لغة ديمقراطية جديدة.. قراءة في خطاب بوش   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ نجيب الغضبان

الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي جورج بوش بمناسبة الذكرى العشرين لإنشاء المجلس القومي للديمقراطية يمكن أن يمثل تغييراً في التفكير الإستراتيجي للولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط.على أن رد الفعل العربي جاء في أغلبه رافضا لدعوة بوش إلى إحلال الديمقراطية في المنطقة، كما شكك أغلب المحللين والمعلقين العرب في حديثه عن التزام بلاده بتحقيق هذه الدعوة.

ومع وجاهة بعض الانتقادات التي وجهت لخطاب الرئيس بوش فإن قراءة متفحصة لما جاء فيه تظهر بعض الإيجابيات التي قد يكون من الخطأ عدم الإقرار بها. أكثر من ذلك، لم لا يكون التزام الولايات المتحدة بتشجيع الديمقراطية في المنطقة العربية هو معيار التعامل المستقبلي معها، خاصة من قبل القوى المناضلة في سبيل الحرية؟


خطاب بوش يرسي تغييرا هاما في التفكير الإستراتيجي يتمثل في تشجيع ونشر الديمقراطية في المنطقة العربية على أنها من الأمور التي تخدم أهداف أميركا في تحقيق الأمن والسلام
بداية لا بد من الموافقة على ما أشارت إليه الأصوات العربية من وجود قصورين رئيسيين في خطاب الرئيس بوش هما: أولاً خلو الخطاب من أي إشارة إلى إسرائيل التي تقوم حكومتها بأشرس عملية قمع بحق الشعب الفلسطيني على مسمع من العالم الغربي "الديمقراطي" والعربي البائس. والإشارة التي وردت إلى الفلسطينيين تؤكد ما اعتادت الإدارة الأميركية مؤخرا على تكراره من أن الطريق إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة يتطلب اختيار قيادة فلسطينية معتدلة تنبذ العنف وتنتهج سبيل الإصلاح الداخلي.

لكن عدم ذكر إسرائيل بشكل مطلق قد يحمل إيجابية تتمثل في أنها لم تقدم على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، كما اعتادت الروايات الأميركية على التأكيد. وعموماً، فإن عدم التعرض إلى المجازر الإسرائيلية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وخلو الإشارة إلى بناء الجدار العنصري الذي تبنيه حكومة شارون الإرهابية، تمثل نقطة الضعف الأساسية في أي دعوة أميركية لتحقيق الديمقراطية في المنطقة، خاصة وأن الولايات المتحدة شريكة في قمع شعب بأكمله، وهو ما ينسف حيزا من الدعاوى الديمقراطية لإسرائيل وحليفتها وداعمتها.

القصور الثاني يتمثل في الخلفية التي يتم من خلالها طرح الدعوة إلى الديمقراطية لتبرير الغزو غير الشرعي للعراق والمأزق الذي تواجهه الإدارة الأميركية والمتمثل في تنامي المقاومة العراقية لقواتها المحتلة. ما نعنيه هنا أن الإدارة تحاول تركيز تبريرها لغزو العراق باسم تحرير الشعب العراقي من نظامه القمعي الدكتاتوري، خاصة بعد أن ثبت أن النظام العراقي لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، كما أنه لم تكن تربطه صلة بالإرهاب، وبمعنى آخر لم يكن العراق يمثل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة أو حلفائها.

وكما تم استغلال نقطة ضعف النظام العراقي لأنه نظام دكتاتوري قمع شعبه واعتدى على جيرانه لاحتلال هذا البلد العربي، فمن الممكن أن تتكرر العملية مع الدول العربية الأخرى التي تعاني من "القصور الديمقراطي"، خاصة تلك التي تبدي نوعا من الرفض للاحتلال بقديمه الإسرائيلي أو جديده الأميركي.

لكن ورغم وجاهة هذه الاعتراضات على ما جاء في خطاب بوش الداعي إلى نشر الديمقراطية في المنطقة، فلا بد من الإشارة إلى اشتمال الخطاب على نقاط جديدة وجادة تستحق المناقشة والاعتبار. أولى هذه النقاط أن الرئيس الأميركي يرسي تغييراً هاماً في التفكير الإستراتيجي تجاه المنطقة العربية، يتمثل في إضافة تشجيع ونشر الديمقراطية في المنطقة العربية على أنها من الأمور التي تخدم أهداف الولايات المتحدة في تحقيق الأمن والسلام في المنطقة.

من الواضح أن خطاب الرئيس احتوى على نبرة اعتراف بمسؤولية الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة في دعم الدكتاتوريات في المنطقة العربية، كما أن هناك ما يشبه الاعتذار المبطن عن هذه السياسة. هذا التغيير على مستوى الطرح النظري -على الأقل- يمثل نقلة في تعامل واشنطن مع الدول "المارقة" التي يقع أغلبها في المنطقة من أسلوب الاحتواء والردع إلى الحرب الوقائية والإبقاء على التفوق.


الامتحان العملي لاعتراف بوش بأن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية سيكون في السماح للقوى الإسلامية المعتدلة بخوض المعترك الانتخابي والسماح لها بالحكم
وهنا يضيف بوش بعدا ثالثا يتمثل في أن أي إعادة تشكيل للمنطقة يجب أن تكون باتجاه النموذج الديمقراطي. وعموما ستكون العراق أول وأخطر امتحان لهذا التوجه الذي يبدو أنه لا يوجد أمام واشنطن إلا أن تعمل على إنجاحه.

النقطة الثانية هي إقرار الرئيس الأميركي أن العرب قادرون ومستحقون للعيش في ظل نظام ديمقراطي، كما أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية. ومع أن هذه القضايا تبدو بديهية للوهلة الأولى، لا بد من فهمها في إطار أن كثيرين من أنصار إسرائيل المحسوبين على المحافظين الجدد كانوا يصرون على أن الثقافة العربية والدين الإسلامي لا يتوافقان مع المبادئ الديمقراطية، وفي ذلك انعكاس لنظرة عنصرية من ناحية وتبرير لدعم الأنظمة الاستبدادية من ناحية ثانية.

الامتحان العملي لهذا الاعتراف من الرئيس الأميركي سيكون في السماح للقوى الإسلامية المعتدلة بخوض المعترك الانتخابي، والسماح لها بالحكم طالما حافظت على ثقة الناخبين.

أما النقطة الإيجابية الثالثة فتتمثل في أن من كتب خطاب الرئيس يعترف بالفوارق الهامة بين الدول العربية، والإشادة بتلك التي اتخذت بعض الخطوات باتجاه التحول الديمقراطي ومنها البحرين وقطر واليمن والأردن والمغرب، وتشجيعاً لتلك التي أعلنت عن اتخاذ خطوات مثل السعودية وأخيراً دعوة لأكبر دولة عربية -مصر- لاتخاذ خطوات جادة باتجاه الديمقراطية. أما سوريا فهي الدولة العربية الوحيدة التي نُعتت بالدكتاتورية.

ورغم البواعث السياسية وراء هذا التصنيف، فلا يستطيع النظام في سوريا كما أنه لم يقم حتى الآن بخطوات ذات معنى لنفي هذا الاتهام. الامتحان الحقيقي للادعاء الأميركي في هذا الجانب سيكون في اتخاذ خطوات عملية تجاه الدول التي تعتبرها واشنطن حليفة مثل السعودية ومصر، تنسجم مع اقترابها أو بعدها عن التزام هذه الدول باحترام حقوق الإنسان والسماح بحرية تشكيل الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة. ولعل من الامتحانات القريبة في الحالة المصرية هو إذا ما كانت الإدارة الأميركية ستقر مبدأ توريث السلطة.

النقطة الأخيرة، هناك إقرار وقبول بفكرة التدرج وأن الديمقراطية لا تستورد، وإنما تأتي نتيجة صراع مرير من قبل أنصار الحرية، وأن شكلها النهائي يعكس خصوصية وثقافة البلد. فكما أن دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية ناضلت حتى استحقت صياغة "ديمقراطيتها" الخاصة بها ، لا بديل أمام القوى السياسية العربية سوى المضي في هذا السبيل.

الرئيس الأميركي يقول إن بلاده لن تدعم أي حاكم دكتاتوري لأنه مستعد لحفظ مصالح الولايات المتحدة. ومع أن هذا الخيار كان أساس السياسة الأميركية في الماضي، فإنه -رغم يسره- يحمل الكثير من المخاطر في المدى البعيد. هذه هي تجربة الولايات المتحدة مع دولتين في المنطقة على الأقل وهما إيران والعراق، كما أن قادة حركة القاعدة من دولتين من أكثر الدول اقترابا من السياسة الأميركية في المنطقة.

خطاب بوش عن الديمقراطية في الشرق الأوسط قد لا يتعدى أن يكون دعاية سياسية أو مناورة للخروج من مأزق آني، لكن من الخطأ رفض كل ما جاء فيه لأن مصدره دولة لم يكن لديها مصداقية في هذا الإطار.


خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة والتورط الأميركي المتزايد فيها يستحقان إعطاء الدعوة لنشر الديمقراطية فرصة للاختبار
أضعف الإيمان هو في الحكم على سياسات الإدارة الأميركية القادمة استناداً إلى هذه الادعاءات التي من المفروض أنها تعكس الخط الرسمي الجديد لواشنطن على لسان أعلى مسؤول فيها. أما أولئك الذين يعانون في ظل الأنظمة القمعية الفاسدة في المنطقة، فلن يضيرهم الاستفسار عن الخطوات العملية التي تنوي واشنطن اتخاذها لرفع الغطاء عن ممارسي القمع.

وهنا فإن الحوار غير الرسمي مع العاملين في مثل المجلس الذي خاطبه الرئيس الأميركي أو بعض المسؤولين السابقين أو الأكاديميين الأميركيين المؤمنين بقضية الديمقراطية قد يكون مخرجاً مناسباً للقوى العربية الديمقراطية المعارضة، بحيث لا تتم المزايدة عليها من قبل أنظمتها وزبانيتها من محترفي الدعاية، قد تكون هذه الصيغة طريقة مناسبة لاختبار النوايا الأميركية وبلورة خطوات عملية تنتقل من الحيز النظري إلى عالم السياسة الواقعي.

خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة والتورط الأميركي المتزايد فيها يستحقان إعطاء الدعوة لنشر الديمقراطية في المنطقة فرصة اختبار خاصة وأنه ليس أمام أنصار الديمقراطية ما يخسروه، لأن الأنظمة العربية قد بلغت حدها من الاستبداد والفساد، وفي الوقت ذاته وللمرة الأولى تعلن إدارة أميركية أنها غير مستعدة للإبقاء على أنظمة دكتاتورية صديقة بأي ثمن.
ــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة