محو الرموز.. من أبي العلاء حتى طه حسين   
الجمعة 1434/4/18 هـ - الموافق 1/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:23 (مكة المكرمة)، 11:23 (غرينتش)

 

بعد سقوط بغداد بأيام (9 أبريل/نيسان 2003) وقف وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد في أول مؤتمر صحفي ليقول للعالم: الآن بدأت معركتنا لمحو الرموز. في الواقع، لم يُقيّض للعراقيين -والعرب- الذين روّعتهم صدمة احتلال العراق، وسقوط عاصمته التاريخية بسرعة غير متوقعة، أن يدركوا مغزى هذه الجملة المبهمة، إلا بعد تواتر الأنباء عن نهب المتحف العراقي، وتحطيم وتهشيم الكثير من مقتنياته النادرة.

لقد نُهب التاريخ وتبعثرت في طرقات العالم تماثيل آلهة العراقيين وملوكهم. وفجأة تمّ تجريد المجتمع من تاريخه البطولي. وكان أمراً مدهشاً، أن يقترن هذا التجريد مع وقوع هزيمة عسكرية خاطفة للدولة. بهذا المعنى تحققتّ هزيمة مزدوجة، للدولة والمجتمع وفي لحظة واحدة، حيث جرى تفكيك مُمنهج تخطى موضوعات الصراع الدائر، ليصبح التاريخ والرمزيّات هدفاً قائماً بذاته.

إن الرمزيّات الثقافية والتاريخية، تلعب –في أي مجتمع- دور المادة الصمغيّة التي توحدّ وجدان الجماعات والأفراد والحسّاسيّات الثقافية والطوائف الدينية والمذهبية، داخل هوية واحدة جامعة

إن الرمزيّات الثقافية والتاريخية، تلعب –في أي مجتمع- دور المادة الصمغيّة التي توحدّ وجدان الجماعات والأفراد والحسّاسيّات الثقافية والطوائف الدينية والمذهبية، داخل هوية واحدة جامعة. وبزوالها يعود المجتمع تدريجاً إلى حالته ما قبل المجتمعية، أي إلى جماعات وكتل تفتقد للترابط الوجداني.

بعد وقت طويل نسبياً من حادث نهب المتحف الوطني، استفاق العراقيون على نبأ غريب ومثير، فقد جرت عملية سرقة علنية وفي وضح النهار، لتمثال عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء وزير الداخلية (الأربعينات من القرن الماضي) من قلب شارع رئيس في بغداد يعرف باسمه "شارع السعدون".

لم تكن واقعة سرقة التمثال، مفهومة أو مبررّة أو قابلة للتفسير السياسي، فهي تخلو من السياق الضروري الذي يجعل منها حادثاً له صلة من نوع ما بعالم السياسة، أو بعالم الجريمة الجنائية على حدِّ سواء.

بكلام أدّق، كانت الجريمة خالية تماماً من العناصر الضرورية التي تجعل منها جريمة سياسية، تجسّد وتعبرّ عن احتجاج جماعات وأفراد، ضد مؤسسات أو جماعات سياسية منافسة أخرى، أو تجعل منها جريمة سرقة تقليدية، لها صلة بأعمال سرقة مماثلة بقصد الحصول على المال.

لم يكن للواقعة أي مغزى يمكن استخدامه في تبرير سلوك جماهير لصوصية، ملأت الشوارع فجأة وراحت تنهب كل شيء، فالسرقة تمّت في ظل ظروف، سادت فيها فوضى عارمة ناجمة عن انهيار الدولة، وشاعت فيها أعمال نهب منظمة للبنوك والمتاحف والمؤسسات الحكومية. كل شيء كان ينهب. حتى المستشفيات. وفي تلك اللحظات المأسوية أطلق عراقي غاضب تعبيراً طريفاً ومعبّراً ببلاغة: إنه مهرجان التسوق؟

لقد كان النهابون يتسوّقون بحرية مطلقة، وبدا أن بوسعهم أيضاً، أن يضيفوا إلى متعة التسوق، نكهة ممارسة العنف ضد الرمزيات.

كان حادث نهب وتدمير المتحف العراقي، بصرف النظر عن الكثير من التفاصيل، قابلاً بسهولة للفهم كعمل قصد به تجريد المجتمع من رمزياته التاريخية، لكن، أن تتمّ سرقة تمثال زعيم سياسي مات منتحراً بسبب اتهامات بعمالته للبريطانيين، فذلك ما لم يكن مفهوماً؟ كان تفكيك الدولة يجري بوتيرة مفزعة من السرعة والدقة، بما يعني أن سرقة تمثال السعدون، جرت ضمن سياق آخر مختلف كلية عن سياق سرقة المتحف أو المؤسسات.

إنهما سياقان مختلفان على أية حال، فعمليات تفكيك (ونهب) وتحطيم الماكنة الإدارية للدولة، هدفت إلى تحطيم الدولة ومحوها، بينما أخذت عمليات أخرى موازية تشق طريقها صوب محو مُمنهج للرموز في المجتمع.

بعد أشهر قليلة من هذا الحادث المحزن، تكرر الحادث نفسه ولكن بصورة أكثر التباسا، وذلك حين تم تهشيم رأس تمثال باني بغداد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

في تلك اللحظات اكتمل المعنى وتلاشى الالتباس في عبارة رمسفيلد، وتبدى على أكمل وجه، أن محو الرموز، كان إستراتيجية أميركية جديدة، هي لبّ وجوهر العمل العسكري في العراق، وأن سياقاً مختلفاً من التفكيك يجري التقيّد به، سوف يشمل لا الرموز السياسية للدولة، وإنما كل رمزيّات المجتمع، وبواسطة جماهير محلية هائجة وغرائزية، ستقوم بنفسها ولصالح (أهداف الآخر) بإزالة ومحو كل ما يشكل ذاكرة الشعب التاريخية.

إن قراءة سوسيولوجية لحادث من هذا النوع، سوف يتكرر في بلدان عربية أخرى، مثل تحطيم تمثال الرئيس المصري جمال عبد الناصر في بنغازي (ليبيا) ووضع البرقع على وجه تمثال سيّدة الغناء العربي أم كلثوم، وقطع رأس تمثال أبي العلاء المعري في سوريا، يمكنها أن تساهم في فهم أعمق لإستراتيجية محو الرموز التي أعلنها رمسفيلد قبل عشر سنوات من الآن.

عملية تحطيم تمثال عبد الناصر في بنغازي (ليبيا) وقطع رأس تمثال المعري في سوريا، يمكنها أن تساهم في فهم أعمق لإستراتيجية محو الرموز التي أعلنها رمسفيلد قبل عشر سنوات من الآن

ولعل أبرز معالم هذا النوع من النهب، وأكثرها غرائبية ما حدث مؤخراً في مصر، حين سرق مجهولون تمثال عميد الأدب العربي طه حسين.

ولأن هذا "النهب الثقافي" اقترن بأعمال عدوانية، مباشرة وقصدية ضد الرموز التاريخية القديمة والحديثة في المجتمع، سواء من خلال تحطيمها بواسطة آلات حادة وإزالة معالمها أو سرقتها، فقد بدا واضحاً أنها ليست موجهة ضد الدولة وذاكرتها السياسية، ولم تكن مصممّة للتعبير عن الاحتجاج السياسي على سلوك السلطة، بمقدار ما هي موجهة ضد المجتمع وذاكرته الثقافية والتاريخية.

لقد أحدثت هذه السلسلة المترابطة من أعمال السرقة في بلدان عربية مختلفة، تغييّراً جوهرياً في فكرة (النهب) التقليدية والمألوفة في المجتمع، فهي لم تعد عملاً جنائياً قصد الحصول على مقتنيات ثمينة والتصرف بها، بل باتت موضوعاً من موضوعات العدوان ضد الرمزيّات وبهدفِ وحيدِ، هو إزالتها ومحوها، أي الاستيلاء عليها لأجل حجبها نهائياً وإلى الأبد عن أنظار المجتمع.

إنه نوع من خطف رمزي للتاريخ الثقافي والاجتماعي، تقوم به جماهير رعاعية، ترغب في إحداث انعطافة كبرى في جوهر الصراع الدائر، تشمل تحديد العدو وتعيد تصنيفه، فهو ليس عدواً قادماً من الخارج ، وليس من منتاجته الثقافية ولا من رمزيّاته؛ بل بات داخلياً، وله امتدادات وجذور في التاريخ الثقافي والاجتماعي.

والمثير للدهشة، أن الرمزيّات الدّالة على ثقافة الآخر الاستعماري، أي تلك التي يمكن تصنيفها كرمزيّات تخص مؤثرات الآخر الثقافية، أو من نتاج (غزوه الثقافي) لم تكن مستهدفة قط، لقد تركت بسلام، بينما انصبتّ أعمال العدوان على الرمزيّات الوطنية (بمعنى المحلية) للمجتمع.

وحين يصبح طه حسين هو العدو الذي يتعيّن محو رمزيته في مصر، ويصبح عبد الناصر هو العدو الذي يتعيّن تحطيم رمزيته خارج مصر، فسوف يبدو مفهوماً مغزى الترابط في أعمال النهب والعدوان على الرمزيّات الثقافية والاجتماعية من بغداد حتى القاهرة مروراً بمعرّة النعمان في سوريا.

إن التأمل في الوقائع بعمق، وبطريقة مختلفة ومغايرة، هو الشرط الضروري لتقديم قراءة سوسيولوجية جديدة، قد تساهم بقوة في تقدم في فهم أفضل لإستراتيجية محو الرموز، فقطع رأس أبي العلاء المعرّي، الفيلسوف والشاعر الأعمى، وسرقة تمثال عميد الأدب العربي الضرير طه حسين، هو عمل عدواني واحد، مصممّ  لتحقيق غرض واحد أيضاً، ولكن في مكانين منفصلين. وهما الشخص نفسه في عصرين مختلفين، وقد جمعتهما رؤى الشعر والفلسفة والتمرّد على المألوف والسائد في المجتمع، كما جمعتهما محنة فقدان البصر.

إن قطع الرأس -في حالة أبي العلاء- هو تنفيذ رمزي لحكم بالإعدام، صادر عن جهة غامضة لا تشعر بالحرج من القول إنها تنتمي للماضي وأنها جاءت إلى الحاضر، وستظل معنا حتى المستقبل، وأنها هي من نفذ الحكم، بينما يبدو التغييّب الرمزي لطه حسين، وكأنه الحكم نفسه وللرجل الضرير نفسه.

ولسوف يبدو وضع البرقع فوق وجه تمثال أمّ كلثوم، وكأنه عمل يهدف إلى تحقيق الغرض نفسه، من خلال مماثلتها مع حالتي المعريّ وحسين وحرمانها من نعمة البصر، أي أن تصبح سيّدة الغناء امرأة عمياء لن تتمكن بعد اليوم من رؤية النيل الذي ظلت ترنو إليه ببصرها منذ سنوات طويلة.

إن شخصية الشاعر -المغنيّ في التاريخ الأدبي الإنساني، غالباً ما كانت تقترن بعماه، فهو شاعر- مغنِ لا يبصر، ولكنه في الآن ذاته، قادر على وصف الواقع ورؤيته بأفضل مما يمكن للمبصرين.

ولعنا نجد في شخصيتيّ الشاعرين -المُغنييّن، الإغريقي الأسطوري هوميروس، والعربي الجاهلي الأعشى، ما يلخص على أكمل وجه هذه الفكرة الرمزية، فهما كانا –برغم العمى- قادرين على رؤية ووصف بطولات الأبطال، وتصوير ميادين القتال. لقد مثلا بصدق، شخصية المغني والشاعر والفيلسوف الذي يمكنه وحده، أن يصف البطولة وأن يتغنىّ بالأمجاد. وهذا هو البُعد الجوهري الذي تكرّر في شخصية المعريّ وطه حسين وأم كلثوم.

وبكل تأكيد، فالهدف الذي قصده اللصوص والمعتدون، وتبدى في أعينهم أغلى من المال، هو هذا البُعد الخفيّ من العدوان. وليس دون معنى أن تهشيم رأس باني بغداد القديمة أبي جعفر المنصور، وتحطيم تمثال عبد الناصر في بنغازي، سوف يبدو وكأنه العمل نفسه وقد وقع في مكانين وزمانين مختلفين واستهدف الشخص نفسه.

يوم دخل النازيون في قلب الأراضي اليونانية لم يفكر أحدا بتحطيم نصب الشاعر الأعمى هوميروس, ويوم هبّ اليونانيون في ثورات اجتماعية كبرى، لم يفكر أحد خلالها بقطع رأسه
"

وبكل يقين، استهدف البعد نفسه في شخصيتيهما، فهما ارتبطا بنشوء وصعود العراق القديم ومصر الحديثة. وفي شخصية المنصور، كما في شخصية عبد الناصر، يكمن البُعد البطولي في (البطل) الذي مجدّه هوميروس، وتغنىّ به الأعشى، وترنمّ المعريّ بمآثره، وسطرّته حروف طه حسين وصدحت له أم كلثوم.

بهذا المعنى، يصبح محو الرموز، نوعاً من محو لفكرة البطولة، بهدف تجريد المجتمع من رمزياته التي لعبت دور السلاح التاريخي.

ذات يوم دخل النازيون في قلب الأراضي اليونانية، لكن أحداً لم يفكر بتحطيم نصب الشاعر الأعمى هوميروس. ويوم هبّ اليونانيون في ثورات اجتماعية كبرى، لم يفكر أحد خلالها بقطع رأسه، ولا في ستر جسد أفروديت العارية في الأكروبول المقدّس.

وعبر التاريخ مرّ الكثير من الغزاة في شوارع أثينا التي تزينها تماثيل إله الشفاء والموسيقى أبولو، كما سارت الجماهير اليونانية الثائرة، مراراَ في الشوارع والمدن ذاتها، لكن لا اليونانيين الثائرين، ولا الغزاة، فكروا بسرقة أبولو أو تحطيمه.

وذات يوم وصل الآشوريون إلى شواطئ المتوسط، لكن أحداً من جنود الإمبراطورية العراقية القديمة لم يفكر، مجرد تفكير بسرقة تمثال أبولو.

وذات يوم هبّ البريطانيون في ثورة عارمة ضد الملكية، لكن أحداً لم يفكر بتحطيم تمثال كرومويل.
لقد ولىّ العصر البطولي الذي عرفته البشرية، وحلّ محله عصر النهب الكوني للثروات والرموز.
أهلا بكل اللصوص في مهرجانات التسوّق العربي الجديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة