الذريعة والمسؤولية في السياسات العربية!   
السبت 1427/7/3 هـ - الموافق 29/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:13 (مكة المكرمة)، 11:13 (غرينتش)


أكرم البني

رغم أن فرنسا لم تكن تحتاج كثيرا، ومنذ قرن وأربعة عقود إلى ذريعة ضرب "الداي" لمبعوثها "بمكشة الذباب" كي تبرر احتلالها للجزائر، فقد بات معروفا أن هذه الحادثة وظفت إلى حد ما، لتأليب الرأي العام الأوروبي والفرنسي ضد شعب "متخلف وهمجي" وتسويغ الاحتلال على أنه فعل تحضر وتهذيب!

لكن في هذه الأيام كانت إسرائيل تحتاج بالفعل إلى التصعيد العسكري لحزب الله بقتل جنود إسرائيليين وخطف جنديين آخرين كي تمرر بأقل ردود أفعال تذكر ما يقال إنه خطة مبيته لضرب هذا الحزب وإنهاكه.

"
لا يقرأ الوقائع جيدا من كان يتصور دورا جديدا للشارع العربي غير قيام بعض التظاهرات والمهرجانات التي تقتصر غالبا على دعم الشعب اللبناني معنويا
"
وهذا الأمر أفسح المجال لتنوع الاجتهادات في تحديد سبب المأزق الذي أوصل إليه حزب الله لبنان، أهو بالفعل انجرار إلى فخ نسجت خيوطه بدقة وإحكام، أم خطأ في الحسابات وفي تقدير ردود الأفعال المحتملة عربيا وعالميا، وأيضا في قراءة أغراض السياسة الإسرائيلية اليوم.

فهل كان التوقع أن تكتفي إسرائيل بقصف وهجوم محدود يثأر لجيشها، أم ترمي إلى شن حرب شاملة تحدث تغيرات جدية في لبنان وتفرض شروطا جديدة وكفيلة بتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559.

كان من الخطأ الاعتقاد بأن ما قام به حزب الله في هذا الوقت بالذات لن يجر رد فعل إسرائيليا من طراز حاد وواسع، أو توقع موقف رسمي عربي مختلف يسارع لاتخاذ خطوات ملموسة وجماعية لدعم ومساندة المقاومة، مغاير لما درجت عليه العادة في الاكتفاء بتدبيج عبارات الإدانة والشجب للعدوان ودعوة المجتمع الدولي للتدخل كي يضع حدا للعنجهية الإسرائيلية.

فكيف إذا جاء الموقف ليرفع الغطاء جزئيا عن حزب الله وتحميله مسؤولية ما جرى!

ثم هو لا يقرأ الوقائع جيدا من كان يتصور دورا جديدا للشارع العربي غير قيام بعض التظاهرات والمهرجانات التي تقتصر غالبا على دعم الشعب اللبناني معنويا.

من ذا الذي يعتقد بموقف مختلف للمجتمع الدولي وصدور قرارات عن مجلس الأمن تأتي في صالح حزب الله ولبنان وتكون حازمة وملزمة للكيان الصهيوني تتجاوز "العبارات المألوفة" التي تدعو للتهدئة وضبط النفس وعدم الاستخدام المفرط للقوة.

صحيح أن ثمة مخططا قديما وأغراضا مكشوفة للولايات المتحدة وإسرائيل للنيل من حقوقنا وطموحات شعوبنا، لكن الصحيح أيضا أن شؤون السياسة ليست قدرا لا حول لنا فيه ولا قوة، أو مسارا حتميا يتجه صوب أهدافه النهائية بغض النظر عن سلوك أطراف الصراع ودون أن تؤخذ في الاعتبار الشروط الملموسة لتطور موقف الجماعة الدولية والرأي العام العالمي، الأمر الذي شجع القوى المتصارعة للبحث عن مختلف الذرائع والحجج وتوظيفها لربح تلك الشروط.

في التعريف البسيط تعتبر الذريعة مجرد وسيلة تسهل للآخر تحقيق مآربه، تتولد في مجرى الصراع السياسي من ممارسات تخل بالضوابط العامة أو أخطاء يرتكبها الأضعف فيستغلها الأقوى الذي يملك هامش مناورة واسعا للالتفاف على أخطائه، بينما ليس أمام الضعيف إلا تجنب الخطأ وتوخي الحذر والدقة كي لا يوفر لخصمه أي حجة أو ذريعة تزيد من ضعفه ضعفا.

بل يفترض أن يبذل الضعيف جهدا معاكسا لإكراه العدو على ارتكاب الخطأ ومحاولة تأليب الرأي العام ضده للجم عدوانيته وكف أذاه، بل وإجباره في نهاية المطاف على التنازل والانصياع للقيم والمعايير العامة.

وهذا يقود إلى معنى المسؤولية التي تقف على قراءة دقيقة لشروط الصراع وحقيقة توازن القوى في كل لحظة واتجاهات تطوره بما في ذلك العمل الدؤوب لتعديله في صالح حقوقنا بأقل الخسائر والآلام.

"
لا يعني الاعتراف بدور الذرائع تبرئة ساحة الخصم أو إغفال أهداف العدو وأحيانا سعيه الحثيث لتحقيقها بغض النظر عما لو توفرت له ذريعة أم لا
"
لكن المؤسف أن تجد اليوم من يخفف من دور الذرائع عبر تكرار الحقائق القصوى لسياسات العدو وأهدافه الشريرة التي برأيه لا تحتاج إلى محرض ولا يمكن لمعترض أن يعترضها.

ربما يكون ذلك بغرض التحلل من المسؤولية وتبرئة الذات بأن ليس من خطأ ارتكبه سهل مهمات العدو ومكنه من تنفيذ مخططاته.

أو ربما لأن ثمة فئة تتوهم بأن ما تقوم به لا يحتمل الخطأ، فلا هاجس يشجعها على مراجعة ونقد ما يجري بل لا تريد حتى معايرة جدوى خططها وأساليب عملها حتى لو ذهبت بأحوال مجتمعاتها إلى مصير أكثر بؤسا وانحطاطا.

في المقابل لا يعني الاعتراف بدور الذرائع تبرئة ساحة الخصم أو إغفال أهداف العدو وأحيانا سعيه الحثيث لتحقيقها بغض النظر عما لو توفرت له ذريعة أم لا.

لكن علينا من أنفسنا ألا نجنح نحو التخفيف من نتائج وآثار ما نقوم به في عالم صارت شؤونه السياسية تحت أضواء كاشفة، ولا تدار أو تصنع في القصور والغرف المغلقة.

وتاليا لم يعد يقنع أحدا الجواب الجاهز والواهم بأن سلوكنا لا يقدم أو يؤخر في طابع سياسات العدو وأشكال تنفيذها، كما لم يعد مجديا تكرار عبارات تريح قلوب المخطئين بأن واشنطن وتل أبيب لا تعيران ممارساتنا أي اهتمام وأنهما تسعيان نحو أهدافهما بكل الوسائل وبغض النظر عن أي شيء.

بل على العكس يجب الاعتراف، وعلى الرغم من قوة دوافعهما للنيل من حقوقنا، بأنهما غير قادرتين على الذهاب بعيدا نحو أهدافهما بلا مسوغات ودون تأمين الذرائع الموجبة لكسب الرأي العام أو تحييده على الأقل.

وإلا كيف يمكن أن نفسر ما ذهب إليه غير باحث عن دور تآمري خفي للمخابرات المركزية الأميركية في تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول كي تسوغ إطلاق قوتها العسكرية، أو عن دور أعد سلفا وأنجزته السفيرة الأميركية في بغداد عندما أوحت إلى صدام حسين بموقف محايد شجعه على اجتياح الكويت لتتمكن حكومتها من تمرير أوسع عبور عسكري إلى المنطقة؟!

وأيضا كيف نقرأ الآراء التي وجدت في العمليات الانتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين أفضل ناخب لصالح اليمين الصهيوني من نتنياهو إلى شارون فأولمرت، والتي أبانت مدى ارتباط مصلحة الطغمة الصهيونية الدموية مع تسعير الصراع العنيف واستفزاز الفلسطينيين وجرهم إلى أعمال انتقامية للتنكيل بهم من جهة وتأمين استمرارها في السلطة من جهة ثانية.

وتوصلت هذه الآراء إلى أن عمليات الثأر والتشفي ضد المدنيين لعبت بالفعل عكس الدور المرتجى وأدت بغض النظر عن النوايا إلى تسييد لغة العنف وإجهاض إمكانية نمو تيارات مؤيدة للحقوق الفلسطينية على الصعيد العالمي وداخل دولة إسرائيل نفسها بل عززت في ظل التوازنات القائمة، اتجاهات التطرف ووحدت قوى المجتمع الإسرائيلي خلف الحكومات الأكثر عنفا وأطلقت يدها قتلا وتدميرا.

حين يكون طرف ما متخما بمشروعيته الوطنية أو الثورية أو الدينية، وهذه الأخيرة لا تزال حاضرة بقوة إلى اليوم يزدري كل شيء ويسخر من أي نقد يوجه إليه ومن أي دعوة لخط مسار نضالي جمعي وآمن ولضرورة كسب تعاطف القوى والشعوب في العالم وجر دعمها لقضايانا، يهزأ من المؤسسات الصهيونية وهي توظف جهودا مضنية لكسب الشارع الغربي وجر المساعدات والمنح ويجد من المعيب على "أهدافنا النبيلة" أن تثير شفقة الآخرين أو تسعى إلى كسب ودهم وتعاطفهم، مفاخرا بمقولة شاعت على نحو خاطئ بأن الاستقواء بالآخرين هو سلاح الضعفاء، وهو لا يرتضي لنفسه رغم هزائمنا المريرة أن يصنف بين الضعفاء.

"
ليست النيات العدوانية الأميركية والصهيونية والمطامع الأجنبية ولا الضعف والتواطؤ العربي الرسمي وسلبية الشعوب وعجزها هي فقط الأخطار المحدقة بمجتمعاتنا وتطلعاتها، بل تقع على عاتق القوى الفاعلة مسؤولية وعي حقيقة الشروط القائمة وتدقيق وتصويب تكتيكاتها وأساليب عملها
"
كنا نتوهم في زمن الحرب الباردة أن الكليات تقارع الكليات، كان تفكيرنا السياسي يسخر من أي مسافات أو خلافات تلحظ في بيت العدو ونعتبر الأمر مجرد لعبة أو مسرحية لتبادل الأدوار.

نتصور أمامنا إسرائيل والغرب الرأسمالي عدوا موحدا لا فروق بينها، ولا نميز بين سلطات تحركها طموحاتها ومطامعها وبين قوى أو مؤسسات مدنية لا مصلحة لها في معاداة شعوبنا.

واليوم بعد ما حصل من متغيرات عالمية ومع انكشاف جوف المجتمعات وتطور وسائل الاتصال وسرعة تبادل المعلومات وأيضا اتضاح تفاوت المصالح والسياسات بين القوى والنخب الفاعلة، نجد من لا يريد مراجعة حساباته.

من لا تهمه هذه التفاصيل أو ما تخلفه ممارساته على أرض الواقع من ذرائع تمكن العدو من تحقيق أغراضه.

من لا يريد أن يعير انتباها لكسب شعوب وفعاليات تشاطرنا العديد من الهموم والقيم الإنسانية ولها حقوق يمكن أن تقرر الكثير في بلدان تستند إلى إرادة الناخب في اختيار حكامها أو على الأقل إجبارهم على تغيير سياساتهم وتنحية أساليب العنف والقوة جانبا.

عندما اتخذ الثنائي رابين وباراك قرارا بتكسير أيادي أطفال الحجارة واستخدام الرصاص الحي ضد المواطنين العزل قامت الدنيا ولم تقعد وتواترت الإدانات والضغوط ضد هذه الممارسات البربرية، خاصة من الشارع الإسرائيلي نفسه، ما أكسب الانتفاضة الأولى دعما شعبيا وسياسيا عالميا ربما كان أحد أهم العوامل التي فتحت باب المفاوضات.

وعند قراءة أسباب النصر اللبناني يتضح الدور المهم الذي لعبته حركة الأرامل الأربعة وشيوع مزاج عام في إسرائيل يدعو إلى الانسحاب من الجنوب، الأمر الذي أكره الأحزاب الإسرائيلية خاصة الليكود والعمل، على وضع جدول الانسحاب في برامجها الانتخابية كي تكسب أصوات الناخبين.

بينما اليوم، ونحن نساق وراء صرخات الثأر وصيحات المزايدة بأن القوة والعنف هما اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، ننظر بأسى وحزن إلى ضحالة ردود الأفعال على الحرب القذرة والمدمرة في لبنان وقبلها في غزة دون أن نسأل لماذا أصبح هذا القتل والتدمير الوحشيان حدثا يمر مرورا عاديا أمام أنظار العالم كله.

ليست النيات العدوانية الأميركية والصهيونية والمطامع الأجنبية، وليس الضعف والتواطؤ العربي الرسمي وسلبية الشعوب وعجزها هي فقط الأخطار المحدقة بمجتمعاتنا وتطلعاتها، بل يقع وجه مهم من المسؤولية على عاتق القوى الفاعلة في أتون الصراع خاصة بؤره المتفجرة، في فلسطين والعراق ولبنان، مسؤوليتها في وعي حقيقة الشروط القائمة وفي تدقيق وتصويب تكتيكاتها وأساليب عملها.

"
لا بد من الاعتراف بمدى افتقار لبنان إلى سلطة عمومية يفترض تقويتها وتعزيز حضورها كي تملأ الفراغ الذي خلفته تعددية اتخاذ القرار، وتستطيع معالجة كافة التصدعات والشروخ وتجاوز هذه المحنة بأسرع وقت
"
فلا يختلف اثنان على أن التحدي الكبير اليوم الذي يواجه الفلسطينيين، السلطة والفصائل المختلفة، هو إثبات قدرتهم على إدارة شؤونهم بروح الهم العام واحترام قواعد العمل الديمقراطي.

وهذا الأمر يستدعي التفاف الجميع حول وثيقة الأسرى التي أقرت ولم تر النور، والمسارعة لإنهاء فوضى السلاح ولجم قرارات المواجهة المنفردة التي تعطي الذرائع للتطرف الإسرائيلي، إلى جانب العمل على توطيد القانون ومحاربة الفساد وانتشال المواطنين من أوضاعهم المعيشية المتردية.

كل ذلك على أمل إثبات حقيقة أمام العالم أجمع مفادها أن الشعب الفلسطيني، وهو يكابد الأمرين لانتزاع حقوقه من محتل بربري يستحق دولة، وأنه قادر على حكم نفسه بنفسه.

بينما تحضر في العراق روح المسؤولية من خلال إعلان الانحياز القاطع لصيرورة التنمية السياسية ضد عمليات القتل والهدم، صيرورة تتوج ببناء دولة ومؤسسات ديمقراطية هي ما يمكن أن تختصر دورة الآلام وتهزم نذير الحرب الطائفية وتمكن من طرد الاحتلال وتحصيل الاستقلال وحماية وحدة العراق.

وأيضا مع كل تصعيد إسرائيلي مدان في لبنان ومع كل صرخة ألم لإنسان جريح أو طفل جائع، يستحق اللبنانيون كل تقدير واحترام وقد ارتقوا جميعهم إلى مصاف المسؤولية ووقفوا صفا واحدا دفاعا عن أرضهم وناسهم ضد العدوان الصهيوني الغاشم، ربطا هذه المرة بوعي الحاجة الماسة لدور الدولة الوطنية ومؤسساتها المنتخبة.

ولا بد من الاعتراف بمدى افتقار لبنان إلى سلطة عمومية يفترض تقويتها وتعزيز حضورها كي تملأ الفراغ الذي خلفته تعددية اتخاذ القرار، وتستطيع تحت عباءاتها معالجة كافة التصدعات والشروخ وتجاوز هذه المحنة بأسرع وقت.

ودون التمسك بهذه الحقيقة ربما يصعب الحديث عن تمتين الوحدة الوطنية، وإفشال أهداف العدو ومخططاته، ولجم العوامل الخارجية أو على الأقل تحييدها، وتاليا الخروج من هذه الأزمة بأقل أضرار ومعاناة.



__________________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة