هذه الحرب عدمية   
الأربعاء 8/7/1427 هـ - الموافق 2/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:38 (مكة المكرمة)، 9:38 (غرينتش)


في غمرة الأحداث اليومية والنشرات المتتالية ننسى كيف يستجيب الإسرائيليون لما يدور حولهم، ولعمليات التدمير التي تتم باسمهم.

وقد لاحظت أن معظم المعلقين السياسيين الإسرائيليين غير متفائلين بخصوص هذه المغامرة العسكرية.

فأوري أفنيري في مقاله الأسبوعي الذي ينشره على الإنترنت "الحوار المتمدن" 13/6/2006 يقارن بين هذه المغامرة والمغامرة الأخرى التي سبقتها: "أراد شارون، حين أصبح وزيرا للدفاع، تغيير وجه المنطقة قاطبة، في أربع دول.

"
تبدو هذه الحرب، وبعد مرور أسبوعين على اندلاعها كحدث متشعب، وسيطرة الحكومة عليه آخذة في الضعف
"

أراد باختصار: طرد السوريين من لبنان وإقامة نظام في لبنان يحكمه دكتاتور مسيحي بشير الجميل، ونقل الفلسطينيين من لبنان إلى سوريا، ومنها إلى الأردن، ثم مساعدة الفلسطينيين على إحلال ثورة في الأردن وإقصاء الملك حسين وتحويل الأردن إلى الدولة الفلسطينية، برئاسة ياسر عرفات، ومساومة الحكم الفلسطيني في عمان على مصير الضفة الغربية.

وعلى سبيل المثال أراد إنشاء وضع هناك يتيح للإسرائيليين الاستيطان في كافة أنحاء الضفة الغربية، وللفلسطينيين أن يصوتوا في الانتخابات للبرلمان في عمان.

هذه هي الخطة التي لاحت أمام أنظار شارون عندما اجتاح لبنان في صيف عام 1982، ولكنه لم ينجح إلى حد كبير وكانت النتائج عكسية، إذ غاصت إسرائيل في الوحل اللبناني طيلة 18 سنة وخرجت من هناك بخفي حُنين.

تذكرت إسرائيل ذلك الإخفاق التاريخي عندما قرأت الخطة العظيمة التي وضعتها بنات أفكار جهبذ إستراتيجي آخر هو الجنرال غيورا آيلاند رئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي سابقا ورئيس "مجلس الأمن الوطني" حتى قبل فترة قصيرة، وهي مؤسسة من شأنها وضع الإستراتيجية الوطنية.

مثله مثل شارون من قبله، يريد الجنرال آيلاند ترتيب المنطقة من جديد، من الأساس، وخطته ليست أقل إثارة من خطة شارون، فهي ليست خطة انفصال لا سمح الله، بل هي ذاتها تلك الرؤيا الكبرى لتغيير المنطقة بأسرها.

ينظر آيلاند إلى خطة الانفصال التي وضعها شارون بازدراء علني، وكذلك الأمر بالنسبة لخطة الانطواء التي وضعها إيهود أولمرت، إنه يعتبر شارون وأولمرت مجرد هواة، لا يعرفان ما معنى العمل التكتيكي والنقاش المنظم، بل يتخذان القرارات وفقا للأحاسيس الداخلية.

وقد كشف آيلاند خطته لإعادة ترتيب المنطقة للصحفي أري شفيط من صحيفة هآرتس، وتتلخص الخطة فيما يلي: ضم 12% من الضفة الغربية إلى إسرائيل، أي نحو ستمائة كيلومتر مربع على الأقل، لضمان أمنها، ثم أخذ ستمائة كيلومتر مربع من المصريين في شمال سيناء وضمها إلى قطاع غزة، لكي يتمكن الفلسطينيون من إقامة ميناء بحري هناك ومطار دولي ومدينة يقطن فيها مليون نسمة.

وبعد ذلك إعطاء مصر، كتعويض، مساحة 150 كيلومتر مربع من أراضي إسرائيلية في النقب، ثم تمكين مصر والأردن من شق نفق بينهما بجوار إيلات.

يضاف إلى ذلك نقل مائة كيلومتر مربع من أراضي الأردن إلى الفلسطينيين، كتعويض عن المساحات التي ستأخذها منهم إسرائيل في الضفة الغربية.

هذه هي خطة المفكر الإستراتيجي الجهبذ التي يعلق عليها أفنيري بقوله: "على الإنسان أن يكون ساذجا حقا وليست لديه أية تجربة سياسية ليؤمن أنه بالإمكان إقناع ثلاث حكومات هي الحكومة الفلسطينية والمصرية والأردنية، ناهيك عن الحكومة الإسرائيلية بالتخلي عن أراضيها.

والأنكى أن هناك حاجة إلى تكوين نفسي معين للنظر إلى أعداد هائلة من الناس وكأنهم حجارة لعب على لوحة الشطرنج، حيث يمكن إزاحتهم من دولة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر".

أما عوزي بنزمان (هآرتس 26/7/2006) في مقال له بعنوان "أولمرت انجر وراء حماس العسكريين وبدأ يفقد سيطرته على الحرب"، فيلاحظ أنه "لا يوجد لدى صانعي القرار الأساسيين جدول أعمال مقنع من وراء هذه الحرب.

وبالرغم من ذلك تبدو هذه الحرب، وبعد مرور أسبوعين على اندلاعها كحدث متشعب، وسيطرة الحكومة عليها آخذة في الضعف.

"
صناع الحرب لا يستطيعون السماح لأنفسهم بأن يعرف الجميع بأنهم قد أخطأوا التقدير، ولذلك سيبحثون عن انتصار يبرر كل الخسائر في الأرواح والمعدات، ومجرد الحاجة لهذا النصر ستطيل المعاناة
"

قرار إدخال قوات برية كبيرة إلى جنوب لبنان، وتحديد أهداف آخذة في الابتعاد عن الخط الحدودي أمامها، يبدو وكأنه إفراز للديناميكية العسكرية أكثر من كونه نتاجا للتفكير السياسي المدروس.

ما إن تبدد الأمل في تصفية قدرة حزب الله على إطلاق الصواريخ بواسطة سلاح الجو وحده، حتى وجدت القيادة العليا للجيش نفسها متحمسة ومندفعة إلى تلبية التوقعات المعلقة عليها، وهي لذلك تقوم بتجنيد وحدات الاحتياط وتدفع بألوية المشاة والمدرعات إلى لبنان.

هذه القيادة قد تصل إلى الاستنتاج بأنه لا يمكن إسكات قوة حزب الله النارية من دون سورية، وهذا لا يعني أن هذا هدف هيئة الأركان، ولا أن رئيس الوزراء ليس يعرف كيف يضغط على الكوابح في الموعد المحدد.

هذا يعني أن لهذه الحرب منطقاً داخلياً خاصاً بها وقادراً على جر صانعي القرار إلى أماكن لم يقصدوا الذهاب إليها مسبقا.

هذه الحرب تتدحرج إلى وضع تتبلور فيه علامة استفهام محلقة فوق المستقبل الجماهيري لرئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وعدد من القادة، على ما يبدو".

ويتكرر نفس الموضوع في مقال ميرون بنفنستي (هآرتس 27/7/2006) بعنوان "ستنجلي العاصفة.. ويبدأ دعاة الحرب بالتراجع عن مواقفهم والخاسر هم الإسرائيليون".

فهو يرى أن ساعة المحاسبة تقترب ويقول: "موعد تصفية الحسابات وإلقاء اللوم يقترب.. كلهم سيقول: قلنا لكم. لا يمكن لأي إنسان أن يتنبأ بموعد حدوث الانقلاب الذي يبدأ فيه كل الخبراء في التنافس فيما بينهم مدعين لأنفسهم أنهم هم أول من تنبأ بإخفاقات هذه الحرب وأشاروا إلى أسبابها: الإستراتيجية الخاطئة، وقلة الاحتراف السياسي، والتلقائية المندفعة، والضعف الذي يتقنع بالعزم الشجاع، والأوهام والعجرفة والغطرسة والإدمان على غريزة الانتقام والقسوة، وغياب الكوابح الأخلاقية".

إن أجواء غياب التشكيك الانتقادي التي تهيمن عندما يتم الإعلان عن حالة الحرب هي التي جعلت بوسع البعض تبرير تدمير دولة بحجة أنهم يساعدون حكومتها حتى يكون بوسعها تدمير حزب الله.

في مثل هذه الأجواء فقط يستطيع إنسان عادي أن يفرح لأن أميركا ترفض الضغط لوقف الحرب، الأمر الذي يتيح مواصلة القصف المُدمر.

الارتكاز على المشاعر الوطنية التي تطمس التفكير العقلاني هو الذي يسمح بعد أيام كثيرة من الفتك والتدمير غير المبرر للمطار والطرقات والجسور ومحطات الطاقة، بإدراك أن هذه كانت في الواقع عملية عبثية، لأنه كان من المعروف مسبقا أن هذا القصف لن يحرز الهدف، وأن العملية البرية مسألة لا مناص منها.

الأشخاص الذين يستغلون بلا خجل أو وجل المشاعر البدائية فقط هم الذين يسمحون لأنفسهم بشخصنة الحرب وتركيزها حول القضاء على عدوهم حسن نصر الله شخصيا.

وحده المقتنع بأن الحرب ستغطي على كل عمل سخيف وكاذب، هو الذي يتفاخر بأنه يساعد التحركات الإنسانية الدولية، بعد أن يكون هو ذاته قد أحدث الكارثة.

صُناع الحرب لا يستطيعون السماح لأنفسهم بأن يعرف الجميع بأنهم قد أخطأوا التقدير، ولذلك سيبحثون عن انتصار يبرر كل الخسائر في الأرواح والمعدات، ومجرد الحاجة لهذا النصر ستُطيل المعاناة.

الجمهور الذي يؤيدهم سيجد صعوبة في محاسبتهم لأن التضامن القبلي سيحمي القادة السياسيين والعسكريين.

بسرعة كبيرة جدا سيعود كل شيء إلى سابق عهده باستثناء أولئك الذين ضحوا بأنفسهم وأولئك الذين قضوا خلال القصف المتبادل.

"
الضرر الأساسي سيكون من نصيب شعب إسرائيل الذي كرس وجوده كنبتة غريبة في المنطقة وكقوة شارع عربيد يكرهه المستضعَفون بسبب الرد غير المتناسب والمفرط على الاعتداء الاستفزازي
"

الضرر الأساسي سيكون من نصيب شعب إسرائيل الذي كرس وجوده كنبتة غريبة في المنطقة وكقوة شارع عربيد يكرهه المستضعَفون بسبب الرد غير المتناسب والمفرط على الاعتداء الاستفزازي.

وينتمي رأي جدعون ليفى (هآرتس 23/7/2006) لهذا النمط، ففي مقال له بعنوان "هذه الحرب عدمية" يقول: "يتوجب إيقاف هذه الحرب فورا والآن. هي كانت بلا داعٍ منذ البداية حتى وإن كانت الذريعة مبررة، والآن قد حان وقت إيقافها.

كل يوم يدفع ثمنها من دون جدوى. السعر الدموي يُدفع من دون أن تحصل إسرائيل على ثمن حقيقي ملائم. هذا وقت مناسب وجيد لإيقاف الحرب حتى وإن كان الطرفان سيدعيان الانتصار.

إسرائيل ضربت حزب الله، وحزب الله أصاب إسرائيل. التاريخ يُعلمنا بأن هذا الوضع لا يؤدي إلى التسوية، ولتتذكروا حرب يوم الغفران.

إسرائيل خرجت إلى الحرب بذريعة مبررة مع وسائل مرفوضة، هي ادعت أنها تشن الحرب على حزب الله، إلا أنها دمرت لبنان في الواقع.

الجدوى الأساسية من هذه الهجمة قد استنفدت، بنك الأهداف الجوية قد استنفد في أغلبيته.

بإمكان سلاح الجو أن يواصل زرع الدمار في الأحياء السكنية والمباني الفارغة ويواصل إطلاق عشرات الأطنان من القذائف على المخابئ المفترضة وقتل اللبنانيين الأبرياء، ولكن ذلك لن يتمخض عن أي شيء جيد.

من أراد استعادة القوة الردعية الإسرائيلية نجح في ذلك. حزب الله وباقي أعداء إسرائيل يدركون الآن أن إسرائيل ترد بقوة ساحقة على كل تحرش بها. وجنوب لبنان أيضا أصبح نظيفا وخاليا من حزب الله. وهذا التنظيم سيعود إلى هناك آجلا عاجلا، كما قد يعود إلى التسلح من جديد.

التسوية الدولية قابلة للتحقق الآن، ولم يكن من الممكن تحقيق أفضل منها بثمن معقول في المستقبل.

"إسرائيل ستجد صعوبة في الواقع في تحقيق باقي الأهداف المحددة لهذه الحرب: إعادة الأسرى وتصفية حسن نصر الله، حتى وإن استمرت الحرب أسابيع وأشهرا أخرى.

الجيش الإسرائيلي يطلب الآن "أسبوعين آخرين"، وبعد أسبوعين سيطلب أسبوعين إضافيين، والحسم لن يأتي".

وماذا عن صورة إسرائيل الإعلامية؟
يقول جدعون ليفى: "ثمة ثمن باهظ جدا. كل يوم يزيد من الانتقادات العالمية والكراهية لإسرائيل. هذا أيضا عامل من عوامل المناعة الوطنية. خلافا للزمرة في الداخل الإسرائيلي التي تدعي أن العالم يصفق لإسرائيل.

تتسبب المشاهد الآتية من بيروت في إلحاق ضرر هائل وعن حق. الأمر لا يقتصر على زراعة المزيد من الكراهية لإسرائيل. جورج بوش وتوني بلير يصفقان لإسرائيل، وهذه الحقيقة قد تُقدم بعض العزاء لإيهود أولمرت ولوسائل الإعلام الإسرائيلية، ولكن ذلك لا يقنع ملايين المشاهدين في العالم الذين يرون القتل والدمار في وسائل إعلامهم.

هذه المشاهد التي لا يتسنى لنا نحن هنا أن نراها. في العالم يرون أحياء مدمرة ومئات الآلاف من اللاجئين الفارين في ذعر وخوف، والمشردين والمقتولين والجرحى ومن بينهم الأطفال.

استمرار الحرب هو إذا مسألة غير أخلاقية وغير نافعة. كما أن الضربة التي لحقت بالاقتصاد الإسرائيلي ستكون محدودة إذا انتهت الحرب الآن. صيف فتاك سيكون صيفا باهظ الثمن من الناحية الاقتصادية.

"
إيقاف الحرب الآن يضمن إنجازا محدودا بثمن محدود، واستمرارها يضمن ثمنا فادحا من دون مقابل ملائم، لذلك يجب وضع حد لهذه الحرب
"
وماذا عن الجبهة الداخلية؟
يبين جدعون ليفي أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية المتماسكة التي يتباهى بها الإعلام الصهيوني لن تبقي غير مبالية بالبقاء في الملاجئ لمدة طويلة.

رويدا رويدا ستظهر التصدعات والتساؤلات حول السبب الذي نقتل فيه ونُقتل. هذه هي طبيعة الحروب. في البداية لا يطرح أحد سؤالا حول السبب، ومع تعمق الورطة تطفو التساؤلات الصعبة على السطح.

لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل أكثر من مرة: الحروب التي بدأت بإجماع قومي واسع انتهت بشرخ كبير. من يعطر نفسه بالإجماع الآن عليه أن يعرف أن هذا الأمر لن يدوم.

الحرب ستتعقد وعندما يتضح أن المسألة ليست مجدية من الجو، سيتزايد الهجوم البري الذي بدأ وستتكرر صورة الغرق في المستنقع اللبناني، وسيُقتل الجنود يوميا كما يحدث الآن، وسترتفع أصوات الاحتجاج وتتفتت وحدة المجتمع.

من المبكر تقدير انجازات هذه الحرب وإخفاقاتها، ولكن مع قادم الأيام سيتضح أنها كانت حربا عدمية بلا فائدة مثل كل الحروب الاختيارية.

إيقاف الحرب الآن يضمن إنجازا محدودا بثمن محدود، واستمرارها يضمن ثمنا فادحا من دون مقابل ملائم، لذلك يجب وضع حد لهذه الحرب.

رئيس الولايات المتحدة يستطيع أن يزجنا لمواصلة الحرب كما يرغب، ورئيس الوزراء البريطاني يستطيع أن يصفق لنا في برلمانه، ولكن الدم ينزف في إسرائيل ولبنان والرعب يتزايد والثمن يرتفع إلى عنان السماء، هكذا سدى وبلا قيمة تذكر. والله أعلم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة