فخاخ المشترك   
الثلاثاء 1428/10/19 هـ - الموافق 30/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:41 (مكة المكرمة)، 9:41 (غرينتش)


تستوقفني بكثير من الشك والريبة عبارة "الوثيقة المشتركة" أو "البيان المشترك" بين عباس وأولمرت, الذي تضغط أميركا لاستصداره قبل لقاء الخريف الذي دعا إليه بوش, والذي سمي مؤخراً بمؤتمر "أنابوليس" ليتم تحاشي تحديد ما إن كان مؤتمراً دوليا, كما قفزت السلطة الفلسطينية للزعم حينها, أو إقليميا كما قالت أميركا قبل تلقيها رفض سوريا الحضور بدون شروط.

وأول ما يدعو "للريبة" -بعد أن نكون تجاوزنا العجب- أن هذه الوثيقة المشتركة مطلوب أن تقدم للمؤتمر, ليس من الفلسطينيين والعرب المشاركين باعتبار أنهم طرف يتشارك في الرؤية والمصالح والمخاطر. أو من الجانب الفلسطيني والأردني على الأقل, باعتبار أن الأردن أكثر الأطراف الأخرى بعد الفلسطينيين "تأثراُ", إن لم يكن "تضررا" بما سينشأ عن ذلك المؤتمر.

بل إن من يطلب منهم تقديم وثيقة واحدة "مشتركة" هما تحديداً الطرفان الرئيسيان المتنازعان -الفلسطينيون والإسرائيليون- فإذا اتفق هذان الطرفان, فماذا بقي للمؤتمر ليفعله سوى "كتب الكتاب وإعلان الجواب"، كما يقول إخوتنا المصريون؟

فالذي يتبقى "فعلاً" للمؤتمرين -إن جرى اتفاق فلسطيني إسرائيلي على هكذا وثيقة وبغض النظر عن ما احتوته- هو فقط دور الشهود ويكون المؤتمر احتفالية "لإشهار" تلك "الشراكة" لا أكثر.

"
السببان المنطقيان لعقد المؤتمر الدولي أولاً أن الطرفين الرئيسيين غير متفقين على القضايا الأساسية أو على "قضايا الحل النهائي", وثانياً أن هذا الصراع ليس صراعاً فلسطينيا إسرائيليا, بل هو صراع عربي إسرائيلي أصبحت له تداعيات إقليمية ودولية
"
بل إن أي طرف من الحاضرين يحاول أن يدلي برأي في أي بند من بنود تلك الوثيقة, أو حتى في أي بند أغفلته تلك الوثيقة, سيتهم بإثارة الفتن ووضع العصي في دواليب عربة الحل والسلام السائرة بسلاسة وأمان.

السببان الوحيدان المنطقيان لعقد هذا المؤتمر هما, أولاً: أن الطرفين الرئيسيين غير متفقين, على الأقل هما لم يتفقا ولا مرة على "القضايا الأساسية" أو على "قضايا الحل النهائي", أو أي تعبير يريد أي طرف وصف هذه القضايا به. ولهذا فالقضية الفلسطينية بلا حل منذ أكثر من ستين عاماً.

وثانياً: أن هذا الصراع ليس صراعاً فلسطينيا إسرائيليا, بل هو صراع عربي إسرائيلي أصبحت له تداعيات إقليمية ودولية, ولهذا تتم دعوة الأطراف العربية الرئيسة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. رغم أن الدعوة جرى تضييقها لاحقا بقرار من المضيف, والذي هو قرار انتقائي يدعو للمزيد من الشك والريبة.

وبما أنه لا يجري البحث عن حل "إقليمي" للقضية بدليل أن أطرافاً رئيسية فيه -كسوريا- تم ترتيب دعوتها من قبل أميركا بطريقة تضمن عدم حضورها. سنتوقف عند السبب الأول لنقول إنه يصعب علينا قبول ما ذهبت إليه معظم الصحافة العربية من أن بوش يريد الآن حل قضية عمرها أكثر من ستين عاماً على عجالة (قبل رحيله عن الرئاسة, أو قبل توجيهه ضربة لإيران أو سوريا, أو قبل بدء خروجه الاضطراري من العراق أو..) في ستة أيام, ليستوي على عرش التاريخ باعتباره من قام بحل أطول وأخطر صراع سياسي عسكري في العصور الحديثة.

فإذا كان بوش يصدق هذا, فإن من يحركون السياسة الأميركية من وراء ستار وبذات النهج الثابت منذ عقود, لا يمكن أن يجاروه في هذا الوهم. حتى وزيرة خارجيته لا تصدّق ذلك ولا تصدقه القول إن قالت له إن هذا ما تسعى لتحقيقه في مساعيها الحثيثة الجارية في المنطقة. فأقل من هذا استعصى على كلينتون ذاته -الذي يفوق بوش بما لا تجوز معه المقارنة- في كامب ديفد في أواخر ولايته هو أيضا.

المطلوب إذا ليس الوصول لحل توافقي لهذه القضية الشائكة في هذا الزمن الضيق. المطلوب هو فقط مزيد من تكريس سمة "المشترك" هذه, بين إسرائيل والفلسطينيين, ليس فقط ليتاح لإسرائيل انتقاء ما تريد الاحتفاظ به, والاستغناء عن ما لا تريد عبء الاحتفاظ به بإيكاله للفلسطينيين في ترتيبات أي "وضع" نهائي يتم تثبيته بطريقة أو بأخرى.

و"الوضع" غير"الحل", بل هو نقيضه هنا, فما يجري الإعداد له هو وضع نهائي لا يتضمن أي حل لأي من مكونات الصراع, بل مجرد تكرس "للأمر الواقع" (تعبير تصر عليه إسرائيل وأميركا) كما هو ولكن بترتيبات تجعل الحياة أسهل بالنسبة للإسرائيليين. والأمر بدأ بمدريد, وبذات اللعب على "المشترك". ولعبة مدريد تكرر هنا.

"
ما يجري الإعداد له هو وضع نهائي لا يتضمن أي حل لأي من مكونات الصراع, بل مجرد تكريس "للأمر الواقع" كما هو ولكن بترتيبات تجعل الحياة أسهل بالنسبة للإسرائيليين
"
فمن خلف المجتمعين في مدريد جرى جر رجل الفلسطينيين إلى أوسلو التي اختير لها أبو مازن لا غير, في حين كان الجانب الأردني يظن أنه من يوفر "المظلة المشتركة" للفلسطينيين. وحين فوجئ الأردن بإعلان اتفاق أوسلو (الذي هو في الحقيقة مجرد "إعلان مبادئ مشترك" بين الإسرائيليين والفلسطينيين كما يراد للوثيقة الجديدة أن تكون) قفز إلى "وادي عربة" بدل أن يوقف خيول عربته الجامحة إلى ذلك الوادي الذي شهد مفاوضات سرية مثيلة لأوسلو وسابقة عليها.

ولكن الآن يبدي الأردن "بعض" التعلم من خبرات مريرة سابقة, ويعرب عن تخوفات من اتفاق آخر يجري من وراء ظهره سيكون على حسابه بقدر ما هو على حساب الفلسطينيين, بل وبأكثر من هذا. ولكن هل تعلم الأردنيون والفلسطينيون من كامل دروس الماضي؟ الإجابة تنتظر.

منذ أحد عشر عاماً. كنت حينها عضواَ في مجلس النواب الأردني, وفوجئت في طريقي للمجلس بنبأ على إذاعة الـ(بي بي سي) مفاده أن "وفداً مشتركاً" من البرلمان الأردني والسلطة التشريعية الفلسطينية والكنيست الإسرائيلي يزور ألمانيا.

وبعد دقائق كنت أطلب الحديث تحت بند "ما يستجد من أعمال" وأسأل رئيس المجلس كيف أمكن؟ ليس فقط مجرد التطبيع مع إسرائيل من وراء مجلس نواب كان لحينه يتبنى سياسة عدم التطبيع مما يلزم رئيسه بها دستورياً, بل وأن يصل الأمر حد أن يكون الوفد الذي تسلل من وراء ظهورنا "مشتركاً" مع وفد الكنيست.

ولم يكن بمقدوري أن أسأل تحت قبة البرلمان الأردني عن أعذار المجلس التشريعي الفلسطيني في قبول سمة "الوفد المشترك" مع المحتلين لكامل الأرض الفلسطينية, وباسم الشعب الفلسطيني لا أقل, مما يتضمن قبول المجلس التشريعي ذاك بتكريس ذلك الاحتلال "كأمر واقع".

ولكنني تساءلت عن عذرنا نحن في قبول إرسال وفد مشترك ما دمنا دولة تنعم بالاستقلال, ونقول إننا حررنا كامل أراضينا في اتفاقية وادي عربة ورسمنا حدوداً "سياسية" لابد أن تظهر في كل فعل سياسي.

وسألت عمن يمكن أن يقود محادثات ذلك الوفد "المشترك" من موقف قوة لا يشوبه تسلل؟ وعن علاقة هذه المشاركة بالكونفدرالية ومن ستضم؟ وبدل الإجابة على سؤالي اتهمت بأنني أهدر وقت المجلس الثمين بمثل هذا السؤال, وبأنني أصبحت "نائبة" على الشعب بدل أن أكون نائبة له, وهو ما اعتمدته الصحافة التابعة للحكومة لتخرج بعناوين تزعم أن ما جرى هو وشة بن توجان فيصل ورئيس مجلس النواب, بينما بقيت الحقيقة بين طيات الصحافة الأسبوعية المتعثرة والتي تلجأ بالتالي لمانشيتات تغلب عليها الإثارة.

"
الحكومة الأردنية هي الأحوج للمظلة المشتركة الآن مع المعارضة بعد أن شارفت الفأس على الوقوع في الرأس ولو للمناورة باسم المعارضة في مواجهة خصم يتجاوز طرح الوطن البديل إلى التلويح بـ"الترانسفير" لعرب 48
"
السؤال عن هذا "المشترك" يتجدد وتطرحه الآن جهات رسمية أردنية بشأن ما يتم التفاوض عليه بين أولمرت وعباس وما إذا كان هنالك تسلل آخر كأوسلو. وقبل هذا, وخلال الأشهر القليلة الماضية أعيد طرح السؤال بصيغته الأخرى القديمة المتجددة, أي بما يتعلق "بالكونفدرالية" التي عرابوها هم ذات عرابو "وادي عربة", ولكن الجميع أجمع هذه المرة (بانضمام الحكومة وأتباعها لموقف المعارضة الثابت منها) على إعلان رفض تلك الكونفدرالية.

السؤال أكثر من ملح, هو مصيري بالنسبة للأردنيين والفلسطينيين على السواء. والسؤال السليم يجب أن يسأل عن الكونفدرالية وعن علاقتها بمحاولة فرض إسرائيل لحالة "المشترك" العجيبة هذه مراراً وتكراراً وبأكثر من صورة, وليس فقط "كأمر واقع" هي أيضاً, بل و"كآلية" رئيسية عند البحث في حل لا يمكن, حسب أبسط مقومات المنطق, أن يكون أي تصور له أو اقتراح بشأنه "مشتركاً" بين أطراف النزاع الرئيسة.

السؤال أكثر من ملح, ولكن الإجابة لن تأتي مادامت الحكومة الأردنية تصر على أن تتسلل من خلف المعارضة الوطنية رافضة أية "مظلة مشتركة" معها في أية صغيرة أو كبيرة, بدءاً باحتكار الحكومة لمنابر الرأي حد تجريم الرأي الآخر (أنظر قوانين المطبوعات وقضايا الرأي التي تحال لمحكمة أمن الدولة العسكرية)وانتهاء بتزوير, بات أكثر من مكشوف لكل الانتخابات لممثلي الشعب (انظر ما كتب عن الانتخابات البلدية والنيابية السابقة وعن تلك التي ستجرى قريباً).

هذا مع أن الحكومة هي الأحوج لهذه المظلة الآن, بعد أن شارفت الفأس على الوقوع في الرأس, ولو للمناورة باسم المعارضة وضغوطاتها في مواجهة خصم يتجاوز طرح الوطن البديل إلى التلويح بـ"الترانسفير" لعرب 48, بزعم أنه مطلب أحزاب معارضة دخلت وخرجت من الائتلاف الحكومي أكثر من مرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة