كسر الهوان مقدم على كسر الأقدام   
الأحد 18/2/1429 هـ - الموافق 24/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:27 (مكة المكرمة)، 6:27 (غرينتش)


علي الحمادي

في الوقت الذي تعاني فيه الأمة من الوهن والضعف والخلاف والشقاق، وفي ظل الخذلان الكبير للشعب الفلسطيني العربي المسلم المجاهد، وفي زمن تتمزق فيه أشداق الزعماء فرحا وطربا عند الالتقاء ببوش أو أولمرت.. في ظل هذا الوضع المؤلم والمؤسف يخرج علينا معالي وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بتصريحات غريبة في وقت حساس تمر به القضية الفلسطينية، يهدد فيها بكسر أقدام أي فلسطيني يعبر الحدود المصرية، ويصف صواريخ المقاومة بأنها مضحكة وكاريكاتيرية..

"
التهديد بتكسير أرجل وأطراف أناس جائعين محاصرين أجبرتهم الظروف القاهرة على الاستجارة بشقيقتهم الكبرى، لغة لا علاقة لها بالدبلوماسية ولا بالموروثات المصرية الإسلامية والقبطية على حد سواء
"
إن مثل هذه التصريحات تثير في الأذهان مجموعة من التساؤلات المشروعة والتي منها:
لماذا يتم استخدام مثل هذه التصريحات القاسية العنيفة، وكأننا أمام عدو مفترس جاء ليحتل بلادنا، وينتهك أعراضنا، ويدنس مقدساتنا، لا أمام إخوان لنا مضطهدين معذبين وجائعين ومخذولين من قِبَلِنَا؟

لماذا لا نسمع مثل هذه التصريحات توجه للعدو الصهيوني المنتَهِك لمقدساتنا والقاتل لإخواننا والمحتل لبلادنا؟ أليست هذه التصريحات لا تمت بصلة إلى مشاعر المسلمين المتعاطفة كل التعاطف مع معاناة إخوانهم في غزة؟

أليس مثل هذه التصريحات فيه استعداء صارخ لمليار ونصف مليار من المسلمين تلقوها بألم كبير وغضب شديد؟

أليس الأَوْلَى من هذه التصريحات أن يتم الالتزام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"؟

إن نصرة أهلنا في فلسطين واجبة، وليست إسهاما ولا مساعدة يقدمها البعض أو يحجم عنها، والله تعالى يقول "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر".

وروى الإمام أبو داود عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تُنتهك فيه حرمته، ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع يُنتقص فيه من عرضه، وتُنتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته".

إن التهديد بتكسير أرجل وأطراف أناس جائعين محاصرين، أجبرتهم الظروف القاهرة على الاستجارة بشقيقتهم الكبرى، لغة لا علاقة لها بالدبلوماسية ولا بالموروثات المصرية الإسلامية والقبطية على حد سواء.

فديننا الحنيف وقرآننا الكريم حثا المسلمين على حماية كفار مكة، إذا ما استجاروا بهم، وعدم إيذائهم، وإكرام وفادتهم، ولا نعتقد أن أهل غزة الذين يقاومون الاحتلال الإسرائيلي ويدافعون عن شرف الأمة وكرامتها ومقدساتها هم أدنى من كفار مكة حتى يتم استخدام مثل هذه العبارات معهم.

هذا الطريق وما سواه وساوس
ترضي الجبان وتصنع الأعذارا
عظمت عليهم في الجهاد مطالب
فاسترخصوها خطبة وشعارا

وليس من حق معالي الوزير أن يسخر من الصواريخ الفلسطينية بدعوى أنها تسقط في الصحراء، فإن الله أمرنا في كتابه أن نعد لأعدائنا ما استطعنا، ولم يكلفنا أن نعد لهم ما هو خارج عن إمكاناتنا أو قدراتنا، بل جعل الله تلك الاستطاعة مرهبة لأعدائه ومخيفة لهم. فقال عز وجل "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".

فالسخرية من جهاد الفلسطينيين وصواريخهم ووصفها بأنها كاريكاتيرية ومضحكة أمر معيب في كل القواميس السياسية والدبلوماسية والأخلاقية؛ لأن مثل هذه السخرية لا يليق برجل ينتمي إلي بلد حارب الاستعمار البريطاني بالعصي والبنادق البدائية حتى حرر بلاده.. بلد خاض أربع حروب من أجل قضية عربية إسلامية عادلة، وقدم الآلاف بل عشرات الآلاف من الشهداء.

ويحق لنا هنا أن نتساءل: هل الحكومات العربية عرضت على الفلسطينيين المدافعين عن الأقصى صواريخ كروز وتوماهوك وسكود ورفضوها، وفضلوا التمسك بهذه الصواريخ البدائية التي يُصنِّعونها بسبب الحاجة التي هي أم الاختراع؟

"
بعض الكتابات في الصحافة الصهيونية جعلت ما يقوم به الفلسطينيون في غزة حقا مشروعا، في حين أن بعض وسائل الإعلام العربية قامت بحملة تشهير وهجوم على المقاومة الفلسطينية مدعية أن حماس خطر على الأمن القومي العربي والمصري
"
لقد اكتفت الحكومات العربية، وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، بتزويد الفلسطينيين بمبادرات السلام والمشاركة في الحصار الخانق ضدهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وسمعنا للأسف أصواتا من داخل بعض الدول العربية تتباهى بأنها دمرت أكثر من سبعين نفقا على حدود قطاع غزة لمنع تهريب الأسلحة للفلسطينيين.

والمفارقة العجيبة هي أن بعض الكتابات في الصحافة الصهيونية جعلت ما يقوم به الفلسطينيون في غزة حقا مشروعا، فالمفكّر والكاتب الصهيوني يوفال البيشان كتب في صحيفة معاريف في عددها الصادر 2/2/2008 مقالا اعتبر فيه أن ما قام به الفلسطينيون في غزة أمر طبيعي.

وقال "من تأمّل حقا، وسمع أصوات أولئك الناس البسطاء، رأى حقيقة إنسانية بسيطة مفادها: أنه لن يوجد أبدا سور يستطيع أن يوقف إنسانا يقرقر بطنه ولا يوجد لديه شيء يخسره، حتى لو كان ذلك جدارا أشدّ إحكاما، وإلى جانبه كتائب وجنود ذوي خبرة.. وعندما يفقد الإنسان كل أمل في أن يحسن حياته فإنه يتحرّك في الطريق إلى المكان الذي يلوح له أنه الحل الوحيد لضيقه، فالضرورة قوة باعثة عظيمة، ولا يحلّ نسيان هذا الدرس".

والظاهرة اللافتة للنظر، والتي ربما غابت عن أذهان الكثيرين هي أن هؤلاء الجياع المحاصرين عندما اندفعوا بمئات الآلاف بعد كسر بوابة سجنهم، لم يقدموا على أية أعمال سلب ولا نهب للمحلات التجارية في الجانب الآخر من الحدود، رغم ظروفهم المعيشية الصعبة، ورغم الأسى الهائل الذي بداخلهم.

إخواننا في قطاع غزة تصرفوا بطريقة حضارية مسؤولة رغم التعامل القاسي معهم، لقد ذهبوا إلى المحلات المصرية، ودفعوا أثمان البضائع التي اشتروها نقدا، مع أن بعضها تضاعف ثلاث أو أربع مرات بسبب الإقبال الشديد وقلة المعروض.

مدن كثيرة، عربية وأجنبية، بعضها في عواصم أوروبية متحضرة، شهدت اضطرابات مماثلة وفلتانا أمنيا كبيرا لأن المتظاهرين لم يلتزموا بالقانون؛ فمثلا في لوس أنجلوس نهبوا المحلات التجارية أمام عدسات التلفزة، وفي ضواحي باريس جرى إحراق المحلات التجارية والسيارات، رغم أن هؤلاء لم يكونوا مُحاصَرين ولا مُجوَّعين، ويعيشون في ظروف أفضل بعشرات المرات من ظروف أبناء قطاع غزة.

كل هذا يدل على الحب الكبير الذي يكنه أبناء هذا الشعب لمصر، والحرص الذي يظهرونه في كل مناسبة على أطيب العلاقات معها، باعتبارها القاطرة الحقيقية للأمة العربية، فهم ينظرون إليها كسند وشقيقة كبرى، قدمت لهم وللعرب الآخرين الكثير من الدعم والتضحيات، قبل أن يغير العصر الصهيوأميركي كثيرا من النفوس والمواقف والمعادلات الإقليمية.

إن تصريحات المسؤولين الفلسطينيين حملت كل إعزاز وتقدير لدور الشعب المصري تجاه الفلسطينيين، ففي أحد تصريحاته قال وزير الصحة الفلسطيني الدكتور باسم نعيم "لقد كانت الوقفة الأصيلة من أبناء الشعب المصري هي خير رد فعل استقبلناه".

وأضاف الوزير الفلسطيني "
"
أيهما أولى بالاهتمام، كسر الهوان الذي أصاب أمتنا وضيع مقدساتنا وجعلنا في أرضنا كالغرباء وكالأيتام على مائدة اللئام، أم كسر أقدام شعب مجاهد مصابر أراد أن يكسر قيده ويحطم أغلاله ويمتلك حريته ويتحرر من ربقة الاحتلال؟
"
رأينا العشرات منهم يدخلون القطاع يحملون المساعدات ولو على مستوى فردي، ورأينا كيف يقتطعون من قوت يومهم للتبرع من أجل إخوانهم المحاصرين، ويبكي أحدهم بكاء شديدا حتى يستطيع الدخول إلى غزة؛ حيث إخوانه المرابطون المجاهدون الصابرون، وهذا كله ليس غريبا على أهل مصر الذين اعتدنا عليهم أنهم أصحاب شهامة ورجولة، وحينما أُتيحت لهم نافذة ولو صغيرة للمشاركة في نجدةِ الشعب الفلسطيني لم يتأخروا".

إن تشهير بعض وسائل الإعلام وهجومها على المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والادعاء بأن حماس خطر على الأمن القومي العربي والمصري، هو ادعاء مرفوض وبائس وشائن؛ ذلك لأن قضية الأمن القومي العربي والمصري أبعد من أن تقارب عبر معارك أيديولوجية يهدف فيها كل طرف إلى شيطنة خصمه تمهيدا لتصفيته، كما يفعل الرئيس أبو مازن الذي وصل به الأمر إلى التحريض على حماس عربيا ودوليا باتهامه لها بإيواء القاعدة في غزة، وهو الاتهام الذي لم تجرؤ على التفكير فيه إسرائيل نفسها لسطحيته وتجاوزه لأبسط الحقائق والمعلومات على الأرض.

كما أن مفهوم الأمن القومي العربي والمصري صار بحاجة إلى تطوير يعطيه من المرونة والسعة ما يسمح باستيعاب القوى الإسلامية المعتدلة مثل حماس، فهذه القوى متجذرة في الوعي والثقافة العربية، والتطورات الأخيرة في رؤاها وممارساتها السياسية، إضافة إلى استقامتها وحساسيتها تجاه التحديات التي تواجه الأمة؛ كل ذلك يدعو إلى الإسراع في استيعابها ضمن منظومة الأمن القومي العربي.

إن إستراتيجية عربية في التعامل مع حماس، تستحضر المصالح العربية العليا وتستعلي على الخلافات الحزبية الضيقة، يمكن أن تجعل من حماس قيمة مضافة للأمن القومي العربي، لا تهديدا له كما يدّعي البعض.

ونحن هنا نتساءل: أيهما أولى بالاهتمام، كسر الهوان الذي أصاب أمتنا وضيَّع مقدساتنا وجعلنا في أرضنا كالغرباء وكالأيتام على مائدة اللئام، لا نملك قرارنا لأننا لا نملك خبزنا، أم تكسير أقدام شعب مجاهد مصابر أراد أن يكسر قيده ويحطم أغلاله ويمتلك حريته ويتحرر من ربقة الاحتلال؟

ولماذا تُكْسر أقدامهم؟ هل هم الذين حاربونا واحتلوا ديارنا ونهبوا ثرواتنا ودنسوا مقدساتنا وقتلوا أسرانا؟ ثم كيف طابت نفوسنا، واستطاعت هذه الكلمات الظالمة أن تخرج من أفواهنا، ونحن نستأسد على إخواننا وفلذات أكبادنا وحماة مقدساتنا ورأس حربتنا؟

ولماذا قست قلوبنا على بعض أمتنا الجريحة والمسلوبة والمهددة والمحتلة؟ أمن أجل لقمة عيش أرادوا بها تقوية أجسادهم المنهكة، أم من أجل علبة دواء تكون سببا في شفاء طفل أصابته يد الغدر الصهيونية الآثمة، أم من أجل شعاع ضوء يسترشدون به في حرب عدو يمطرهم بنيرانه وقنابله المحرمة دوليا صباح مساء؟

بات الهوان مرادفا لهواني
يا أمتـي إنـي أراك تُهاني
يا أمتي مالي أراك ضعيفة
أيـن المهنَّد أيـن لمع يماني؟
يا أمتي هل لا يعود زماننا
ذاك الزمان الفذ في الأزمان؟

ورحم الله الشيخ محمد الغزالي عندما قال "إن الفجر سيطلع حتما، ولأن يطوينا الليل مكافحين أشرف من أن يطوينا راقدين"

ولله در القائل:
من يَهُن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميّتٍ إيلام
__________________
كاتب إماراتي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة