دور أردني أم دور سلطوي؟   
الخميس 1430/11/24 هـ - الموافق 12/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:38 (مكة المكرمة)، 12:38 (غرينتش)


 
لا توجد على الخارطة العربية ساحة أكثر تعقيدا وغموضا من الساحة الأردنية. وإذا كان بعض التعقيد يتأتى من موقع الأردن وتشابكه التاريخي مع مجريات أقدم وأخطر قضية لا تزال بدون حل, وهي القضية الفلسطينية.. فإن الغموض نابع من ألا أحد كتب تاريخ الأردن الحقيقي ولا تعمّق في محاولة فهم مجريات الأحداث فيه أولا بأول.

فهذا التاريخ لم يتسن له أن يكتب بأقلام داخلية, لأن عمر المملكة هو من عمر إعلان قانون الطوارئ والأحكام العرفية, وكلاهما قائم لحينه بذات مسماه أو باستبداله بتشريعات غير دستورية تفيد ذات الغرض.. ناهيك عن ممارسات خارج القانون تماما, كالذي جرى للنائب السابق ليث شبيلات قبل أيام.

"
استنكاف المؤرخين العرب عن كتابة تاريخ الأردن مرده أن معظمهم اعتبر الإمارة ثم المملكة ناتجا جانبيا للقضية الفلسطينية يجري ترتيب أوضاعه بحل القضية وليس قبلها
"
أما استنكاف المؤرخين العرب عن كتابة تاريخ الأردن فمرده أن معظمهم, بالنظر لتزامن قيام إمارة شرق الأردن مع اتفاقية سايكس بيكو وما أحاطها, اعتبر الإمارة ثم المملكة ناتجا جانبيا للقضية الفلسطينية يجري ترتيب أوضاعه بحل القضية وليس قبلها, ومن هنا هم غير معنيين بجهد مخصص له لا يجدي سوى في استجلاب معارك لفظية معه.

وهذا كله يلقي بالمسؤولية في حضن الأردنيين ذاتهم لإعادة كتابة تاريخ الأردن, كجهد رافد لإعادة توصيف دوره العربي والإقليمي ليخرج من هذا الحال الذي أوقعته في سياسات قديمة متجددة.

المشكلة الأهم أن الأردن الرسمي لم يسع حقيقة لتعزيز وجوده المستقل عن فلسطين. بل ظن أنه بدخوله على خط القضية الفلسطينية يكبر عن الإمارة التي كانها. من هنا سعيه لضم الضفة الغربية للأردن, ما حال دون إعلان "دولة عموم فلسطين" على ما تبقى من فلسطين، حسب ما كان مطروحا من الجامعة العربية ومؤيدا من بريطانيا ذاتها, وهو كامل الضفة الغربية بما فيه ما قضمته إسرائيل بعد قرار التقسيم عام 47 وبعد حرب عام 48.

وكان الرد الرسمي الذي يرفع في وجهنا هو أن الأردن بهذا الضم منع إسرائيل من احتلال ما تبقى من فلسطين.. وهذا الرد ظل قائما حتى بعد أن عادت إسرائيل لاحتلال كامل فلسطين عام 67, دون ذكر الباقورة والغمر الواقعتين في الأرض الأردنية, واللتين حولتهما اتفاقية وادي عربة لمستوطنتين دائمتين, مع استمرار زعم تحريرهما.

وما بين احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 وتوقيعنا اتفاقية عام 1994 نسلم بها ما جرى احتلاله, استمرت تلك المطامح تحرك, شبه منفردة, أهم السياسات الأردنية الخارجية والداخلية. وكان من أبرزها الذي أوصلنا لما نحن فيه, توافق الأردن منفردا مع أميركا نهاية مايو/أيار 85 على صيغة الوفد المشترك (حسب مذكرات وزير خارجيتها شولتز) مع أن هذه الصيغة كانت قد طرحت على الفلسطينيين في فبراير/شباط من العام ذاته باسم "اتفاقية شباط" ورفضتها منظمة التحرير التي أصرت على أن تمثل ضمن وفد عربي.

وقد حذرنا من الإصرار على تنازع الوصاية ذاك عند ذهاب الأردن إلى مدريد -مضافا لاعتراضنا على مدريد ابتداء- كون إسرائيل مضطرة للحديث مع الفلسطينيين باعتبارهم أصحاب الشأن.. فكان أن تحدثت فعلا "من وراء ظهرنا" وأورثتنا اتفاقية أوسلو التي شملتنا آثارها كما شملت فلسطين. كما حذرنا من قبول صيغة المسار "المتعدد" الذي أحيلت إليه أخطر الملفات في مدريد, بما فيها ملف اللاجئين, بهدف تجميدها.. وهو ما حصل وارتد على الأردن في صيغة "التوطين" للاجئين والنازحين الواردة في وادي عربة, وصولا "للوطن البديل" الذي يطرح صراحة الآن.

ولبيان الفارق بين الصيغتين, فإن الوطن البديل يتضمن عودة بديلة للاجئين كانوا في دول الشتات الأخرى, كما يتضمن إبعاد قطاعات واسعة من أهل الضفة إلى الأردن يجري حقيقة منذ زمن, يليه ترحيل لعرب الـ48 الذي باتت قوانينه وإجراءاته تبحث في الكنيست صراحة.

وقد واكبنا بالتحليل والنقد تلك السياسات في مقالات سابقة, تجدر قراءتها لمن يريدون استكمال الموضوع المطروح هنا, وأهمها مقالتان على "الجزيرة نت", الأولى بعنوان "مأزق يدعو للقلق" نشرت في يناير/كانون الثاني 2007, والثانية بعنوان "أعمدة الوهم الستة.. سور لا يحمي" نشرت في يونيو/حزيران 2008. إضافة لمقالة بعنوان "ما بين الدور.. والمصالح" نشرت في "الراية" القطرية في 16/1/2008 أثناء زيارة بوش السابقة للمنطقة.

"
الصحافة الرسمية الأردنية عبرت عن "شعور دوائر القرار الأردنية بالضيق من تجاهلها أو تهميشها" في زيارة بوش للبحث عن حل نهائي للقضية الفلسطينية, وأعربت عن "مخاوفها مما يجري من وراء ظهر الأردن وعلى حسابه"
"
فعند الإعلان عن تلك الزيارة المخصصة لبحث حل نهائي للقضية الفلسطينية, جرت استعدادات على قدم وساق لاستقبال الرئيس الأميركي.. ليتبين أننا لم نكن على جدول زيارته, التي شملت دول الاعتدال وإسرائيل والسلطة الفلسطينية أيضا، كون بوش التقى عباس بعد لقائه لأولمرت. فجاءت الصحافة الرسمية لتعبر عن "شعور دوائر القرار الأردنية بالضيق من تجاهلها أو تهميشها", وتتحدت عن "مخاوف مما يجري من وراء ظهر الأردن وعلى حسابه", ولأول مرة بعد أن كانت تروج لكون الأردن هو من حرك التسوية الموعودة, عادت لتشكو من أن الأردن لا يوضع جديا في الصورة.

وأسوأ ما في قصة التهميش تلك, أن الأردن جرى استرضاؤه, ليس سياسيا بوضعه في الصورة, بل ماليا. فقد أوعز بوش، وهو بعد في المنطقة, بزيادة المعونات المقدمة للأردن مائتي مليون دولار. ورضا الأردن بهذا يمكنأن يفهم بأنه وضع بطاقة سعر لسياساته. بل إن أميركا قدمته لأن مطالب من ذلك النوع سبقت وباتت تشكل قاسما مشتركا لمقالات الصحافة الأردنية -الرسمية وشبه الرسمية بدليل أنها تنشر في الداخل- التي اشتكت التهميش أو طالبت بالحلول محل المنظمة في التفاوض.. القاسم المشترك كان البحث عن وسيلة للحصول على تعويضات للأردن عن اللاجئين الذين سيوطنون نهائيا لديه!! وهو تحديدا ما جاء صائب عريقات لتذكير الأردن به في ندوة مفتوحة عقدها في عمان في يونيو/حزيران الماضي, عندما عادت احتجاجات الأردن على ما يجري "من وراء ظهره وعلى حسابه", موضحا أن "المعركة مع أميركا وإسرائيل تتعلق بتعويض الدول المضيفة, والأردن تحديدا"!!

والشكاوى المثارة حاليا حول عجز الموازنة الأردنية بسبب "تقلص المعونات" تؤكد ما أعلنه تقرير إسرائيلي لكارل سوسمان الأستاذ والباحث في جامعة تل أبيب (سبق أن كتبنا عنه) من أن شارون, ولتنفيذ "الخيار الأردني" و"إزالة المملكة المصطنعة", يقترح "لعبة انتظار غير معلنة مع الأردن يكون فيها اعتماد الأردن على المعونة الاقتصادية من المجتمع الدولي قد شكل غياب حصانته".

وقبل هذا كان أبو مازن هو الذي يهمشنا منذ بداية العام 2007 على أقل تقدير. فقد كتبت ذات الصحافة القريبة من الحكومة تقول "إن المسؤولين الأردنيين يكابرون لإخفاء غضبهم من عباس الذي تصرف بطريقة استفزازية ومهينة ليس فقط برفض مبادرة الأردن لعقد لقاء بينه وبين رئيس وزرائه إسماعيل هنية في عمان, بل لأنه قبل بعرض آخر سوري لزيارة دمشق على أمل أن يرضى مشعل بلقائه"..  لنفاجأ بذات الصحفي يكتب بعد يومين فقط أن ما فعله عباس "كان هدفا تكتيكيا, تم بالتنسيق مع وبمباركة دول محور الاعتدال لمساعدة عباس على الصمود في وجه هنية.. ويأتي في سياق إستراتيجية متكاملة تعفي عباس من مسؤولية فشل محاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية".. وهذا بعض ما توثقه مقالتنا "مأزق يدعو للقلق" من تجليات "الارتباك" السياسي والاقتصادي الأردني, وصولا لم أسمته صحافتنا "الشلل أو الغيبوبة" , نتيجة سياسات تحاول تسويق الدور السياسي الإقليمي كسلعة رئيسية لجلب المعونات والتعويضات, بدل التركيز على التنمية والتقوية الداخلية الاقتصادية والسياسية.

ونتيجة هذه الهرولة غربا, فإن حكومة "السلطة" لم تجد حرجا في أن تعتذر مؤخرا عن حضور اجتماعات اللجنة العليا الأردنية الفلسطينية المشتركة التي كان مقررا عقدها منتصف الشهر الماضي في عمان, بعد تأجيل استمر اثني عشر عاما لا أقل, بحجة أنها "مشغولة"!! وكان هذا بعد لمز أبو مازن في قناتنا عند قيامه بتوزيع تهم تأجيل التصويت على التقرير على "دول عربية".. وكل ما صدر من جانبنا أن تعهدت حكومتنا بمواصلة العمل على مستوى اللجان, فيما يشبه "إدارة شؤون البيت" التي انشغلت عنها السلطة وحكومتها اثني عشر عاما بالمهمة السياسية الأكبر.. المهمة التي فشلت لدرجة استلزمت إعلان عباس عدم رغبته في الترشح للانتخابات التالية, وهو ما لم يعتبره كبير المفاوضين الفلسطينيين كافيا, فنصح عباس بأن يصارح الشعب الفلسطيني بأن "حل الدولتين" لم يعد خيارا كونه لا توجد فرصة لنجاحه.

وقد يكون عريقات قصد بهذه الصحوة المتأخرة بدء حملة خلافته لعباس قبل أن يتمكن الأخير من التراجع. وهو ما سبقه إليه محمد دحلان بإطلاق حملته تلك, ومن عمان. ثم إن النتيجة التي استغرقت كبير المفاوضين أكثر من عقد ونصف للاعتراف بها, كانت واضحة منذ أمد. فالوهم الأول الذي نبهنا منه في مقالتنا المنشورة قبل عام ونصف, هو "وهم إقامة دولة فلسطينية عبر أية وسيلة غير التحرير الذي تأتي به مقاومة وطنية أو تمليه بقوة تلك المقاومة كما أملت المقاومة اللبنانية مطالبها".. ولكن الأهم بالنسبة للأردن هو الوهم الرابع ,"وهم أننا يمكن أن نعود لحكم الضفة الغربية كما كانت الأمور قبل عام 67, أو حتى الحصول على امتيازات فيها ولو بحدود الأماكن المقدسة.. فهذا فخ إسرائيلي يلعب على أطماع البعض المتضخمة, ولحظة يطأ الأردن أرض الضفة, بزعم دور إداري أو أمني أو غيره, نكون وضعنا الدولة الأردنية أيضا تحت سلطة الاحتلال".

والعودة للتنبيه من هذا ملحة الآن تحديدا, لأن الحديث عن "الدور الأردني" يعود الآن باعتباره الخيار المتبقي, بزعم الحفاظ على الأمن في الضفة ومنع تهويدها. وهو أمر عجيب في ظل إجماع أردني على تراجع "هيبة الدولة" داخليا, مما يعزونه لتراجع دورها في تحقيق أمن المواطن ومعيشته وعدم احترامها للقوانين والعنف الذي تمارسه أجهزة الأمن ضد المواطن. وهو ما استتبع أخذ المواطنين للأمن بيدهم والعودة لقوانين العشيرة أو حتى قوانين الغاب, مما أدى لمواجهات دامية مع قوات "الدرك" المستحدثة لمعالجة "الشغب" الداخلي وليس التهديدات الخارجية.. والدرك تحديدا اتهم بتصعيد وتيرة الخلاف المشروع إلى حالات عنف (كما حدث في اعتصام عمالي وفي اعتصام النقابات ضد استيراد خضار المستوطنات الإسرائيلية) لصالح "مراكز القوى" التي عرضنا لها في مقالتنا "مأزق يدعو للقلق", والتي أصبحت الشريك والذراع لمن أسموا مستثمرين بيعت لهم أصول الدولة.

وهو ما يعيدنا للتساؤل: هل هو "مأزق" نتج عن قيام مراكز القوى المعزولة التي لا تملك أية جذور بتحريك حكومات ضعيفة مرتهنه لها؟ أم إن "مراكز قوى دولية" تقوم بتحريك مراكز قوى محلية مختلقة, كي تغيب النخب الأردنية فيعم الارتباك بحيث تضيع البوصلة ومن ثم الإرادة, وتعتم الهوية السياسية, تمهيدا لأوضاع بديلة تسقط علينا لتحل محل هذه "الفوضى الخلاقة"؟

"
بقدر ما يتبدى من مظاهر "تهميش" الأردن عربيا ودوليا, تتصاعد مطالب عربية ودولية بضرورة إعطاء الفلسطينيين شيئا ما. وهذا الشيء يتراجع منذ أوسلو, بتواطؤ فلسطيني سلطوي وقبول عربي.. فما هو البديل الذي سيقدم للفلسطينيين؟
"
فبقدر ما يتبدى من مظاهر "تهميش" الأردن عربيا ودوليا, تتصاعد مطالب عربية ودولية بضرورة إعطاء الفلسطينيين شيئا ما. وهذا الشيء يتراجع منذ أوسلو, بتواطؤ فلسطيني سلطوي وقبول عربي, عن تحرير كامل فلسطين, إلى الانسحاب من كامل الضفة وإقامة دولة ذات سيادة وحق عودة إليها, إلى دولة منقوصة السيادة باضطراد ومقلصة المساحة ومقطعة الأوصال.. وأخيرا إلى لا دولة بتاتا كما صرح كبير المفاوضين الفلسطينيين نفسه.. فما هو البديل الذي سيقدم للفلسطينيين؟

مغرق في السذاجة من يقول إن إعادة الضفة للولاية الأردنية هي شيء يمكن أن يقدم للفلسطينيين كحل نهائي أو حتى مؤقت.. هو قد يوظف لاستدراجنا فقط. فما تجلت إرهاصاته في استقواء رجال السلطة علينا, هو دور "سلطوي" تتولى فيه طغمة اتفاقيات أوسلو وجنيف مهمة "مندوب غير سام" لتكريس هيمنة إسرائيل على ضفتي نهر الأردن, بما يضمن ألا ينتفض أحد في وجه سيطرتها على كامل "أرض الميعاد", حسب الطرح الديني الذي تستعمله كرأس حربة.. وبالطرح السياسي, المطلوب هو أن تتواجد إسرائيل آمنة في قلعتها المحاطة بالجدار العازل, دون أن تفقد "المنطقة العازلة" التي وفرتها لها سايكس بيكو, بل أن تحول تلك المنطقة إلى بوابة تسيطر عليها هي, للعبور إلى أسواق وثروات العالم العربي, والنفطي منه خاصة.

لا نقول إن هذا ما سيرضى به الأردنيون, من كافة الأصول والمنابت, ولا هو ما سيرضى به الفلسطينيون تحت الاحتلال.. ولكننا نخشى إذعان البعض المسحوق في القاعدة على الجانبين. والحل المحصن للطرفين بيد الأردن, ويتلخص في العودة لأولويات الداخل الأردني المتمثلة في إعادة بناء دولة المواطنة والديمقراطية الحقة, التي وحدها تعيد الهيبة للدولة, داخليا وخارجيا.. ودون التخفي بدعوات "الحاكمية الرشيدة" التي تهدف لإعادة تدوير الفساد والترهل والفشل الحالي لاستعمالات أقل سوية, كما في كل منتج بالتدوير, في حين تتعاظم سوية التحديات التي تواجه الأردن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة