ضبابية المشهد السوري   
الاثنين 1432/4/24 هـ - الموافق 28/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)


تحتاج قراءة الحالة السورية إلى كثير من التروي وقليل من الاندفاع، الصورة لم تكتمل حتى اللحظة، وهي تنطوي على طاقات متنازعة وكثيرة، وتفاصيل المشهد السوري تتوالد كل يوم بحيث تلتحق بالحالة تفاصيل أخرى للمشهد، بعضها لم يكن مرئيا وبعضها الآخر يزيد الصورة التباسا ويجعل من قراءتها أمرا معقدا.

لكن المؤكد أن حزمة التفاصيل المتناثرة في المشهد السوري تندفع باتجاه تشكيل سياق عام للحالة لن يتأخر ظهوره بفعل التطورات المتسارعة والمواقف الآخذة بالتوضيح.

"
أدت الأحداث التي شهدتها سوريا إلى ظهور حالة من الاستقطاب والفرز للمواقف والقوى بدأت تعبيراتها تظهر من خلال تصوير الخطاب الرسمي السوري للأحداث على أنها نوع من الفتنة الطائفية
"
وقد أدت الأحداث التي شهدتها سوريا، في الأيام العشرة الأخيرة، إلى ظهور حالة من الاستقطاب والفرز للمواقف والقوى بدأت تعبيراتها تظهر من خلال تصوير الخطاب الرسمي السوري للأحداث على أنها نوع من الفتنة الطائفية، وأن ما يقوم به بعض المتظاهرين يتعدى كونه نوعا من أنواع الاحتجاج المطلبي، إلى اعتباره نمطا من الفتنة التي يراد بها ضرب اللحمة الوطنية.

وقد تعزز هذا الموقف الرسمي إثر إقدام النظام في سوريا على طرح حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، يعتقد أنها يجب أن تشكل سقفا للحراك لا يجوز تجاوزه، وخاتمة لما يمكن الاستجابة له من مطالب.

في الجانب المقابل، بدا أن هذه الاستجابة في نظر الكثيرين، على الأقل من الذين تظاهروا، من النوع الذي تخطاه الزمن، وأن سقف المطالب بات أعلى منها بكثير، وتحاجج هذه القوى (إن جاز تسميتها بذلك)، أن مطالبها لم تعد تنحصر بالجانب المطلبي وبعض التحسينات الاقتصادية، بل تجاوزتها إلى إصلاح الصيغة السياسية برمتها.

وهذه تشتمل على العديد من المطالبات، من نوع: إلغاء قانون الطوارئ، وتعديل المادة الثامنة من الدستور التي تجعل من حزب البعث قائدا للدولة والمجتمع، وتحديد صلاحيات رئيس الجمهورية، وإصدار قانون لتنظيم الحياة الحزبية، وأن تناقش هذه الأمور على طاولة رسمية تجمع النظام والأحزاب والقوى المعارضة وممثلين عن المجتمع المدني.

بناء على هذه الصورة للوضع السياسي المتشكل للتو في سوريا، ثمة سؤال بات يطرح نفسه اليوم وهو: هل تستطيع القوى التي تقف وراء الحراك الدفع بخيارها هذا إلى أقصاه، والضغط على النظام لإنجاز هذا المطلب؟ وما الأوراق التي تمتلكها لتحقيق كل ذلك؟ وكذلك، هل يمتلك النظام السياسي السوري المرونة الكافية التي تجعله يستجيب للمطالب الآتية من بيئته الداخلية، خاصة في ظل وجود اعتراف رسمي بشرعية بعض هذه المطالب وليس كلها، أم أن تركيبة النظام السياسية والأمنية غير قادرة على التكيف مع هذه المطالب، التي من شأنها تعريض بنيته لمخاطر حقيقية؟

في الإجابة على السؤال الأول، يقر بعض العارفين للشأن السوري، وكذا بعض النشطاء السياسيين والمعارضين، بخصوصية وتفرد الحالة السورية، وتميزها عن نظيراتها في العالم العربي، وذلك باعتبار أن اللوحة الفسيفسائية السورية تنطوي على 18 مكونا طائفيا وعرقيا، وهذه المكونات، وإن اتفقت على نهائية سورية وطنا لها، فإنها تحمل بين ظهرانيها تمايزات عدة، خاصة في التفاصيل الخاصة بكل مكون، لذا فإن فرط الصيغة السياسية الحالية، وإعادة تكوينها من جديد، قد لا يضمن توافقا على أمور عديدة، ويعرض تاليا الوحدة الوطنية للبلاد لأخطار هي في غنى عنها، وبحسب أصحاب هذا الرأي، فإن علاج هذه الإشكالية يحتاج إلى نقاش وطني جامع ينتج عنه صياغة عقود اجتماعية ضامنة.

وبعض هؤلاء، وإن كان يؤيد الحراك المجتمعي السلمي الذي من شأنه تقوية الأوراق التساومية في مواجهة السلطة، فإنهم يريدونه حراكا مضبوطا بأدوات محددة وسقوف متفق عليها، خشية الانزلاق إلى مخاطر غير محسوبة.

"
الحراك السوري يستبطن في داخله ضعفا واضحا يتمثل في عدم الاتفاق على منطلقات وطنية شاملة، ومن شأن ذلك التأثير في مسار هذا الحراك وكينونته ومآلاته
"
لقد ظهر هذا الاتجاه واضحا في سوريا لدى العديد من المكونات، نتيجة بعض التحولات التي شهدها المجتمع السوري في السنوات الأخيرة، ويرصد أصحاب الرأي المشار إليه حالة التطرف الديني التي ظهرت في البلاد وأخذت تعبيرات ملموسة وواضحة، لذا لم يكن مفاجئا أن الكثير من الشخصيات المحسوبة على المجتمع المدني وذات التوجهات الليبرالية أيدت قرار السلطات بمنع النقاب في الأماكن الرسمية، حتى إن بعضها ذهب أبعد من ذلك حين اتهم السلطات بالتقصير لأنها لا تبادر إلى منع النقاب نهائيا، رغم إقرارها بالحرية الفردية ومطالبتها الدائمة بها!

وفق هذا التحليل، فإن الحراك السوري يستبطن في داخله ضعفا واضحا، يتمثل في عدم الاتفاق على منطلقات وطنية شاملة، ومن شأن ذلك التأثير في مسار هذا الحراك وكينونته ومآلاته.

وأما في الإجابة عن السؤال الثاني، فثمة في سوريا من يقول إن الأحداث التي شهدتها البلاد أوجدت تناقضا بين من يسمونهم بالتيار السياسي في البلاد، الذي يقوده الرئيس بشار الأسد، والتيار الأمني الذي يحتل مكانة هامة في بنية النظام السوري، وهذا التناقض يتأتى من طبيعة المعالجات التي يرتئيها كل طرف للأزمة، ففي حين يرى الرئيس الأسد أن المرونة السياسية والتكيف مع بعض المطالب المشروعة، وكذا الإقدام على بعض الإصلاحات الجريئة، تبدو خيارا صحيحا ومناسبا للمرحلة، كما أنها ترفد النجاحات الهامة التي تحققت في المجال الدبلوماسي لسوريا عبر فك حالة العزلة التي فرضها الغرب على البلد لسنوات طويلة رغم تصديه للضغوط الأميركية القاسية، معطوفا على ذلك مبادرته الإقليمية (ربط البحور الخمسة) التي تعد في أفق أرحب لسوريا.

"
استجاب النظام السوري لبعض المطالب ووعد بمعالجة بعضها الأخر، عسى أن يصار إلى تجاوز هذه الأزمة بأقل الخسائر، أو على الأقل تحقيق الممكن وليس المرغوب فيه
"
ومن هنا جاءت الاستجابة لبعض المطالب، وكذلك الوعد بمعالجة بعضها الأخر، عسى أن يصار إلى تجاوز هذه الأزمة بأقل الخسائر على النظام، أو على الأقل تحقيق الممكن وليس المرغوب في بيئة تتغير اشتراطات الحكم والاستقرار فيها، كما تتغير معادلات القوة، وحتى قواعد اللعبة.

وأما في الجانب الأمني فالواضح من مسار الأحداث أن ثمة رؤية لمعالجة مختلفة، ترتكز على التشدد تجاه الحراك، وترى في الاستجابة لمطالب المتظاهرين نوعا من المسايرة غير المجدية، لأن من شأن ذلك رفع سقف مطالب هؤلاء، أو ربما إرسال إشارة عن ضعف النظام من شأنها أن تؤدي إلى فهم مغلوط يشجع على اتساع رقعة الاحتجاجات وزيادة قوتها وفعاليتها.

وهكذا، فإن الحالة السورية من وجهة نظر فاحصة لاتزال ضبابية، كما أن المشهد برمته لا يزال تحت الصوغ، وثمة مساحات واسعة لم يتسن حتى اللحظة التأكد من وجهة تحركها، التردد والحذر سمتان بارزتان تكللان هذا المشهد، ولكن ورغم كل ذلك لا بد من الاعتراف بأن أحداث درعا استطاعت تحريك الركود السوري، وكسر قاعدة استثنائية الحالة السورية التي حاول الخطاب الرسمي ترويجها في زمن الثورات العربية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة