فلسطين.. التخلي عن نهج الحسم السياسي والعسكري   
الخميس 1428/6/6 هـ - الموافق 21/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:32 (مكة المكرمة)، 9:32 (غرينتش)


منير شفيق

ثمة مجموعة من الأبعاد تفرض نفسها عند تناول ما حدث ويحدث في قطاع غزة والضفة الغربية وامتداداته المتشعبة. ففي لحظة واحدة تداخل التاريخ الحديث لتطور ألوان الصراعات الفلسطينية ليفسر ما الذي حدث، لأنه في كل الأحوال جاء تتويجا لتلك الصراعات ولم يهبط فجأة هكذا.

وفي اللحظة نفسها تداخلت إشكالات الوضع العربي والصراعات العربية وسياسات كل دولة في ذلك الذي حدث، وهو ما عبّر عن نفسه بداية في اجتماع وزراء الخارجية العرب (الاجتماع الطارئ الذي عقده مجلس الجامعة العربية)، ثم في ما تلاه من مواقف لهذه الدولة أو تلك، أو عدم إعلان موقف.

"
جوهر الخلاف/الانقسام بين حماس وفتح نبع من اختلاف سياسي متعدد الأوجه, وكان الأمر كذلك في الخلاف الذي وقع داخل فتح إزاء صلاحيات عرفات الذي تدخل في الانتفاضة والمقاومة بينما الطرف الآخر كان ضد ما أسماه "عسكرة الانتفاضة"
"
وفي اللحظة نفسها تدّخلت فورا وقبل الجميع الإدارة الأميركية ومعها ومن بعدها أوروبا والرباعية وبالطبع الدولة العبرية، فحددت مواقف وأطلقت تصريحات واتخذت قرارات، بما فيها الإعلان عن فك الحصار وتقديم المساعدات لـ"حكومة إنفاذ حالة الطوارئ".

وأخيرا وليس آخرا كان التدخل الشعبي الفلسطيني العربي الإسلامي ليطلق ألوانا من المشاعر والتعبير. وقد اختلطت فيه الدموع بالقلق والأسى مما حدث والخوف من الآتي.

أما النخب عموما والقوى الشعبية السياسية خصوصا، فقد اشتبكت مواقفها امتدادا بمواقفها وانحيازاتها السابقة مع نقد هنا وهناك لتفاصيل يصعب الدفاع عنها. وهذا ما ينطبق أيضاً على وسائل الإعلام ومراسليها ومن استدعتهم للتعليق على الأحداث.

ما حدث من انفجار للصراع الفلسطيني جاء تتويجاً لحدثين حكما الوضع الفلسطيني الداخلي خلال السنوات الثلاث الماضية. فالبداية كانت مع محاصرة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات في مقره برام الله من قبل الجيش الإسرائيلي وبدعم أميركي مباشر، وبمواقف أوروبية وعربية لم تبدأ متطابقة مع الموقف الأميركي الإسرائيلي، ولكنها لم تقف إلى جانبه لفك الحصار عنه، بل أسهمت في الضغط عليه.

والأهم هو ما وقع من انقسام في المواقف "الفتحاوية" إزاء تقليص صلاحياته ودوره وتحويله إلى مجرد "رمز" للتوقيع على الاتفاقيات (تغطيتها) بينما نقلت إلى رئيس الوزراء آنذاك محمود عباس تلك الصلاحيات وذلك الدور.

ياسر عرفات قاوم بكل ما أوتي من قوة هذا التوجه الدولي العربي الفتحاوي. والكل يذكر ما حدث من نزول قوات الأمن الوقائي في قطاع غزة للتظاهر بالسلاح ضده، كما يذكر ما حدث من تجاذبات داخلية وصلت إلى استخدام السلاح ولو على مستوى فردي وضيق.

هذا الصراع انتهى إلى تعديل النظام الأساسي بانتزاع عدد من الصلاحيات السابقة التي كان يعطيها للرئيس، وقد عزز صلاحيات رئيس الوزراء والمجلس التشريعي. والأهم من ذلك أنه انتهى برفع الغطاء عن عرفات مما سمح لشارون باغتياله وسقوطه شهيدا.

ومن هنا لا يمكن قراءة الوضع الراهن في قطاع غزة والضفة من دون الرجوع إلى ذلك الصراع ونتائجه لا سيما داخليا على فتح، وعلى الانتخابات التشريعية التي فازت بها حماس. وأدت إلى تشكيل وزارة برئاسة إسماعيل هنية. وهذا هو الحدث الثاني.

لقد نجم عن تقاسم الصلاحيات بين رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس الوزراء كما تقرر في النظام الأساسي المعدّل صراع بين شرعيتين مثلت فتح أولاهما عبر الرئيس الفلسطيني المنتخب محمود عباس، والثانية حماس عبر أغلبيتها الكبيرة في المجلس التشريعي والحكومة.

"
السياسات الأميركية الإسرائيلية وبعض السياسات الأوروبية دخلت لتذهب بالصراع الفلسطيني إلى منتهاه وللحيلولة دون عودة التعايش بين الشرعيتين والتفاهم بين الحركتين، وللأسف راحت تجد في الداخل الفلسطيني سمّاعين لها
"

والمدهش أن الشرعية الأولى استندت دستوريا إلى كل ما رفض الشهيد ياسر عرفات تسليمه لرئيس الوزراء بينما استند المجلس التشريعي والحكومة دستوريا إلى كل ما انتزع من صلاحيات عرفات في النظام الأساسي المعدّل.

وهذا التنازع بين شرعيتين (فتح وحماس) هو الذي تطور من حيث الشكل إلى ما حدث الآن من انقسام حول إقالة حكومة الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة إنفاذ حالة الطوارئ.

لكن جوهر الخلاف/الانقسام في الموقف نبع من اختلاف سياسي متعدد الأوجه, وكان الأمر كذلك في الخلاف الذي وقع داخل فتح إزاء صلاحيات عرفات وإن كان البعد السياسي لم يظهر إلى العلن كما ظهر بين حماس وفتح. لكنه وراء حصار عرفات الذي تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة (سراً) في الانتفاضة والمقاومة بينما الطرف الآخر كان ضد ما أسماه "عسكرة الانتفاضة".

وهذا يفسّر لماذا تحسنت العلاقات وتواصلت الاتصالات في الأشهر الأخيرة قبل اغتيال عرفات بينه وبين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل. وكان قد سبق ذلك تعزيز العلاقات بينه وبين زعيم حركة حماس ومؤسسها الشهيد أحمد ياسين.

الصراع بين الشرعيتين بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة دار في أساسه حول الأجهزة الأمنية. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من الاشتباكات المسلحة الأمر الذي أثار مشكلة كبرى في وجه الديمقراطية الفلسطينية التي أجرت انتخابات حرة ونزيهة.

ويرجع الفضل الأول في ذلك إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكنه امتنع عن تدوير الصلاحيات الأمنية أو توجيه الأجهزة الأمنية إلى وزارة الداخلية.

هذا الصراع بين الشرعيتين مع عدم إغفال البعد السياسي والتدخلات العربية والدولية والحصار المالي التجويعي الذي ضرب على الشعب الفلسطيني لإسقاط حكومة حماس وإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، هو العامل الذي راح يفعل فعله في ما حدث من اقتتال فلسطيني كسر نبذ الاقتتال وتحريم الدم الفلسطيني.

والأخطر أنه راح يراكم طوال أشهر الأحقاد والجراح في الجانبين مع كل قطرة دم تسفك وكل اعتداء يحدث.

وأخطر من ذلك أن كل محاولات العودة عن هذا المسار عبر التوافقات لوقف إطلاق النار وعدم اللجوء إلى السلاح لم تمنع من تكرار الاقتتال، فقد كان هنالك إصرار على إسقاط حكومة حماس وإصرار من جانب حكومة حماس على التمسك بالشرعية الانتخابية التي منحها إياها المجلس التشريعي.

فهذا المسار -اقتتال ثم اتفاق لوقفه ثم اقتتال- وصل قمته مع اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية لكي يوضع له حد. وقد تفاءل الكثيرون خيرا. ولكن إرادة الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية وإلغاء اتفاق مكة أعادت الاقتتال في قطاع غزة من جديد.

وهنا تدخلت المحاولة المصرية لرعاية حوارات جديدة بين الفصائل للوصول إلى اتفاق جديد، لتصبح بدورها أمام تكرار معادلة "اقتتال فاتفاق فاقتتال". وهكذا حتى وصل الأمر إلى الحسم الذي كانت فيه الغلبة للقوة التنفيذية التابعة لحماس مما أوصل صراع الشرعيتين إلى نقطة الحسم التي ووجهت بعد الحسم العسكري في قطاع غزة بحسم سياسي عسكري عبر إقالة حكومة الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة إنفاذ حالة الطوارئ.

"
حماس غير قادرة على إنهاء فتح ولا فتح بقادرة على إنهاء حماس, والتعايش والتفاهم بينهما لا مفر منه، وإلا كان الصراع اللامتناهي والفوضى الدائمة، والجراح النازفة والخسارة المحتمة لكليهما
"
وهكذا وصل الوضع الداخلي إلى ما يشبه وضع اللارجعة. وقد راح يغذّي هذه المعادلة التي يجب ألا يسمح بتكريسها ما حدث من ارتكابات في ما دار من اقتتال بين كل من القوات العسكرية التابعة لحماس وفتح في قطاع غزة والضفة الغربية.

وهو ما تجاوز ضراوات المواجهات العسكرية الميدانية ليصيب الآمنين ويقتل بالدم البارد ويعتدي على البيوت والمكاتب.

الأمر الذي صاحبته استفزازات سياسية ومعنوية راحت الصورة المنقولة بالتلفزيونات والصحف والمجلات والإنترنت تعبئ بها في كل اتجاه، لتوظف سياسيا في خدمة الذين يريدون تكريس حالة اللارجعة بين فتح وحماس.

هنا دخلت الأبعاد الأخرى وأولها السياسات الأميركية الإسرائيلية وبعض السياسات الأوروبية لتذهب بالصراع الفلسطيني إلى منتهاه وللحيلولة دون عودة التعايش بين الشرعيتين والتفاهم بين الحركتين. وللأسف راحت تجد في الداخل الفلسطيني سمّاعين لها.

اجتماع مجلس الجامعة العربية جاء متوازنا إلى حد بعيد وكانت المفاجأة التجرؤ على رفضه من جانب ياسر عبد ربه واعتباره تدخلا في الشأن الداخلي الفلسطيني. وهذا الاتجاه يجب عزله تماما وعدم السماح له بالصيد في الماء العكر، وذلك لأن التدخل العربي بمختلف أشكاله يجب أن يتجه إلى رأب الصدع وإنقاذ الموقف وعدم السماح بتكريس سياسات اللاعودة عن الحسم النهائي.

إن موقف تجاوز الأزمة ولملمة الجراح والعودة إلى الحوار ورفض سياسات الحسم العسكري والسياسي سواء أكان في قطاع غزة أم في الضفة الغربية، وإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإغلاق الباب في وجه التدخلات الأميركية الإسرائيلية وعزل الأصوات التي تتجاوب معها، هو ما يلتقي مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني وفي المقدمة فتح وحماس والشرعيتين وكل الفصائل والغالبية الساحقة من المستقلين.

وفي هذا مصلحة عليا أيضا لكل الدول العربية لو حسب جيدا ما يمكن أن يحدث إذا بقيت النار الداخلية الفلسطينية مشتعلة لتسود الفوضى وكل ألوان الضربات الخبيثة تحت الحزام.

والأهم أن موقف لملمة الجراح والعودة إلى الحوار والتعايش والتفاهم يلتقي مع مقاومة الاحتلال وردع المشروع الإسرائيلي الأميركي الساعي إلى تصفية القضية الفلسطينية وإقامة شرق أوسطية تحت الهيمنة الإسرائيلية الأميركية. وفي هذا مصلحة عليا للشعوب العربية والإسلامية التي تتمزق ألما الآن وهي ترى ما يحدث من صراع دموي فلسطيني.

هذه السياسة هي التي يجب أن تسعى إليها حماس وفتح وكل القوى الشعبية فلسطينيا وعربيا وإسلاميا. فليس هنالك حالة في الظرف الفلسطيني اسمها اللارجعة أو عدم إمكان التجاوز.

وإلى جانب كون هذه السياسة هي الصحيحة يجب أن يقتنع الجميع بأن الحسم السياسي والعسكري غير ممكن مع وجود الاحتلال وما يفعله في فلسطين، وهو غير مقبول في كل الأحوال.

"
ما دام هنالك اغتصاب لفلسطين واحتلال وعدو صهيوني ستظل هنالك قضية فلسطينية حية مقاومة لا تخبو ولا تهزم، وإلا لما وصلت إلى فتح وحماس، وستبقى بعدهما
"
فلا حماس قادرة على إنهاء فتح ولا فتح بقادرة على إنهاء حماس. فالتعايش والتفاهم بينهما لا مفر من منه، وحتى الوحدة الوطنية والعمل المشترك لا بد منهما كذلك. وإلا كان الصراع اللامتناهي، والفوضى الدائمة، والجراح النازفة، والخسارة المحتمة لكليهما.

تبقى نقطتان، الأولى هي أن ما يحدث في فلسطين الآن يدخل بشكل أو بآخر في الإطار نفسه الذي يحدث في لبنان والعراق وفي ما يحدث من انقسامات داخلية على مستوى البلاد العربية.

الأمر الذي يوجب أن تتحول حماس وفتح إلى نموذج في حل الخلافات الداخلية والخروج من وهدة الانقسامات التي لا يفيد منها غير أعداء الأمة.

أما النقطة الثانية، فهي أن هناك من قال إن ما جرى من اقتتال فلسطيني "ضرب آخر مسمار في نعش القضية الفلسطينية". وقد نسي أصحاب هذا القول أن القضية الفلسطينية تبقى فوق أية صراعات داخلية، وهي عابرة للأجيال تحملها من جيل إلى جيل حتى التحرير الكامل.

فالاقتتال والانقسامات الحادة عرفتهما كل مراحل القضية الفلسطينية كما عرفتهما تجارب الشعوب الأخرى، ومع ذلك بقيت القضية الفلسطينية كما بقيت القضايا العادلة.

فما دام هنالك اغتصاب لفلسطين واحتلال وعدو صهيوني ستظل هنالك قضية فلسطينية حية مقاومة لا تخبو ولا تهزم، وإلا لما وصلت إلى فتح وحماس وستبقى بعدهما. فهي قضية الأجيال وقضية الأمة. فلماذا هذا التوظيف لما يحدث من اقتتال وانقسامات؟
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة