المعارضة الكردية في سوريا تخطب ود أميركا   
الثلاثاء 1427/2/21 هـ - الموافق 21/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:56 (مكة المكرمة)، 9:56 (غرينتش)

تركي علي الربيعو

بعد عامين على أحداث القامشلي 12/3/2004 أو ما سميت بانتفاضة القامشلي، يأتي انعقاد مؤتمر الكرد السوريين تحت قبة مبنى مجلس الشيوخ الأميركي برعاية أميركية، حين عقد المؤتمر في الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت واشنطن وذلك في يوم الاثنين 13/3/2006.

المؤتمر لم يكن مفاجئا كما يحاول أن يقنعنا بعض رموز المعارضة الوطنية السورية، أو حتى بعض الأحزاب الكردية على قلتها مثل الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي الذي هو أكثر هذه الأحزاب اعتدالا، وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا الذي جاء على لسان أمينه العام أن لأميركا تاريخا أسود في حق الشعب الكردي.

بل إن هذا المؤتمر جاء نتيجة لخطاب قومي كردي ينشد الاستقلال في "أرض وشعب" كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، وبخاصة لدى الأحزاب الكردية الأكثر راديكالية، المأخوذة حتى لبابها، والمؤمنة بتحقيق دولة كردستان التي تمتد حدودها من شمال طهران إلى البحر المتوسط مرورا بالعراق وتركيا كما تظهر الخرائط الكردية التي توزعها هذه الأحزاب.

"
الخطاب السياسي الكردي خطاب تقية إن جاز التعبير، فقادة الأحزاب الكردية يضمرون غير ما يعلنون
"
كذلك فإن انعقاد المؤتمر تحت قبة مجلس الشيوخ وبرعايته، لم يكن مفاجئا، فتظاهرة القامشلي التي أعقبت أحداث الشغب تلك، قادها اثنا عشر حزبا كرديا، رفعت فيها أعلام كردستان وحجب عنها العلم السوري كشاهد على الوطنية، حيث لم يتجاسر ولا حزب سياسي على رفعه.

كذلك رفعت الشعارات التي تحيي الولايات المتحدة الأميركية وتحيي الرئيس بوش الذي أطلق عليه لقب "بافي آزاد" بالكردية وتعني "أبو الحرية" في محاولة لاستقدام أميركا كقوة محررة إلى سوريا لإسقاط نظامها الدكتاتوري وتكرار السيناريو الذي حدث في العراق.

لم تمر أحداث القامشلي بسهولة، بل كانت مناسبة لتعاطف كبير من قبل المعارضة الوطنية السورية المحكومة بفقه النكاية ضد السلطة السورية.

وسرعان ما أصبحت القامشلي محجا لقيادات المجتمع المدني في سوريا، ولقيادات الأحزاب السياسية المعارضة التي أعلنت تضامنها التام مع الأكراد، من حزب الإخوان المسلمين إلى حزب الشعب الديمقراطي بقيادة رياض الترك، الذي زار القامشلي على أمل توسيع قاعدة المعارضة للنظام ولكنه عاد خاوي الوفاض من هناك.

يدرك الكثير من رموز المعارضة الوطنية السورية، أن الخطاب السياسي الكردي خطاب تقية إن جاز التعبير، فقادة الأحزاب الكردية يضمرون غير ما يعلنون.

فهم عبر اجتماعاتهم ولقاءاتهم مع رموز المعارضة السورية التي احتضنتهم قبل وبعد أحداث القامشلي، يؤكدون على الرابطة الوطنية السورية كإطار يجمع جميع قوى المعارضة التي تنشد الديمقراطية والوحدة الوطنية، ولكنهم ما إن يخلوا إلى بياناتهم التي توزع في مقاهي دمشق أو على شبكة الإنترنت، حتى يعطوا الأولوية لما هو قومي بل وحتى انفصالي.

فالأكراد كما يقول خطابهم هم القومية الثانية في سوريا، القومية المهيمن عليها من قبل القومية العربية التي توصف بالاستبدادية، والتي تحتل أراضي كردستان الغربية، حيث تطالب بعض البيانات الكردية بإزالة المستوطنات العربية من أراضي كردستان وبطرد السكان العرب من هناك، خاصة من جاءت بهم الدولة تحت حجة الحزام العربي.

من هنا فإن مؤتمر واشنطن الذي حضرته مجموعة من الأحزاب الكردية السورية كالتحالف الوطني الكردي والجبهة الديمقراطية الكردية وحزب آزادي الكردي في سوريا، وممثل حزب الاتحاد الديمقراطي وممثل عن حزب يكتي الكردي في سوريا، بالإضافة إلى شخصيات حزبية وثقافية كردية تمثل الجالية الكردية في أميركا وأوروبا، ليس غريبا أن تنص بعض توصياته على ما يلي.

أولاـ ضرورة الاعتراف بالشعب الكردي بوجوده على أرضه التاريخية واعتبار القضية الكردية في سوريا قضية "أرض وشعب".
ثانياـ حق الشعب الكردي في تقرير مصيره.
ثالثاـ ضرورة إنهاء النظام الدكتاتوري الحاكم في دمشق.
رابعاـ تأييد الحركة الكردية لكافة القوى الديمقراطية الحقيقة من المعارضة السورية.
خامساـ تأييد المؤسسات المدنية، والحقوقية في سوريا، والمناطق الكردية.

"
خطاب الفتنة الكردي الذي لا ظهير له في الواقع سوى الاحتماء بالولايات المتحدة كما يشهد على ذلك هذا المؤتمر، من شأنه أن يضعف من مصداقية هذا الخطاب في الواقع السوري ويحرج قوى المعارضة السورية
"
والأهم هو تشكيل مجلس وطني كردستاني للدعوة إلى مؤتمر موسع في مدينة بروكسل البلجيكية في الصيف القادم.

لا تقول لنا التوصيات كيف يمكن "إسقاط النظام الدكتاتوري الحاكم في دمشق؟" ولكن مكان انعقاد المؤتمر يفصح عن ذلك، فأميركا وحدها بجيوشها وأساطيلها، تستطيع أن تكرر السيناريو العراقي في دمشق.

وفي رأيي أن الفقرة السابقة تندرج في إطار خطاب التقية الموجه للمعارضة السورية، ففي الوقت الذي ترفض فيه أطراف فاعلة من المعارضة السورية، أي تعاون مع الخارج تحت حجة إسقاط النظام الدكتاتوري، فإن المعارضة الكردية لا تخفي نواياها وهذا ما عودنا عليه الخطاب القومي الكردي الذي لا يجامل في هذا المجال كما يقول زعيم حزب آزادي في إطار تعليقه على نتائج مؤتمر واشنطن، حيث يقول إن "العبرة ليست في الكلام، العبرة في الأفعال، نحن صريحون وخطواتنا موزونة ولا نسبق الزمن، وعندما يقدم لنا الدعم الخارجي لكل حادث حديث".

من جهة أخرى، يبدو لقارئ توصيات المؤتمر، أن الخطاب السياسي الكردي السوري إن جاز التعبير، يقيس بحرفية على التجربة الكردية في العراق، فالتحالف الكردي-الأميركي ضروري لإسقاط النظام، والأهم بعد ذلك، الإقرار بحق الشعب الكردي في "تقرير مصيره" والاعتراف بالشعب الكردي بوجوده على أرضه التاريخية، واعتبار القضية الكردية في سوريا قضية أرض وشعب.

إن حق تقرير مصير الأكراد، يندرج في إطار دعوة انفصالية، صمّت المعارضة السورية أذنيها عنها حتى الآن في إطار مساعيها إلى توسيع جبهتها المعارضة للنظام، وهذه الدعوة لا يمكنها أن تتحقق إلا بإسقاط النظام وتحقيق الوعود الأميركية للأكراد باقتطاع جزء من الأراضي السورية للشعب الكردي.

مرارا، كنا قد نبهنا أطرافا في المعارضة الوطنية السورية إلى أن ما يسمى بأرض كردستان السورية، أو غربي كردستان التي تمتد حسب الخرائط الكردية من الحدود العراقية إلى الداخل السوري على طول الشريط الحدودي المحاذي لتركيا وصولا إلى مدينة رأس العين السورية، وبعمق 10كم، لا يزيد عن كونه متخيلا جغرافيا كرديا، يعززه المتخيل القومي عند الأكراد الذي تنخدع به المعارضة السورية التي تجهل حق واقع الجزيرة السورية بعربها وأكرادها.

"
واقع الحالة الوطنية السورية التي لا تربط الوطن بالسلطة، ترى في سلوك جزء من المعارضة الكردية ارتهانا للخارج واندراجا في أفق المساعي الضاغطة على سوريا، مما يضعف مصداقية خطاب المعارضة الكردية ويحكم عليه بالفشل
"
فالخطاب القومي الكردي يميل إلى تضخيم عدد الأكراد في سوريا إلى المليونين ونصف المليون نسمة، وتذهب بعض الخطابات المتطرفة الكردية إلى القول بوجود 5.3 ملايين كردي في سوريا، في حين أن الدراسات الموضوعية، وأشير إلى دراسة غسان سلامة عن "الدولة والمجتمع في المشرق العربي" كذلك تقديرات جوناثان راندل في كتابه "أمة في شقاق: دروب كردستان كما سلكتها" والذي يبدي فيه حماسة كبيرة للأكراد وقضاياهم، ترى أن عدد الأكراد السوريين يتراوح بين 850 ألف شخص عند غسان سلامة، وما يقارب المليون كما يرى راندل.

وسوف آتي بمثال حي آخر يشهد ببطلان المتخيل القومي والجغرافي في خطاب سياسي كردي شيمته الهروب إلى الإمام. ففي الجزيرة السورية التي تقتطعها الخرائط الكردية على أنها "غرب كردستان" يعيش ما يقارب المليون وربع المليون من المواطنين، أكثر من 850 ألف منهم من العرب والسريان والأرمن الذين يسكنون الجزيرة منذ آلاف السنين، في حين لا يصل عدد الأكراد إلى 400 ألف كردي.

من جهة أخرى، يمكن القول إن خريطة غرب كردستان تنخرم في شريطها الضيق ليبلغ عرضها في بعض المناطق ما لا يزيد عن 200 متر، والسؤال هو أين هي أرض كردستان التاريخية؟

لا يعني هذا إنكارا للحقوق السياسية والديمقراطية للأكراد، ولا نقصانا لحقهم في المواطنة التامة، ولا تجاهلا لقضاياهم العالقة في بيروقراطية السلطة، ولكن هذا يهدف إلى اتقاء خطاب الفتنة الكردي الذي لا ظهير له في الواقع سوى الاحتماء بالولايات المتحدة الأميركية كما يشهد على ذلك هذا المؤتمر.

وهذا من شأنه أن يضعف من مصداقية هذا الخطاب في الواقع السوري، ويحرج قوى المعارضة الوطنية السورية، صحيح أن بعض قوى المعارضة في الخارج حضرت المؤتمر وأيدت توصياته وجاملت كثيرا في هذا المجال، كما جاء في رسالة نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام إلى المؤتمر، وهذا ما دفع الخطاب الكردي لوسمها بالمعارضة الحقيقة، تمييزا لها عن معارضة زائفة لا تزال ترفض الاستعانة بالأجنبي كما يقول الخطاب الكردي.

إلا أن واقع الحالة الوطنية السورية التي لا تربط الوطن بالسلطة، ترى في سلوك المعارضة الكردية، وليس كل المعارضة الكردية، ارتهانا للخارج واندراجا في أفق المساعي الكردية الضاغطة على سوريا، مما يضعف مصداقية خطاب المعارضة الكردي ويحكم عليه بالفشل، حتى لا نقول الخيانة.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة