤيتها في الأماكن العامة في المناسبات وأوقات الفراغ والاستمتاع بمشاهدة ما تحتويه من طريف وغريب وشاذ ثم تنسحب من المشهد العام, أما إذا ظهرت كخصوصية تريد أن تتخذ لها مكانا في المشهد الثقافي العام باعتبارها خصوصية ثقافية لهؤلاء ومن ثم تطالب بالندية والمساواة واحترام ما تمثله من رموز وسلوكيات فعندئذ تصبح ظاهرة تضايق وتشوه المشهد والذوق العام وتستفز نرجسية ثقافة تاريخها كله سيمفونية أحادية تقوم على تعظيمها وتمجيدها ولا يسمع فيها سوى أنغام إرث الغرب وأساطيره التي تتواءم مع تصوراته وأوهامه حول نفسه.

ولهذا فإن النظرة الدونية الموروثة تجاه هذه الثقافات تتحول إلى ردات أفعال ضد ما يعتبر خطر مظاهر شاذة وغريبة تريد أن تندرج في سياق الحياة العامة لمجتمع عاش لعدة قرون وفق نمط حضارة متعالية مكتفية بنفسها لا تتسامح مع أي مظهر لوجود الآخر إلا إذا كان دونيا ومثيرا للشفقة وللسخرية.

ثانيا- طبيعة علاقة الغرب بالآخر: لقد ربطت الغرب مع الآخر علاقة فاعل بمفعوله في جملة فعلها يحيل إلى العنف من قبيل ضرب، كسر, سيطر..، فمنذ القرن الخامس عشر انطلق مغامرو أوروبا وأساطيلها في ملحمة اكتشاف وسيطرة وإخضاع للآخر, فأصبح هذا الآخر موضوعا لأفعالها وليس ذاتا مساوية للأنا الأوروبية بفضل ما حازته من قوة المعرفة وكفاءة أدوات العنف التي تمتلكها.

ولهذا فقد سمحت أوروبا لنفسها بحمل رسالة كونية تتلخص في نشر قيم ومبادئ حضارتها بين أبناء البشر وباح فلاسفتها ومفكروها بما أسموه بالاختلاط الذي تفرضه جماعة على جماعة أخرى ترفض هذا الاختلاط، لكي ينتج عن ذلك نظام مقبول ومسلم به من قبل الجميع.

فقبل هؤلاء الفلاسفة بفكرة الحرب والاستعمار لأجل تصدير هذه القيم والمبادئ فها هو الفرنسي "سيرج جوبينو" أحد الأباء المؤسسين للمنظور العرقي في ثقافة الغرب، يشبه الاختلاط المفروض بالقوة، بالاحتكاك العنيف بين قبيلتين تسيطر إحداهما على الأخرى وتضعها في العبودية ثم يحصل الاختلاط الطبقي وتظهر الأمة فتعلو حضارة تحمل جملة من الأفكار وتعمل على توحيد الشعوب الأخرى, فسيطرة أية حضارة تأتى من قدرة مجموعة على فرض الاختلاط على مجموعة أخرى بالقوة أو بالإقناع، غير إن "جوبينو" يتوقف عند هذا الحد من الاختلاط ويرفض الاختلاط العرقي لأنه مفسدة للعرق المتفوق ويؤدي إلى الانحطاط.

هذه العلاقة الاستعمارية التي فرضتها أوروبا على الآخرين وهذا النوع من الاختلاط الموسوم بالدونية وعدم الندية يجعلان أي تطلع من قبل هؤلاء إلى الندية والمساواة واحترام خصوصياتهم، استفزازا للعقل الغربي الذي لم يتعود على ذلك.

"
في ظل تعقيدات المشهد السياسي العالمي وفي مواجهة ثقافة نرجسية مكتفية بنفسها, أصبح تخلي المهاجرين عن ممارسة خصوصيتهم الثقافية شرطا جوهريا للاحتفاظ بنوع من المواطنة
"
لقد ظهر هؤلاء المهاجرون في مدن ومصانع أوروبا منذ القرن التاسع عشر، ولكنهم جاؤوا وقتها كعمالة رثة قادمة من المستعمرات ولم تكن تحلم بالمساواة والندية في بلدانها المستعمرة فما بالك في مدن وعواصم الإمبراطورية الاستعمارية نفسها، غير أن الأجيال التي ولدت في الغرب مع بداية سبعينيات القرن الماضي، والمهاجرين الجدد اختلفوا عن سابقيهم فلم يعودوا يقبلون بأقل من المساواة والندية واحترام خصوصياتهم الثقافية في مجتمع أصبحوا جزءا من حراكه الاقتصادي والاجتماعي.

بل وتجرؤوا على الإعلان والمجاهرة برؤيتهم ومواقفهم السياسية تجاه السياسة الداخلية والخارجية للحكومات أسوة بما يفعله بقية المواطنين, فكان ذلك في نظر الغرب السياسي والثقافي بمثابة تتويج للمخاوف والتوجسات من خصوصيات هؤلاء التي تجد مرجعيتها في ثقافة أخرى تنتمي إليها أيضا قوى ومنظمات عالقة في حرب لا هوادة فيها مع الغرب على طول مناطق نفوذه في الساحتين العربية والإسلامية.

في ظل تعقيدات المشهد السياسي العالمي وفي مواجهة ثقافة نرجسية مكتفية بنفسها ومتمحورة على منظوراتها من شمولية وعرقية ثقافية وقومية شوفينية، أصبح تخلى هؤلاء المهاجرين عن ممارسة كل مظهر علني من خصوصيتهم الثقافية شرطا جوهريا للاحتفاظ بنوع من المواطنة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة