انتماء واحد أم انتماءات.. الأبعاد المتعددة للهوية   
الاثنين 1427/5/29 هـ - الموافق 26/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:36 (مكة المكرمة)، 12:36 (غرينتش)


بشير موسى نافع

شهدت بريطانيا خلال الأيام الأولى من حمى كأس العالم جدلاً طريفاً، لم تقلل طرافته من دلالاته الهامة. محور هذا الجدل هو مسألة الهوية، أو على الأصح الهويات. فبخلاف دول العالم الأخرى، تتمتع بريطانيا في ساحة كرة القدم الدولية بعضوية ثلاثة فرق وليس فريقاً واحداً فقط: المنتخب الإنجليزي، والإسكتلندي، والويلزي، ويمثل كل منها واحدة من المجموعات العرقية الرئيسية التي تتكون منها الجزيرة البريطانية.

في تصفيات كأس العالم الحالية، لم ينجح في الوصول إلى النهائيات التي تستضيفها ألمانيا إلا المنتخب الإنجليزي، مما يشكل مفارقة في صفوف المشجعين البريطانيين.

الإنجليز -الذين يشكلون الأغلبية الكبرى من البريطانيين- بما في ذلك كبار السياسيين والشخصيات العامة، رفعوا العلم الإنجليزي (وليس البريطاني) على أسطح البيوت ومن نوافذ السيارات، يحدوهم أمل كبير هذه المرة في فوز فريقهم بكأس العالم.

"
أين هي حدود الهوية واستدعاءاتها في بريطانيا، هل أن كل ما هو إنجليزي يمثل الإنجليز وحسب أم أن ما يجمع البريطانيين أكبر وأوسع من الهويات الضيقة للعناصر العرقية المكونة للمملكة؟
"
وقد جاء رفع العلم الإنجليزي، لا العلم البريطاني الشهير ورمز الوحدة البريطانية، محرجاً لبقية المجموعات العرقية في المملكة المتحدة، لاسيما الإسكتلنديين والويلزيين.

أما أهالي شمال إيرلندا، المنقسمون بين كاثوليك وبروتسانت، فإن انقسامهم من ناحية، وضعف تقاليد كرة القدم بينهم من ناحية أخرى، أخرجهم ولو جزئياً من الجدل.

مشكلة غير الإنجليز هي مشكلة الفريق والعلم معاً، فالفريق الوحيد الممثل لبريطانيا في نهائيات هذا العام هو المنتخب الإنجليزي، والمشجعون الإنجليز يرفعون العلم الإنجليزي، مما استدعى تساؤلات حول ما إن كان على الإسكتلنديين والويلزيين تشجيع الفريق الإنجليزي ورفع علم إنجلترا المعبر عن الهوية الإنجليزية؟

وأين هي حدود الهوية واستدعاءاتها في بريطانيا، هل أن كل ما هو إنجليزي يمثل الإنجليز وحسب، أم أن ما يجمع البريطانيين أكبر وأوسع من الهويات الضيقة للعناصر العرقية المكونة للمملكة؟

ككل قضايا الهوية الشائكة، ليس ثمة إجابة واحدة على هذه الأسئلة، بالرغم من أن بريطانيا هي واحدة من أكثر دول العالم استقراراً وأن وحدة شعوبها من أقدم الوحدات التي تجمع كتلاً عرقية متعددة.

ولكن الاتجاه الغالب كان ذلك القائل إن كون الفريق الإنجليزي هو الفريق البريطاني الوحيد في نهائيات كأس العالم فقد بات ممثلاً لكل بريطانيا، وإن على الإسكتلنديين والويلزيين ألا يعزلوا أنفسهم عن متعة الحمى الكروية التي تجتاح البلاد وأن يشاركوا هم أيضاً في تشجيع المنتخب الإنجليزي برفع العلم البريطاني، رمز وحدة البريطانيين جميعاً، وليس بالضرورة علم إنجلترا.

ما يعنيه هذا التوجه أن بإمكان الإنجليزي أن يعتز بهويته الإنجليزية، والإسكتلندي بهويته الإسكتلندية، والويلزي بهويته الويلزية، وأن يكونوا بريطانيين أيضاً.

يطرح الجدل البريطاني (بالرغم من طرافته وطرافة المناسبة التي أطلقته) على النقاش مسألة ما تزال تؤرق المؤرخين ودارسي العلوم الاجتماعية والسياسيين على السواء.

"
منذ بداية التسعينيات على الأقل تراجع التيار القومي العربي، أحزاباً ومفكرين وأنظمة، وأخذت الهويات الوطنية تطرح نفسها باعتبارها هويات مناقضة للعروبة والانتماء العربي
"
فإن استثنينا الانقسام الطويل في إيرلندا الشمالية، تتعايش في بريطانيا الأعراق الرئيسية الثلاثة بسلام وأمن كبيريين، وهو ما يسوغ الإجابة البريطانية بالفعل.

ولكن في مناطق أخرى من العالم، كما في البلقان وشمال القوقاز، ثمة حروب دموية فادحة تتغذى على الهويات المتصارعة والنافية لبعضها البعض، بينما بات مستقبل العراق مهدداً بالصراع السني – الشيعي ورغبة الأكراد الجامحة في الاستقلال.

ويعيش العرب ككل -ومنذ عقود على الأقل- اضطراباً وفقدان يقين كبيريين بسبب التدافع بين الهوية العربية القومية والهوية الإسلامية، كما بسبب التدافع بين الهوية القومية والهويات الوطنية المتعددة.

شهدت البلاد العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين حلقات صدام متتالية بين أنظمة عربية قومية التوجه وقوى إسلامية سياسية. وبعد أن كان الإصلاحيون العرب خلال النصف الأول من القرن العشرين، أمثال رشيد رضا ومحب الدين الخطيب والحاج أمين الحسيني وعلال الفاسي، قد نجحوا في الجمع بين هويتهم الإسلامية والعروبية، رسبت سنوات الصدام بين الأنظمة القومية والقوى الإسلامية افتراقاً واسعاً بين الهويتين.

ومنذ بداية التسعينيات، على الأقل، وإذ تراجع التيار القومي العربي، أحزاباً ومفكرين وأنظمة، أخذت الهويات الوطنية تطرح نفسها باعتبارها هويات مناقضة للعروبة والانتماء العربي. أصبحت فكرة أن تكون أردنياً أو كويتياً أو تونسياً، تعني بالضرورة نفي الانتماء العربي.

تحول الانتماء العربي إلى رمز للتخلف والديناصورية، وأصبح هدفاً للسخرية والاستهزاء. بل ما إن نجحت القوات الغازية في احتلال العراق وإطاحة نظامه، حتى أطلقت داخل العراق وخارجه حملة شعواء على الانتماء العربي والهوية العربية، اعتبرت هزيمة النظام البعثي ذي التوجه القومي هزيمة لأصل موضوعة العروبة ومناسبة لدفن الهوية القومية.

الإجابة البريطانية على سؤال الهوية لم تكن دائماً هي الإجابة السائدة، لا في العالم العربي ولا في الكثير من مناطق العالم الأخرى. ولكن الإجابة البريطانية -بالرغم من ذلك- تستحق بعض الاهتمام، ليس فقط للنموذج المثير والإبداعي الذي يقدمه التعايش البريطاني بين الإنجليز والإسكتلنديين والويلزيين، بل أيضاً لأن عدداً متزايداً من الدارسين باتوا يدركون أن القراءة التقليدية لمسألة الهوية لا تنطبق انطباقاً حتمياً على تاريخ الهويات.

كما أن العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة هي وليدة الفكر والثقافة الأوروبية في القرن التاسع عشر، فإن الاهتمام بمسألة الهوية لم يأخذ بالتبلور بالفعل إلا في الفترة نفسها.

"
تطرح أنماط الهجرة الحديثة أدلة أخرى على إمكانية أن يكون البعض عرباً وأميركيين أو بريطانيين معاً، وهنوداً وأستراليين كذلك. وكما أن التاريخ الإنساني الحديث يقدم أمثلة عديدة على الصراع والنفي الدموي بين الهويات، فإنه يقدم أمثلة لا تقل أهمية على تداخل الهويات وتعايشها
"
ولأن ميراث صراع الهويات في أوروبا الحديثة، من الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتسانت في القرن السابع عشر إلى حروب القوميات في القرنين التاسع عشر والعشرين، كان ميراثاً دموياً بلاشك، فقد ترسبت موضوعة الطبيعة الحصرية النافية للهوية باعتبارها مسلمة من مسلمات التاريخ.

وإذ برزت الحداثة باعتبارها تياراً عاصفاً للمواريث الدينية والمجتمعات التقليدية، فقد جاء الارتباط بين الهوية القومية والدولة الحديثة في عصر من الصراع الإمبريالي المحتدم ليؤكد هذه الموضوعة. وسرعان ما انعكست القراءة الأوروبية للتاريخ على فهم تاريخ شعوب العالم الأخرى جميعها.

بيد أننا ندرك الآن أن التاريخ الأوروبي لم يكن تاريخاً واحداً، وتقدم بريطانيا وبلجيكا وسويسرا أمثلة بارزة على تعايش الهويات، كما أن التاريخ الأوروبي لا يمكن أن يعتبر تاريخاً للعالم كله.

في وقت من الأوقات كان بإمكان الكثير من رجالات العرب البارزين أن يروا أنفسهم عروبيين وعثمانيين في الآن نفسه، أو عروبيين وإسلاميين، أو عراقيين وسوريين وقوميين عرباً؛ وكان بإمكان آخرين أن يروا أنفسهم سنة أو شيعة وإسلاميين أو مسيحيين وقوميين عرباً، وكان بإمكان غيرهم أن يحسبوا أنفسهم إسلاميين وحداثيين معاً.

وتطرح أنماط الهجرة الحديثة أدلة أخرى على إمكانية أن يكون البعض عرباً وأميركيين أو بريطانيين معاً، وهنوداً وأستراليين كذلك. كما أن التاريخ الإنساني الحديث يقدم أمثلة عديدة على الصراع والنفي الدموي بين الهويات، فإنه يقدم أمثلة لا تقل أهمية على تداخل الهويات، وتعايشها، أو تراكمها في طبقة وراء الثانية.

في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، عاشت الشعوب ذات الميراث الديني العميق، مثل الكاثوليك والمسلمين، حالة متفاقمة من الشعور المتزايد بالتهديد وهي ترى قيم العالم الحديث (أو لا قيمه) تقتحم عليها بيتها وتاريخها.

ولكن ما إن وصل القرن العشرون إلى نهايته حتى أصبح واضحاً أن الحداثة لم تقتلع الإيمان الديني كما تصور الكثيرون، وأن التدين والحداثة باعتبارهما رحمين للهوية يمكن أن يتعايشا. صحيح أنه تعايش مسكون بالتوتر، ولكنه تعايش ممكن ومبدع أيضاً.

إن عشرات الملايين من المسلمين والمسيحيين الاتقياء يقطنون مدناً مثل لندن، وباريس، ونيويورك، والقاهرة، وكوالالمبور، في أحياء ومساكن حديثة، في صحبة التقنية الحديثة وأنظمة اتصالات ومواصلات حديثة، ويتعهدون وظائف وأعمال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعالم الحديث وأدواته ووسائله، بكل ما يعنيه كل ذلك من استبطان لعلاقة الإنسان بالعالم، ولعلاقة العقل بالحياة. لا هم يرغبون في التخلي عن الحداثة التي تسكنهم ويسكنونها، بكل عبئها الثقيل، ولا هم على استعداد للتحلل من الإيمان والتقوى.

"
بالرغم من أن تقسيم أغلب بلاد العرب إلى دول مستقلة فرض بقوة الإمبرياليات الأوروبية، لم يعد من الممكن تجاهل الهويات العربية القطرية بعد مرور زهاء القرن على وجود الأقطار العربية
"
وأحد لم يقدم الدليل حتى الآن على أن انقسام باكستان كوطن للمسلمين عن الهند الأم كان الخيار الأفضل للباكستانيين، أو لعشرات الملايين من المسلمين الذين تركوا للحياة في ظل الأكثرية الهندوسية في الهند.

كما أن أحداً لم يقدم الدليل على أن مستقبل الجمهوريات المتعددة التي انتهى إليها تشظي الاتحاد اليوغسلافي هو أفضل بالضرورة من يوغسلافيا الموحدة. وهل يمكن تصور إمكانات البقاء المتاحة للشيشان لو نجحت في الانقسام عن روسيا، سوى التحول إلى محمية أميركية؟

وبالرغم من أن تقسيم أغلب بلاد العرب إلى دول مستقلة فرض بقوة الإمبرياليات الأوروبية، لم يعد من الممكن تجاهل الهويات العربية القطرية بعد مرور زهاء القرن على وجود الأقطار العربية.

ولكن أحداً لم يقدم للعرب ولو مسوغاً منطقياً واحداً لضرورة أن يؤدي الانتماء لمصر أو المغرب أو العراق إلى التخلي عن الانتماء العربي وفكرة أن يتبلور يوماً إطار عربي جامع، على هذا المستوى أو الآخر من الوحدة.

كما أن الهويات تصارعت وسفكت دماء بعضها البعض، فقد أمكن أيضاً أن تتواجد في جوار واحد، وأن تتداخل أو تستقر في طبقات متوالية من التركيب والتعقيد، بدون أن تلغي الواحدة منها الأخرى.
ــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة