كي لا تصبح زفة يجري التسلل عبرها   
الاثنين 6/10/1429 هـ - الموافق 6/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:35 (مكة المكرمة)، 7:35 (غرينتش)


علمتني التجارب السياسية أن أتوجس من أي "زفة" أو حتى "فزعة" تستنفر الجموع وترافقها الطبول ويثير زحامها الغبار, بحيث تصم الآذان وتعمى الأبصار عن تفاصيل كثيرة يكمن فيها الشيطان.

وهذه التفاصيل غالبا ما تكون في أمرين دقيقين للغاية, التشريع والاقتصاد (أو المال كما باتت تفهمه الغالبية), فهذان لا يحتملان الاجتياحات بل تلزمهما حسبة دقيقة, تتم بهدوء وتؤدة, لكل فلس ولكل مادة أو حتى كلمة تتسلل لقانون يحكم ما يليه لسنوات.

وأكثر ما يتقنه التجار هو استثمار الصراعات وحتى التضحيات وكل أنواع المشاعر الجياشة بقدر المحن, ثم ما إن يهدأ الضجيج ويسكن الغبار حتى يصفعنا سكون الموت على جثث الضحايا المتناثرة بلا عدد.

"
الاقتصاد والتشريع في الأردن جرى اللعب بهما وعليهما لعدة سنوات خلت, وخاصة عند حل مجلس النواب عام 2001 لعام ونصف جرى فيها إغراق البلد بأكثر من 220 قانونا مؤقتا لم تترك مفصلا في الحياة إلا ودمرته
"
وفي الأردن تحديدا, الاقتصاد والتشريع جرى اللعب بهما وعليهما لعدة سنوات خلت, وخاصة عند حل مجلس النواب عام 2001 لعام ونصف جرى فيها إغراق البلد بأكثر من 220 قانونا مؤقتا(تفوق عدد كل ما صدر من قوانين مؤقتة في ثلاثين سنة من الأحكام العرفية) لم تترك مفصلا في الحياة الاقتصادية والمالية والسياسية والحقوق والحريات العامة, إلا ودمرته.. حتى الدستور جرى القفز عنه في تلك القوانين بفظاظة غير مسبوقة لدرجة شاعت معها مقولة للمحامين أن تلك حكومة عدلت الدستور بقانون مؤقت.

ولم تنج من الإعصار السلطة القضائية ذاتها التي عانت طوال الفترة العرفية من تغول متنام للسلطة التنفيذية التي عمدت لإفراغ مواقعها العليا من أفضل الكفاءات القضائية وأشدها نزاهة بحيث سمي ما حدث في بداية السبعينات "بمجزرة القضاء" ولكنها اتصلت بمجازر بعدها منها ما جرى في التسعينيات في عهد ما سمي "بعودة الديمقراطية". وإمعانا في تهميش دور القضاء جرى في الوقت نفسه تقليص صلاحيات القضاء النظامي - كونه بقي لفترة طويلة حصنا يقاوم ببسالة استثنائية- لحساب محكمة عسكرية كانت قائمة بأكثر من اسم زمن الأحكام العرفية, ووصل الأمر حد تثبيت "محكمة أمن الدولة" محكمة دائمة على يد أول مجلس نواب تشكل بعد الانتخابات التي فرضتها انتفاضة الشعب ضد الفساد والأحكام العرفية عام 89.

وما أضافته حملة القوانين المؤقتة تلك لم يكن مجرد توسعة كبيرة في اختصاصات تلك المحكمة العسكرية في محاكمة "مدنيين" وبناء على سلطات قضائية أعطيت لرئيس الوزراء تتيح له اختيار ما يشاء إحالته لتلك المحكمة من قضايا, بل إن تلك القوانين المؤقتة هدمت جزءا أساسيا من متطلبات "العدالة" حين حذفت حق تمييز جزء هام من الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة (وهو الحق الذي برر به تمرير قانونية تلك المحكمة) وهو جزء انتقائي لحد بعيد، كونه خاضعا لتوصيفات وتكييفات تقوم بها المحكمة ذاتها للحكومة.

هذا مع أن الأحكام الصادرة عن القضاء النظامي نفسه لا تكون قطعية بل يجب استئنافها وأحيانا تمييزها لتصبح على مرحلتين أو ثلاثة.

وهذا التحرك السريع نحو خلخلة بنيان المنجز الوطني عبر "التشريع" ذاته هو مؤشر على جاهزية عالية امتلكتها أقلية تشكل قوى الفساد والعرفية. و"بالمجزرة التشريعية" التي تمت بأكثر من 220 قانونا مؤقتا استعاد هؤلاء مسيرتهم بسرعة صاروخية بعد أن تغطوا "بزعم" شرعية قانونية, لم يلبث أن رفع منسوبها ليتحول لزعم شرعية "شعبية ديمقراطية" لمجالس نيابية يجري تزوير انتخاباتها بشكل كاسح, وحكومات ترشح أسماء أعضاء مجالس أعيان (الجزء غير المنتخب من السلطة التشريعية) لم تعد تراعى فيها حتى الشروط الدستورية للعضوية, والتي وضعت للاستفادة من كفاءات أسست المملكة الحديثة، وأعلت بنيانها في فترة وجيزة... لتأتي قلة تزعزع أسس ذلك البنيان بدءا من الاستيلاء على مفصلي التشريع والاقتصاد الذي تحول إلى لعبة "مال" الكل في خدمته, ويسخر لخدمة البعض.

"
بعض تداعيات الأزمة المالية الأميركية بدأت بالظهور في الأردن ليس فقط لأننا مرتبطون كدول "مرعية" بما يجري في الدول "الراعية" بل لأن ما سيجري اللعب به بعد أن استنزفت الأسواق الدولية هو أسواقنا واقتصاداتنا الملحقة
"
والآن بدأ تشقق دولي في بنية هذا "المال" وعلا ضجيج وغبار انهيار شركات كبرى تتمحور في خلاصتها حول لعبة البورصة العالمية, وبدأت بعض تداعياتها بالظهور عندنا ليس فقط لأننا مرتبطون كدول "مرعية" بما يجري في الدول "الراعية" بل لأن ما سيجري اللعب به بعد أن استنزفت الأسواق الدولية هو أسواقنا واقتصاداتنا الملحقة -عبر قنوات فساد معولمة- بهذه اللعبة المالية التي أتت على أي مفهوم صحي وعقلاني لاقتصاد السوق.

وإذا كانت الدول النفطية بدأت تشكو وتتخوف, فإن بقية الطبقة الوسطى الأردنية استدرجت لرهن البيت وبيع مصاغ الزوجات طمعا أو لدفع حاجة لا يفيها المعقول فلاذت باللامعقول, وراءها سيل ممن باعوا قدورهم ذات شتاء في هذه السبع العجاف.

في أواخر الثمانينات شهد الأردن أول انهيار مالي بهبوط الدينار لنصف قيمته, وليس صدفة تزامن هذا الانهيار مع إفلاس بنك البتراء وعدد من الشركات وبيوت المال والبنوك الاستثمارية الوهمية كلها, والتي كان على رأسها جميعا أيضا ذات الحفنة من الحيتان. حينها أيضا قامت "زفة" كان من أعلى طبولها قرارات "لجنة الأمن الاقتصادي" التي شكلت زمن الأحكام العرفية وسخرت أجواء تلك الأحكام لمصلحة الفساد.

وحينها أيضا تمت التضحية "بالصرافين" أكباش فداء، ولم يتوقف أحد للتساؤل عن حجم أخطائهم أو خطاياهم أو -وهو الأهم- ارتباطها بخطايا أكبر، وحينها أيضا أحيل المتهمون في قضية بنك البتراء إلى محكمة أمن الدولة, التي لم تحقق عدالة سريعة, بل أقفلت باب العدالة لأن المحاكم العسكرية تزعم حصانة مضاعفة لم تتح للناس السؤال لا عن مصير المال ولا حتى عن كيف تسنى أن يمسي أحمد الجلبي, المتهم الرئيسي في قضية البنك, في سجن أردني حصين ثم يصبح في لندن.

والمهم لموضوعنا اليوم أنه جرى التعذر بعدم طلب تسليم الجلبي للسلطات الأردنية بكون العالم كله لا يعترف بأحكام المحاكم العسكرية و"الخاصة" التي تقوم في العالم الثالث. والأدهى أنه في عهد حكومة علي أبو الراغب, كان الجلبي هو من هدد برفع دعوى على الحكومة الأردنية, وكان رد الحكومة أن وظفت بمال الشعب كبرى شركات المحاماة الأميركية, لا لرفع قضية مضادة أو حتى تقديم دفاع, بل للوصول "لتسوية" تمنع مثول أقطابها أمام المحاكم الأميركية.

وأيضا في عهد حكومة أبو الراغب, أقيمت "زفة "مماثلة عند اعتقال ومحاكمة مدير المخابرات سميح البطيخى فور عزله, بتهمة اختلاس مئات الملايين في قضية "التسهيلات البنكية" وأحيلت قضيته لذات محكمة أمن الدولة التي أحلت لها لكشفي فسادا تفاقم الآن وبات على كل لسان وحتى على صفحات الصحف المقموعة بأكثر من قانون وإجراء (هو أمر كان بودي أن لا أورده هنا لولا أن الصورة لا تكتمل بدونه وأكتفي بهذه الجزئية الضرورية منه).

جرى إطلاق سراحي بكفالة معدة بعد رفض كل الكفالات الحقيقية, وذلك لتبرير إطلاق سراح البطيخى بكفالة معدة مماثلة. وبعد أقل من 24 ساعة جرت إعادة اعتقالي أنا, المتهمة "بجنحة" أي بما لا يجوز معها التوقيف, في حين بقي البطيخي المتهم "بجنايات" فساد يحاكم طليقا.. ومجريات محاكمته الخمس نجوم وقضاؤه ما سمي بمحكوميته في أحد قصوره, والسماح له بالتريض خارج القصر وحضور حفلات زفاف أبنائه والدعوات الخاصة في صالات لا يجرؤ على الاقتراب من كلفتها وهيبتها غالبية الشعب الأردني, وصلت للصحف العربية والعالمية لتكرس وتبرر مواقف حكومات العالم في رفض أحكام محكمة أمن الدولة, بشأن تسليم متهم أو محكوم أو بشأن إعادة أموال أخرجت في مضاربات بورصة أو بزعمها.

"
أثناء محاكمة البطيخى وضمن القوانين المؤقتة الـ220 جرى إصدار قانون مؤقت معدل لما سمي "بقانون الجرائم الاقتصادية" تكهنت الصحافة أنه لتبرير عقد صفقة مع البطيخى على الملايين التي خرجت ولم تعد
"
والإحالة لمحكمة أمن الدولة ليس وحده ما يتسلل (ودورنا أن ننبه لأننا لا نملك أن نعرف كيف ولماذا) من هذا الإرث المشؤوم بين ثنايا ما يجري الآن لمعالجة أوضاع شركات البورصة العالمية مما لا نملك أن نحكم معه أو عليه مسبقا.

فعلى سبيل المثال لا الحصر نشير إلى أنه أثناء محاكمة البطيخى وضمن القوانين المؤقتة الـ220 جرى إصدار قانون مؤقت معدل لما سمي "بقانون الجرائم الاقتصادية" تكهنت الصحافة أنه لتبرير عقد صفقة مع البطيخى على الملايين التي -كما وصف الكاتب الاقتصادي فهد الفانك سابقاتها قبل تفجر قضية بنك البتراء- "خرجت ولم تعد".

ولكن القانون في الحقيقة صيغ بهدوء وتؤدة, لتأمين باب صفقات تمنع ملاحقة أي ممن تثبت عليهم جرائم اختلاس مال عالم أو خاص, بعد أن يصبحوا خارج مواقع السلطة.

فالمادة التي تشكل "لب" القانون تنص على أنه "يحق للنائب العام التوقف عن ملاحقة من يرتكب جريمة معاقبا عليها بمقتضى هذا القانون بإجراء الصلح معه إذا أعاد كليا, الأموال التي حصل عليها نتيجة ارتكاب الجريمة أو أجرى تسوية عليها...". نص المادة الأصلي يقول "أعاد كليا أو جزئيا" ولكن الانتقادات للنص الذي يتيح لمن ثبت أنه اختلس أن يوظف "بعض" ما اختلسه لمقايضته بترتيبات لا تترك المجرم طليقا فحسب بل وتخفى حقيقته بحيث يمكن أن يستغل ثقة الناس لأخذ ودائع وقروض وتسهيلات, وصولا لتوليه مناصب عليا تشترط نظافة يد صاحبها... اضطرت مجلس النواب الذي جاءت به ذات الحكومة لحذف كلمة "جزئيا" ولكن عبارة "أجرى تسوية عليها" أدت ذات الغرض، كون التسوية تعني "حلا وسطا توافقيا" يتضمن الخصومات السخية كما يتضمن الجدولة الطويلة لما تبقى... الخ.

واضح أن هذا نص يضمن "عدم الملاحقة" ابتداء, وهو ليس مفصلا لمن جرت محاكمته والحكم عليه كما في حالة البطيخى, ولكنه ليس بعيدا عن مصير الأموال التي يتم تحصيلها.

تنص مواد قانون الجرائم الاقتصادية المعدل أنه يحق " للمحكمة أن تقرر مصادرتها... أو ردها لأصحابها" وهذا القانون هو ما يتوجب تطبيقه حسب نص "قانون تنظيم التعامل في البورصات الأجنبية" المؤقت الذي صدر مؤخرا, وذلك في المادة 24 التي تنص على اعتبار أي مخالفة أو جريمة منصوص عليها في قانون البورصة الجديد "جريمة اقتصادية" تسري عليها أحكام قانون الجرائم الاقتصادية.

القفز المتسرع لخيار الإحالة لمحكمة أمن الدولة قد يكون جرى بنية حسنة اقترنت بعقلية أمنية. ولكننا لا يمكن أن نسلم بحسن نية من "تسلل" (من الفريق الوزاري أو من الفريق التشريعي) بمادة واحدة ليحمّل القانون الجديد أحكام قانون آخر لا يعرف الكثير من "الخاصة" حقيقة أحكامه ومدى تأثيرها السلبي على "قانون تنظيم التعامل بالبورصات الأجنبية" عند تطبيقه.

وهذا حتما غير منصف "للعامة" الذين ما وضع قانون البورصة المؤقت إلا لنجدتهم من تغرير وخداع سبق أن وقعوا ضحيته نتيجة إرث تشريعي سخر ليحمي الفاسدين وسهّل استغلال الضعفاء والبسطاء.

"
نخشى أن يعود الذين استنزفوا كل مقدرات البلد في استثماراتهم الخاصة ليلعبوا, ليس فقط بالرصيد السياسي لهذه الحكومة, بل بما تبقى من وفور ومن تبقى من البسطاء وقروضهم التي قد ترهن ما تبقى من البيوت
"
وهذا كله ليس سوى جزء مما تسلل للقانون الجديد مما لا مجال لعرضه ضمن حيز مقالة واحدة. وسنكتفي بالإشارة إلى أخطره على أمل أن يعيننا (أو حتى يسبقنا فكيفينا) المختصون على بحث تفاصيله, أو تبادر هذا الحكومة ذاتها بذلك -مما سيعزز الثقة بنواياها- قبل الشروع بتطبيقه ودون انتظار إقراره أو تعديله من مجلس نواب نعرف جميعا سويته ومن يسيطر على قراراته.

وهذا التفصيل الأخطر هو تقنين "احتكار" التعامل بالبورصة الأجنبية بكبار المليونيرية, وهم ذاتهم "مراكز القوى" التي لم تستقو يوما بقواعد بل بمال ونفوذ جاءا من المنصب ابتداء. وبعضهم أعلن منذ الآن رغبته بذلك, بل وقيل إنه بادر لطلب الترخيص له. والترخيص يلزمه لا أقل من رأسمال يتراوح بين عشرة ملايين إلى 15 مليون دينار(ما بين 25 مليون دولار و22 مليونا) يودع بأكمله في حساب الشركة, مضافا له 30% من قيمة رأس المال كفالة بنكية, وعشرة آلاف دينار رسم غير مسترد عند تقديم طلب الترخيص, إضافة لمائة ألف دينار رسم ترخيص الشركة لأول مرة, و25 ألفا رسم ترخيص لكل فرع للشركة, ثم 25 ألفا رسم سنوي لتجديد الترخيص للشركة, وعشرة آلاف دينار رسم سنوي لتجديد ترخيص كل فرع.

خوفنا هو أن يعود هؤلاء الذين استنزفوا كل مقدرات البلد في استثماراتهم الخاصة, ليلعبوا, ليس فقط بالرصيد السياسي لهذه الحكومة كما لعبوا بالأرصدة الشحيحة لحكومات سابقة فأفلسوها إلى حدود اللاعودة, بل بما تبقى من وفور ومن تبقى من البسطاء وقروضهم التي قد ترهن ما تبقى من البيوت, وربما لبنوك الذين سجلوا شركات بورصات, وبشروط ربوية تغري بقبولها وعود البورصة... فهل يحتمل مواطننا المنهوب واقتصادنا الصغير المستهلك بإرث كبير من سوء الإدارة والفساد , مثل هذا اللعب في ما تبقى من الوقت الضائع؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة