الربيع العربي.. فخ الإسلاميين   
الأربعاء 1434/2/27 هـ - الموافق 9/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:57 (مكة المكرمة)، 10:57 (غرينتش)



هل كان حقاً ما يظنه الكثيرون من أن تولِّي حركات الإسلام السياسي مقاليد السلطة في كل من تونس ومصر وليبيا هو أمرٌ شكَّل مفاجأةً للإدارة الأميركية، أو جسَّد واقعاً مناقضاً لرغباتها في المنطقة؟ وهل كان الإسهام الأميركي الكبير في دعم المجاهدين الإسلاميين الليبيين وفي إسقاط نظام القذافي، عبر التدخلات العسكرية الحاسمة من قوات حلف الناتو، إسهاماً لم يحسب حساباً لما بعد القذافي؟

السودان هو الدولة العربية التي شهدت أول سابقة لتولي حركة إسلامية مقاليد الحكم بالكامل، في وقت كانت أشواق الحركات الإسلامية العربية جميعها تتواضع عند الأمل في أنظمة حاكمة تدعها وشأنها

ربما كان ما يردده بعض قادة النظام الحاكم في السودان من أن "ربيع السودان" قد سبق ربيع العرب بأكثر من عقدين من الزمان، ربما كان لهذه المقولة مكان على بساط الأمر الواقع، هذا إذا تأملنا جيداً مآلات هذا الربيع، الذي قذف بحركات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، في جميع الدول العربية التي أسفر ربيعها عن شيء (ربما باستثناء اليمن التي أُجهض ربيعها قبيل نهاياته).

فالسودان هو الدولة العربية التي شهدت أول سابقة لتولي حركة إسلامية مقاليد الحكم بالكامل، في وقتٍ كانت أشواق الحركات الإسلامية العربية جميعها تتواضع عند الأمل في أنظمة حاكمةٍ تدعها وشأنها، وتسمح لها، فقط، بمجرد ممارسة السياسة من مقاعد المعارضة المشروعة، ولهذا كانت أبصار جميع الحركات الإسلامية في العالم العربي تتوجه تلقاء السودان غداة توليِّ إسلامييه مقاليد السلطان، في أملٍ وإعجاب عبَّر عن نفسه في أول تجمُّعٍ لقادة الحركات الإسلامية العربية، بل العالمية، شهدته الخرطوم في العام الثاني من تسعينيات القرن الماضي في ما سُمِّي بـ"المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي".

في ذات الوقت، كانت الإدارة الأميركية تنظُرُ إلى الحدثين –حدث تولِّي الإسلاميين السلطة كاملة في السودان، ثم تداعي قادة حركات الإسلام السياسي الأصولي إلى الخرطوم– باعتبارهما كارثة يتوجَّبُ إيقافُها بأي ثمن، فكان التعبير عن القلق الأميركي سريعاً، تمثل في طائفة من الإجراءات الحازمة، ما بين حصار اقتصادي وسياسي، أسهم فيه المحيط العربي المتوجس من "تصدير الثورة الأصولية" إسهاماً فاعلاً، ودعمٍ غير محدود بالمال والسلاح لحركة التمرد الجنوبية، فضلاً عن الدعم السياسي والاحتضان لقوى المعارضة الشمالية.

وهذان أيضاً كان إسهامُ المحيط العربي فيهما بليغاً.. وظل الخطاب الأميركي طوال الفترة حتى مطالع القرن الحالي يفصحُ عن رفضٍ وكراهية لا مداراة فيهما للنظام الحاكم في السودان، بل استخدمت الولايات المتحدة الأميركية، ربما في أول سابقة من نوعها، آلتها العسكرية مباشرة في قصف مصنع "الشفاء" بالخرطوم.

ولكن الموقف الأميركي شهد تغيرات محسوبة –كمِّيَّاً وليس نوعيا– منذ مطالع هذا القرن تجاه حكومة الخرطوم، إذ ابتدع سنة التلويح "بالجزرة" إلى جانب العصا، ويبدو أن النتيجة كانت أكثر جدوى مما حققته العصا منفردةً في السابق، إذ تكشَّف للأميركان أن حكومة الخرطوم، تحت أثقال السَّأم من الكر والفر اللذين لا تبدو لهما نهاية منظورة، قد بدأت تُولي "الجزرة" بعض الاهتمام، وتُبدي "حسن النوايا" باستمرار، من خلال جملة من التنازلات كان مبتدؤها التوقيع على اتفاقية "نيفاشا" التي تم وضع بنودها بإشرافٍ أميركي كامل، مع اصطحاب دولٍ أوروبية في شراكة صورية على رعاية الاتفاقية، إلى إبداء الكثير من المرونة في تبرئة نفسها من تهمة "رعاية الإرهاب"، إلى حدِّ التعاون الأمني الذي أسفر عن تقديم معلوماتٍ مهمة –حسب ما تناولته الكثير من منابر الإعلام– كان لها دور مشهود في تعقب والتخلص من بعض رموز "الإرهاب العالمي".

ومع أن الخطاب الأميركي المُعلن تجاه حكومة الخرطوم لا يزال يراوح مكانه، إلا أنه يبدو واضحاً تراجع القلق الأميركي من حقيقة وجود "حكومة إسلامية أصولية" في السودان، بل ربما كان قد بدا واضحاً للأميركان أن قلقهم السابق لم يكن في محله، وأن الخيار الأفضل في التعامل مع الإسلام السياسي في أي مكانٍ في العالم هو التعامل معه كحكومات وليس كحركات معارضة لأنظمة حكمٍ حليفة.. كحكومات يُمكن استثمار إحساسها بالمسؤولية المباشرة عن واقع حال بلدانها في استدراجها إلى كثير من التنازلات التي تصبُّ في مصلحة "مشروع الشرق الأوسط الجديد".

ولعل هذا التوجه الأميركي الجديد في ابتدار تحالفات جديدة مع تيارات الإسلام السياسي –بعد الإسهام في إيلائها أمور الحكم في بلدانها– يندرج، كمرحلة متقدمة، في إطار السياسة الأميركية الجديدة التي انطلقت مع فواتح هذا القرن الميلادي، أعني سياسة الفوضى البناءة أو "الخلاَّقة"، التي رُصد لها من المال ومن العقول ما يلائم الأهداف البعيدة لها، المتمثلة في تعديل الخريطة الجيوسياسية والعسكرية للشرق الأوسط تعديلاً يجعل إسرائيل هي سيدة الكلمة الأولى والخطوة الأولى في كل شأن يخص المنطقة.

على شعوب المنطقة أن تتوقع تعاوناً كاملاً من حكوماتها الإسلامية الجديدة مع "إسرائيل" كواقع لا يمكن تجاهل حتمية وجوده، وعليها بعد ذلك أن تدرك خطأ "عواطفها" تجاه حركات الإسلام السياسي

ليس من الضروري أبداً –حال افتراضنا أن ثورات الربيع العربي تندرج في سلك عمليات "الفوضى الخلاقة"– أن يعني ذلك أن الشعوب العربية التي فجرت ثورات هذا الربيع هي شعوبٌ متآمرة على أنفسها، أو مخطئة في انتفاضاتها، ولكنه يعني فقط أن أميركا أحسنت استثمار تلك الانتفاضات لغير صالح شعوب المنطقة.

ليس ذلك فقط، ولكن اهتبلت الفرصة ذاتها لإفراغ "أشواق" مسلمي المنطقة إلى حكومات إسلامية من محتواها، حين تتجسد تلك الحكومات الإسلامية واقعا، ولكن في حال عجزٍ كامل عن إنفاذ شعاراتها الإسلامية العتيدة، التي يتمحور معظمها حول ضرورة إزالة السرطان الصهيوني من المنطقة.

على شعوب المنطقة أن تتوقع تعاوناً كاملاً من حكوماتها الإسلامية الجديدة مع "إسرائيل" كواقع لا يمكن تجاهُل حتمية وجوده، وعليها بعد ذلك –بموجب الحساب الأميركي "الفوضوي الخلاق"– أن تدرك خطأ "عواطفها" تجاه حركات الإسلام السياسي، وتعود إلى احتذاء النموذج الغربي، العلماني، كخاتمة لرحلةٍ واهمة تجاه "الحكم الإسلامي".

يبدو الحال كما لو كان فخَّاً أميركياً مُحكماً لإسلاميي المنطقة، واختباراً عصيَّاً لحركات الإسلام السياسي في دول الربيع العربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة