استقالة مشعل والقائد التالي لحماس   
الثلاثاء 1433/11/17 هـ - الموافق 2/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
 
إذا لم تحدث مفاجأة من العيار الثقيل، فإن خالد مشعل لن يترشح لرئاسة المكتب السياسي لحماس في الانتخابات الداخلية التي ستكتمل خلال الأسابيع القادمة، الأمر الذي أعاد تأكيده مجددا خلال الأيام الماضية.
 
لم نرحب بهذه الخطوة من قبل، ليس لأن مشعل رجل استثنائي لا يشق له غبار (تكفيه خطيئة المشاركة في انتخابات أوسلو 2006، حتى لو قيل إنها كانت نتاج قرار شوري)، بل لاعتبارات أخرى، لاسيما أن الحركات الثورية المطاردة ليست كالدول لا بد لها من تداول على السلطة كل أربع سنوات.
 
خلال السنوات الأخيرة تعرض مشعل لضغوط صعبة من طرف بعض القادة في قطاع غزة الذين استخف بعضهم بعموم قيادة الخارج ودورها
رغم أخطائه والملاحظات عليه، إلا أن الخبرة والكاريزما التي راكمها الرجل خلال عقد ونصف (إلى جانب خلقه الرفيع ودينه ونظافة يده) تعد ضرورية لحماس خلال المرحلة المقبلة، وليس من السهل تعويضها بنفس القدر، وإن بقي السؤال قائما بشأن قدرته، فضلا عن خلفه، على تصحيح البوصلة المضطربة للحركة وميلها إلى تكرار الكثير من أخطاء حركة فتح، فضلا عن تصحيح مسار القضية برمتها.

ليس صحيحا ابتداءً أن الحركات لا تخسر بغياب قادتها الكبار، وإلا لكان العدو عبثيا حين يقتلهم أو يعتقلهم، وهو الذي دأب في الحالة الفلسطينية على إعادة تشكيل هرمية القيادة في الفصائل بحسب مصلحته من خلال الاغتيال والاعتقال.

لقد تكبدت حماس خسارة فادحة باغتيال قادتها الكبار، أعني الشيخ ياسين، الرنتيسي، جمال منصور، إبراهيم المقادمة، صلاح شحادة، إسماعيل أبو شنب، فضلا عن قادة العمل العسكري. وفي ظني لو بقي هؤلاء لما كان للحركة أن تتورط في انتخابات أوسلو 2006 وما بعدها من خطاب وخطوات، كما هو حال الحسم العسكري الذي حشر الحركة في القطاع وترك بقية فلسطين وقضيتها لجماعة أوسلو ودايتون.

من المؤكد أن توفر القادة الكبار في تاريخ الحركات السياسية والثورية ليس أمرا سهلا، بل حتى في تاريخ الشعوب، وفي ظني أن رجلا بإمكانات الشيخ أحمد ياسين الجسدية، مقابل إمكاناته القيادية الفذة لم يكن من السهل تعويضه، ومن بعده القائد العظيم عبد العزيز الرنتيسي.

خالد مشعل -رغم أخطائه- تمكن من قيادة الحركة في ظروف صعبة، ولولا أهميته لما اتخذ نتنياهو قرارا باغتياله عام 97، وقد قلنا إن قرارات بهذا الوزن لا تؤخذ عبثا في القيادة الصهيونية.

خلال السنوات الأخيرة تعرض مشعل لضغوط صعبة من طرف بعض القادة في قطاع غزة الذين استخف بعضهم بعموم قيادة الخارج ودورها، في تجاهل لحقيقة أن الإدارة الحقيقية للحركة منذ عام 89 قد تحولت إلى الخارج على معظم الأصعدة، وذلك بعد موجة الاعتقالات التي طالت قيادات الحركة في الداخل.

عادت قيادة الداخل إلى فاعليتها بعد خروج الشيخ أحمد ياسين من السجن إثر محاولة اغتيال مشعل عام 97، مع بقاء الخارج شريان الحياة المالي والسياسي والإعلامي وجزءا من العسكري للحركة، بخاصة خلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت نهاية سبتمبر/أيلول عام 2000.

بعد خروج الاحتلال من قطاع غزة في العام 2005 تغير الوضع، حيث بدأ القطاع يأخذ مكانة متميزة في ظل وضع بائس للحركة في الضفة الغربية بسبب الضربات الهائلة التي تعرضت لها من السلطة ومن الاحتلال، وبالطبع بعد عطاء تاريخي يستحق الفخر عماده سرب طويل من أروع الشهداء وأعظم الأبطال الذين لا زال عدد كبير منهم في الأسر.

جاءت انتخابات 2006 وبعدها تشكيل الحكومة، وصولا إلى الحسم العسكري منتصف 2007 ليغدو فرع الحركة في القطاع هو الأقوى، ولينسحب ذلك على مواقف القيادة السياسية فيه، والتي بدأ بعض رموزها يشعرون بأحقيتهم في قيادة الحركة، ومن ضمنها رئاسة المكتب السياسي. وللحق، فقد تحولت الحركة منذ الحسم العسكري إلى خلية لإدارة قطاع غزة وتوفير متطلبات عيشه وصموده أكثر من أي شيء آخر.

بعد الحسم العسكري منتصف 2007 أصبح فرع الحركة (حماس) في القطاع هو الأقوى، وانسحب ذلك على مواقف القيادة السياسية هناك، والتي بدأ بعض رموزها يشعرون بأحقيتهم في قيادة الحركة

تلك هي الخلفية التي دفعت مشعل إلى اتخاذ قرار التنحي، وليس مجرد تكريس التداول كما قيل، لأن تاريخ الحركات الثورية لا يقرُّ بذلك، وما ورثته حماس على هذا الصعيد هو جزء من تراث الإخوان قبل الخوض في معمعة النضال الحقيقي الذي لا يترك فرصة لترف الانتخابات، وما يترتب عليها من تناقضات وكولسات وصراعات كل أربع سنوات في تنظيم مقاوم وملاحق على كل صعيد (فشل إجراء انتخابات الحركة في الضفة دليل على ذلك).

لندع ذلك كله، فقد قرر الرجل الاستقالة، وكان يمكن أن يموت طبيعيا أو يجري اغتياله. وما يعنينا الآن هو الوضع التالي.

من المؤكد أن الحركة ستخطئ خطأ فادحا إن هي نقلت القيادة إلى قطاع غزة، والأسوأ أن ينطوي التفكير في ذلك على النظر الضمني إلى القطاع بوصفه دولة جوار مستقرة، تماما كما هو حال سوريا والأردن ومصر، وإذا صحَّ ذلك فسيكون قد خرج من منظومة الصراع، مما يعني أن نقل القيادة إليه سيجعلها رهينة لمصالحه وحساباته كدولة (نقل القائد من القطاع للإقامة في الخارج لن يغير كثيرا لأنه سيكون محكوما لذات الهواجس).

أما إذا بقي القطاع عنوان مقاومة للاحتلال كما نتوقع، فإن ذلك يعني عبثية وضع القيادة رهينة بيد الاحتلال يقتلها وقت يشاء، اللهم إلا إذا نزلت تماما تحت الأرض مثل القيادة العسكرية، ولو دخل الاحتلال (وهو لا يفكر في ذلك، بمعنى الدخول والبقاء) فسيكون الأمر أكثر صعوبة حتى على القيادة العسكرية كما في تجربة الضفة بعد عملية السور الواقي ربيع العام 2002.

في الأصل يشكل القطاع 1.5% فقط من مساحة فلسطين التاريخية، ويؤوي 15% من فلسطينيي الداخل والشتات، فضلا عن أن الصهاينة لا يعتبرونه من أرض "إسرائيل" (يهودا والسامرة)، ولا يمكن له -تبعا لذلك ولكل العوامل الآنفة الذكر- أن يكون مقر القيادة لأي فصيل، مع أن القائد قد يكون أصلا من القطاع كما كان حال موسى أبو مرزوق سابقا أو عرفات في فتح أو رمضان شلح في الجهاد.

ولو لم تكن هناك سلطة حمساوية في القطاع، أو كيان أو دولة أو دويلة، سمها ما شئت، وخرج القائد منها أو من الضفة للإقامة في الخارج، لما كانت هناك مشكلة على الإطلاق.

ثمة مسألة بالغة الأهمية، بل لعلها الأهم في هذا السياق، تتمثل في رمزية الشتات بالنسبة للقضية الفلسطينية، والذي يشكل أكثر من نصف الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن تهميشه ليس أمرا عاديا بأي حال، وقد حدث هذا مع حركة فتح حين عادت قيادتها إلى الداخل في إطار اتفاق أوسلو، لكن جانب التشابه التالي مع ما جرى لحركة فتح هو الأكثر خطورة، إذ إن السلطة التي نتجت عن اتفاق أوسلو ما لبثت أن أكلت حركة فتح ومنظمة التحرير، فضلا عن تهميشها للشتات، بل وقبولها العملي بشطب قضيته في سياق تسوية نهائية بذلت من أجلها تنازلات مخزية دون جدوى، كما أكدت وثائق التفاوض.

اليوم يمكن للكيان القائم في قطاع غزة أن يأكل حركة حماس أيضا، ويضع سياساتها رهنا لواقعه ومصالحه، وليس عموم مصلحة القضية التي تعيش متاهة تاريخية بوجود كيانين لا يقاومان الاحتلال وإن اختلف خطاب أحدهما ومواقفه السياسية عن الآخر.

ولعل من المفيد التذكير هنا بأن حماس لم تتأسس من أجل تحرير قطاع غزة، وإنما من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين.

من هنا، فإن الوضع الطبيعي أن تبقى قيادة حماس في الخارج تأكيدا على قضية الشتات من جهة (أكثر قادتها لاجئون بمن فيهم قادة القطاع)، وخروجا من أسر الضغوط وسهولة الاستهداف التي تترتب على وجودها في الداخل، والأهم حتى يتسنى التعامل مع وضع القطاع كجزء من القضية، وليس ككيان مستقل يفرض على الحركة سياسات إشكالية من أجل الحفاظ عليه.

القيادة (العسكرية) لحماس سيكون لها دورها الدائم في تصحيح البوصلة إذا اختلت وذهبت نحو مسارات لا تأخذ في الاعتبار مصلحة القضية برمتها

كل ذلك يدركه قادة الحركة، وفي مقدمتهم القيادة العسكرية التي لا تزال رغم التضحيات الهائلة قابضة على الزناد وتعزز قدراتها بإصرار يثير الإعجاب تمهيدا لمرحلة تراها قادمة؛ مرحلة لن يكون من بين خياراتها إخراج القطاع من دائرة الصراع كما خطط شارون حين قرر الانسحاب منه، وكما يريد الصهاينة عبر تكريس فصله عن الضفة ورميه في حضن مصر لكي يتخلصوا من الأعباء التي تترتب عليهم كقوة احتلال (كانوا على استعداد لضمه إلى مصر منذ عقود).

القيادة (العسكرية) لحماس سيكون لها دورها الدائم في تصحيح البوصلة إذا اختلت وذهبت نحو مسارات لا تأخذ في الاعتبار مصلحة القضية برمتها، وهي قضية لم تغادر مربعها الأول ممثلا في استمرار الاحتلال لكامل فلسطين، ومن ضمنها القطاع الذي لا يمكن اعتباره محررا بينما يتحكم المحتلون بسمائه وبحره وجزء من أرضه (الشريط الحدودي).

لم نتحدث عن الأسماء البديلة، لأن ما يعنينا هي دلالات المسألة محل النقاش، وما تطرحه من إشكالات. إذ إن بوصلتنا هي قضية فلسطين قبل أي شيء (بما في ذلك حماس التي نحب)، وهي قضية نرى أن من مصلحتها بقاء حماس راية مرفوعة للمقاومة والصمود دون تغيير؛ لا في الخطاب السياسي (كما حصل خلال الأعوام الأخيرة وإن لم يقترفوا جريمة الاعتراف)، ولا في البرنامج العملي وعنوانه المقاومة، لا سيما بعد الآفاق التي فتحها ربيع العرب.

من مصلحة القضية بقاء الحركة كذلك، بصرف النظر عن أسماء قادتها، ففي حركات المقاومة الثورية الشريفة؛ القيادة بطولة وتضحية ومغرم كبير قبل أن تكون مكسبا يتشاجر الناس عليه. وفق الله قادة حماس وكوادرها لما فيه خير القضية؛ وخير الأمة المستهدفة بالمشروع الصهيوني أيضا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة