الفلسطينيون بين الاحتلال وكابوس الفساد   
الخميس 1429/12/28 هـ - الموافق 25/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 20:26 (مكة المكرمة)، 17:26 (غرينتش)

 

بالرغم من الظروف الحالية المحيطة بالوضع الفلسطيني، وحالة الحصار الشامل التي تطوق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 خصوصاً قطاع غزة، ومع تعثر الجهود المبذولة لترتيب حوارات فلسطينية داخلية تفضي لإعادة توحيد الساحة الفلسطينية، بالرغم من هذا الوضع الدقيق والحرج لا بد من الحديث بشيء من الوضوح بشأن الأوضاع الحياتية والاقتصادية للناس في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتراجعها مع استشراء غول الفساد والترهل في مختلف المفاصل والمؤسسات الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية وعموم الأحزاب والفصائل بغالبيتها الساحقة.

وكذلك لا بد من الحديث عن تصاعد صراع المصالح الشخصية وما يسمى "الذاتيات" أو معارك "تكسير الرؤوس" التي مازالت تنخر بعظام الكثير من المؤسسات ويدفع ثمنها الآخرون من عامة الناس، وفي وقت مازال فيه دعاة الإصلاح المخلصون غالباً ما يدفعون الثمن باهظاً، ويمارس عليهم تضييقاً وخنقاً وتكميما لأفواههم جراء جرأتهم في طرح مسائل الفساد المستشرية داخل البنى والمؤسسات.

فقد باتت حياة الناس في الشارع والمجتمع الفلسطيني، تسير من سيئ إلى أسوأ ليس بسبب من الاحتلال وحده فقط، بل ولأسباب تتعلق بحالة الفساد المستشرية والمترافقة مع تدهور الوضع المعيشي وانفلات الرشاوى وسرقة المال العام، وانتفاخ دور مراكز قوى عسكرتاريا الأمن والمخابرات، في مشهد متكرر يُذكر الشعب الفلسطيني الملسوع بظلم العدو الإسرائيلي الصهيوني، وبنماذج القمع والإرهاب والفساد المستشري في العديد من دول العالم الثالث.

"
الأوضاع الحياتية والاقتصادية للناس في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتراجع مع استشراء غول الفساد والترهل في مختلف المفاصل والمؤسسات الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية وعموم الأحزاب والفصائل بغالبيتها الساحقة
"
الأوضاع الحياتية والاقتصادية للناس في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتراجع مع استشراء غول الفساد، والترهل في مختلف المفاصل والمؤسسات الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية وعموم الأحزاب والفصائل بغالبيتها الساحقة.

وفي العودة للوراء قليلاً، وتحديداً في يونيو/ حزيران 1996 نتذكر تقرير رئيس هيئة الرقابة العامة في المجلس التشريعي الفلسطيني وهو ما عرف باسم (تقرير الفساد) الذي وجه اللوم لعدد من وزراء السلطة، ووجه الاتهام للبعض الآخر وعددهم سبعة وزراء، وطالب بإقالة البعض ومحاكمة الوزراء السبعة وتغيير الوزارة.

وأعلن في حينها عدد واسع من أعضاء المجلس عن النية لسحب الثقة من مجلس السلطة التنفيذية (الوزارة) إلا أن إرادة خفية عملت على ترحيل الأزمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وتم طي ولفلفة الموضوع بعد فترة قصيرة. 

ومن حينها كان تعالي الأصوات ولو بوتيرة متغيرة الإيقاع بين ارتفاع وانخفاض من داخل المجتمع الفلسطيني ومؤسساته المدنية في مناطق السلطة في حديثها المتكرر عن ظاهرة الفساد وتوابعها، وهي الظاهرة التي استشرت وتفاقمت السنوات الأخيرة، وألقت بظلالها على المجتمع وحياة الناس.

حتى أن الترهل والفساد طال مؤسسات السلطة القضائية والتشريعية والأمنية، كذلك بعض المؤسسات الرقابية الحكومية التي باتت درجة الاستجابة لها ضعيفة من قبل المتنفذين، ليصبح ترتيب فلسطين حسب مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية الدولية حاملاً للرقم (108 من مجموع الدول 154) عام 2004, وهو رقم مثير للقلق الشديد من وجهة نظر علمية.

إذ يخفي هذا الرقم وراءه فشلاً ذريعاً في إدارة المؤسسات الرسمية، إما لعدم كفاءته الناس أو لانشغالهم في أعمال أخرى على حساب العمل الحقيقي أو لأسباب تتعلق بصلب البنية المؤسساتية والسياسية العليا أو للأسباب المذكورة مجتمعة.

فظاهرة الفساد داخل مفاصل السلطة الفلسطينية وحتى داخل مفاصل غالبية القوى والفصائل، اتسعت مع بريق الامتيازات التي أطلت على المجتمع الفلسطيني بعد توقيع اتفاق أوسلو الأول في حديقة البيت الأبيض يوم 13/9/1993، وهي امتيازات توالدت بحكم توالد مؤسسات السلطة منذ العام المذكور، مع تدفق أموال الدول المانحة التي تم دفعها لصندوق السلطة الفلسطينية، فابتلعت المفاصل البيروقراطية الرصيد الأكبر منها على حساب المجموع العام وعلى حساب الخدمات الأساسية المفترض تقديمها في مجالات التربية والتعليم والصحة والتأهيل الاجتماعي والاقتصاد.

حيث تقدر وتقرر العديد من الدراسات الجادة بناء على معطيات واضحة، بما فيها معطيات لجنة المالية في المجلس التشريعي لأكثر من مرة وتحديداً في دورتيه الأولى والثانية، أن معظم رواتب السلطة تذهب إلى كبار الموظفين، حيث تشير التقديرات إلى أن (10%) من الموظفين الذين يحملون صفة مدير عام وما يوازي ذلك، يتلقون (60%) من إجمالي رواتب السلطة، وأكثر من (35.14%) من النفقات الجارية للسلطة خصصت لأجهزة الأمن المتعددة، مقابل (18.36%) للتعليم، وما نسبته (9.8%) للصحة كذلك (5.5%) لوزارة الشؤون الاجتماعية، إضافة إلى ما نسبته (6.1%) تقريباً من الميزانية مخصصة لمكتب الرئيس.

المعطيات السابقة تعطي صورة قاتمة وواضحة عن واقع قائم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 أو داخل ما بات يعرف بمناطق السلطة الفلسطينية حيث غياب البناء المؤسساتي وتهميش دور ما هو قائم من مؤسسات على تواضعها، فضلاً عن انتفاخ واتساع دور أجهزة السلطة التي أضحت أكبر رب عمل في الشرق الأوسط (120 ألف موظف وضابط وعامل في أجهزة الأمن) وابتلاعها الأرقام الأعلى مما هو مقدم للشعب الفلسطيني من الدول المانحة.

"
التعيينات العشوائية غير المدروسة وغير المسؤولة في كثير من المؤسسات للمسؤولين الكبار من رتبة مدير عام ومستشار خاصة من حملة الشهادات الدنيا (بما فيها الشهادات المزورة أو  الفخرية) ألحقت ضرراً فادحاً بالأداء العام والإنتاج
"

ومؤخراً، كشفت دراسة حديثة نشرت أجزاء منها قبل شهر مضى، أعدها المهندس فايز السويطي في قطاع غزة أن ملفات الفساد في المؤسسات الفلسطينية بالآلاف، ولم تفتح فعلياً، حيث توضح الدراسة أن التعيينات العشوائية غير المدروسة، وغير المسؤولة في كثير من المؤسسات للمسؤولين الكبار من رتبة مدير عام ومستشار .. إلخ (الفئات العليا) خاصة من حملة الشهادات الدنيا (بما فيها الشهادات المزورة أو الشكلية المعروفة باسم الشهادات الفخرية التي تم جلبها من جامعات الاتحاد السوفياتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية) ألحقت ضرراً فادحاً بالموظفين بشكل خاص وبالأداء العام والإنتاج بشكل عام, عدا اهتزاز سمعة المؤسسات التي تم إنشاؤها بعد قيام السلطة محلياً وإقليمياً ودولياً بالنسبة لموضوع النزاهة وحسن إدارة الأمور.

حتى أن سنوات الانتماء التنظيمي للفصائل الفلسطينية، خاصة لدى حركة فتح وبعض فصائل ما يسمى اليسار الفلسطيني جرى ويجري التلاعب بها عند اعتماد الدرجة المرتبية وبالتالي الراتب الشهري والحسابات المالية لهذا العنصر أو الكادر أو القيادي، فتحسب للبعض سنوات أكبر من عددها الحقيقي ويتم (تفويشهم) على السطح بينما يتم تجاهل آخرين من عامة المناضلين (وغمرهم) نحو القاع، وهو ما بات ملحوظاً لدى عامة الناس، الأمر الذي ترتب عليه توالد الريبة والشكوك داخل نفوس عامة الناس من سلوك القوى والأحزاب والفصائل، التي شهدت بدورها نزفاً وتسرباً ومغادرة مستمرة من قبل كوادرها وفي حضورها في الشارع الشعبي، وطعناً في صدقيتها.

فقد أشارت الدراسة المشار إليها للمهندس فايز السيوطي والمستندة إلى (أرقام ومعطيات) إلى أن الشارع الفلسطيني بات ينظر إلى دور الأحزاب بصورة سلبية تصل إلى (68%) وأن (80%) من الشارع الفلسطيني مستقل وغير مؤطر وفق نتائج البحث التي تمت في تناول رأي شريحة مؤلفة من (500) شخص من مختلف فئات الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وفي هذا السياق كانت لجنة قيادية في حركة فتح مسؤولة عن التدقيق بأحداث قطاع غزة التي جرت في يونيو/ حزيران 2007 برئاسة حكم بلعاوي وعضوية زكريا الأغا وحمدان عاشور وعبد الله الإفرنجي ونصر يوسف وعثمان أبو غربية وعزام الأحمد، قد طالبت قبل أيام قليلة باتخاذ إجراءات بحق عدد من القيادات الفتحاوية في غزة، وطالبت بفصل قياديين من عضوية الحركة ومحاسبتهما مالياً وسؤالهما عن مصادر ثروتيهما، وبالطبع فإن اسمي المومىء إليهما ليس سراً، بل على طاولة الحديث المتداول بشأن الفساد وامتلاكهما الأموال الباهظة خلال فترة قصيرة.

إن الوضع السياسي المتردي مع استمرار الانقسام الداخلي في الساحة الفلسطينية، وتفاقم الحصار والإغلاق الإسرائيلي، وتضييق الخناق على عملية تدفق المساعدات والمواد الاقتصادية خصوصاً لقطاع غزة بما في ذلك تضييق قوات الاحتلال على تدفق مساعدات وكالة الأونروا، واتباع سياسة تجفيف المصادر الداعمة للفلسطينيين، فضلاً عن سياسة الإغلاقات وتقسيم الضفة الغربية إلى عدة مناطق لفترات طويلة، كلها عوامل مجتمعة أدت إلى تفريخ وانتشار عمل "المافيات" وتسارع توالد ظاهرة الفساد وزيادة نسب الإفقار في الأراضي الفلسطينية.

فتقارير الأمم المتحدة للعام الماضي تقول إن (65%) من أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر. والنسبة المشار إليها تعني بشكل مباشر وجود مليوني نسمة تحت خط الفقر، وفق تقديرات لجنة منظمة العمل الدولية ومقرها جنيف.

وللمقارنة، كان كل عامل فلسطيني يعول بالمتوسط خمسة أفراد عام 1999. وفي العام 2002 تفاقم الوضع، فصار كل عامل فلسطيني يعول بالمتوسط (6.5) من الأفراد. وفي العام 2007 أصبح كل عامل يعول بالمتوسط سبعة أفراد، ويتوقع أن تنحدر الأرقام باتجاه ارتفاع قيم الإعالة مع نهاية العام الحالي فيما إذا بقيت الأمور كما هي عليه الآن، داخل المؤسسات التابعة للسلطة، المتخمة بأمراض الفساد والمنتفخة بالتعيينات البيروقراطية النفعية.

ومع استمرار سياسات الاحتلال من خناق وتضييق، ومن حجز إسرائيلي للأموال الداعمة القادمة نحو الأراضي الفلسطينية وتحديداً إلى قطاع غزة، بما فيها الأموال المجباة إسرائيلياً تحت عنوان الضرائب على البضائع الفلسطينية المستوردة والمصدرة، والمقدرة بمئات الملايين من الدولارات.

"
مكافحة الفساد عملية تراكمية تتطلب دوراً ملموساً للمؤسسات الرقابية ذات الصفة الاستقلالية، لا المؤسسات التي تتجنب النقد الجاد للسلطة أو الحزب الحاكم أو التي تستجدي الحلول
"
إن مكافحة الفساد عملية تراكمية تتطلب أيضاً دوراً ملموساً للمؤسسات الرقابية ذات الصفة الاستقلالية، لا المؤسسات التي تتجنب النقد الجاد للسلطة أو الحزب الحاكم، أو التي تستجدي الحلول، مؤسسات ترفض التستر أو حماية المسؤولين الفاسدين الذين يقدمون الولاء للسلطة.. ففي ظل غياب الإرادة الصلبة والمواقف الشجاعة والجرأة والصراحة يبقى الحديث عن مكافحة ظاهرة الفساد حديثا وهميا.

أخيراً، إن أصحاب الفساد الذي بدأ "يضرب أطنابه" منذ زمن ليس بالقصير داخل مواقع السلطة الفلسطينية يعملون على تحويله ليصبح ظاهرة عامة، يتقبلها المجتمع بشكل عام. بينما خطط الإصلاح مازالت ترقيعية، وإن وجدت لا تطبق والدراسات التقيمية توضع على الرف أو تختفي بدون حسيب أو رقيب. ومن هنا أهمية التحرك السريع لمحاصرة غول الفساد.

كما أن الحديث عن إمكانية الإصلاح ومكافحة الفساد يتطلب دوراً جاداً من وسائل الإعلام الفلسطينية التي باتت للأسف ضعيفة والكثير منها موال للسلطة أو الأحزاب والفصائل، حيث يشير مؤشر حرية الصحافة العالمي السنوي لـ (مراسلون بلا حدود) تحتل المناطق الفلسطينية المرتبة (115 من بين 167) بلداً, وهو رقم متدن بكل تأكيد عدا ذلك.

إن مكافحة الفساد عملية تراكمية تتطلب أيضاً دوراً ملموساً للمؤسسات الرقابية ذات الصفة الاستقلالية، لا المؤسسات التي تتجنب النقد الجاد للسلطة أو الحزب الحاكم أو التي تستجدي الحلول، مؤسسات ترفض التستر أو حماية المسؤولين الفاسدين الذين يقدمون الولاء للسلطة.. ففي ظل غياب الإرادة الصلبة والمواقف الشجاعة والجرأة والصراحة يبقى الحديث عن مكافحة ظاهرة الفساد حديثا وهميا.

وعليه، ودون تجميل للواقع، فإن هناك مشكلة داخلية فلسطينية ستبقى مستعصية على الحل طالما بقيت مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وعلى تواضعها، مؤسسات هامشية لا علاقة لها بصياغة السياسات والبرامج والإستراتيجية الوطنية والكفاحية للشعب الفلسطيني.

فعملية المأسسة في فلسطين مازالت حتى هذه اللحظات عملية "مطموسة ومقبورة" تحت وطأة السلوك القيادي القائم على مبدأ سطوة الفرد الواحد في الوزارة أو الدائرة الواحدة وحتى في الحزب الواحد، وطغيان الاستحواذ الفردي والشخصي.

ويعود السبب أيضا في تعويم جوهر الخلاف حول بناء المؤسسات بين "عقلية لا تريد للشعب الفلسطيني أن يؤطر بناه ومجتمعه المدني على أساس من مأسسة الحياة الداخلية وإحلال وسيادة القانون" وبين "عقلية تريد أن تحافظ على الإرث السلبي الذي مازال يعشعش ويفعل فعله في الساحة الفلسطينية" داخل السلطة والقوى والأحزاب والفصائل وعلى درجة من التفاوت. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة