قمة سرت.. عطالة النظام الإقليمي منه وفيه   
السبت 1431/11/9 هـ - الموافق 16/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 21:08 (مكة المكرمة)، 18:08 (غرينتش)


تختلف قمة سيرت عما سبقها من القمم العربية، ويكمن وجه الاختلاف في كون هذه القمة قد أفردت مساحة مهمة من فعالياتها للبحث في عملية تطوير منظومة العمل العربي المشترك، وهو أمر طالما تجاوزه العرب في قممهم السابقة، ربما لقناعتهم بأن آلية العمل العربي المشترك لا تحتاج إلى إعادة هيكلة الجامعة العربية بقدر ما تحتاج إلى تفعيل ما تم التوافق عليه في القمم السابقة، أو للاعتقاد بأن العمل العربي المشترك لن يحقق أكثر مما حققه حتى هذه اللحظة, والدعوة تالياً إلى الاكتفاء بالشكل الحالي لأن أي جهد إضافي في هذا المجال لن يكون سوى مجرد أعمال غير مجدية.

"
تميزت قمة سيرت الاستثنائية بتركيز الجزء الأكبر من برنامج عملها، وكذا التحضيرات المواكبة لها، على البحث في الجوانب التقنية التي تساعد على إعادة تشغيل منظومة العمل العربي بطريقة أكثر رشاقة وحيوية
"
تميزت قمة سيرت الاستثنائية بتركيز الجزء الأكبر من برنامج عملها، وكذا التحضيرات المواكبة لها، على البحث في الجوانب التقنية التي تساعد على إعادة تشغيل منظومة العمل العربي بطريقة أكثر رشاقة وحيوية، ومغادرة حال الترهل واللافعالية التي طبعت العمل العربي المشترك عقوداً طويلة، وقد تجلى ذلك في جملة التوصيات والمقررات التي اتخذتها القمة.

وقد تضمنت هذه التوصيات عقد القمة العربية مرتين في العام «قمة عادية وقمة تشاورية تعقد في دولة المقر»، أي في مصر، وعقد «قمم عربية نوعية» لبحث أمور اقتصادية واجتماعية وتنموية وثقافية، وتأهيل الدول العربية مفرزة في قواتها المسلحة للمساهمة في عمليات حفظ السلام.

كذلك تضمنت التوصيات أن يصبح الأمين العام لجامعة الدول العربية «رئيس المفوضية» العربية، يعاونه عدد من المفوضين يشرف كل منهم على قطاع محدد.

وكان الزعيم الليبي معمر القذافي قد أصرَّ على أنّ صيغة الجامعة العربية ما عادت صالحة، ومن ثم يجب تحويلها إلى اتحاد عربي. وقد طرحت ليبيا مشروعاً بهذا الخصوص يركّز في جوهره على إصلاح آليات اتخاذ القرار، وعلى تقوية الإدارات التنفيذية بالجامعة، وتغيير مسمياتها وصلاحياتها، واستحداث إدارات ووكالات جديدة. وكلها أمور كانت ليبيا قد خبرتها من قبل مع الاتحاد الأفريقي.

وبالرغم من أن بند الجامعة العربية مطروح على طاولة البحث منذ سنوات، ومشاريعه موجودة في الأدراج تنتظر اتفاقاً على آلية وتمويل وتعاطٍ جدّي. غير أن اللافت في المعطيات الجديدة في هذا الملف هو الطرح الجديد للإصلاح، الذي يحمل عنوان «إعادة الهيكلة الجديدة للجامعة العربية».

ويمكن القول إن المشروع عبارة عن محاولة دمج لمشاريع كانت مقدّمة من خمس دول عربية، ألّفت لجنة خماسية للبحث في مشروع موحّد يطرح على طاولة القمّة الاستثنائية. اللجنة المؤلفة من ليبيا وقطر والعراق واليمن ومصر، كانت قد عقدت اجتماعاً على مستوى القمّة في طرابلس في يونيو/حزيران الماضي، في محاولة منها للتوصل إلى صيغة موحّدة للتصديق. لكن ذلك الاجتماع أفرز وجهتي نظر لا تزالان قائمتين حتى اليوم:

- الأولي تهدف إلى إحداث تعديل جذري وشامل بوتيرة سريعة لإقامة اتحاد عربي أو جامعة الوحدة العربية بدلا من جامعة الدول العربية, حيث ينص الإعلان الليبي على أن يكون لجامعة الوحدة العربية الشخصية القانونية الدولية والأهلية الكاملة على أساس التكافؤ والتكامل بين أعضائها والاتفاق على ميثاق جديد تنفذ عناصره في إطار زمني محدد, وهو ما تتبناه دولة اليمن بخلاف ليبيا.

"
ثمة وجهتا نظر لإصلاح الجامعة العربية, الأولى تهدف إلى إحداث تعديل جذري وشامل بوتيرة سريعة لإقامة اتحاد عربي أو جامعة الوحدة العربية, الثانية تتبنى رؤية تدريجية للإصلاح والإبقاء على مسمى جامعة الدول العربية في المرحلة الراهنة
"

- أما وجهة النظر الثانية فهي تتبنى رؤية تدريجية للإصلاح والإبقاء على مسمى جامعة الدول العربية في المرحلة الراهنة وإرجاء بحث إقامة الاتحاد في أعقاب تنفيذ خطوات التطوير وتقييمها, وهو ما أيدته مصر باعتبار أن الجامعة هي قاطرة العمل العربي المشترك, ودعت إلى الاحتفاظ باسم الجامعة العربية مع إضافة كلمة (اتحاد) ليكون الاسم الجديد المطروح اتحاد الجامعة العربية.

وقد أيدت السعودية هذا التوجه حيث أعلنت أن (إصلاح منظومة العمل العربي المشترك يستدعي تفعيل التعاون العربي من خلال تقوية مؤسسة الجامعة، في سبيل الارتقاء بالعمل العربي ليكون بالفعل والممارسة عملاً مشتركاً وفاعلاً ومؤثراً وهو ما لايحتاج إلى تعديلات جوهرية في الميثاق، أو إنشاء مؤسسات جديدة ، بقدر ما يحتاج إلى تفعيل وتقوية المؤسسات القائمة، والالتزام الجاد والعملي بما تم الإجماع عليه).

ومن جهتها رأت سوريا أن (تطوير هذه المنظومة لا يتم في قمة واحدة وأن على العرب إنضاج الأفكار المطروحة بهذا الشأن، لأن عملية الإصلاح والتطوير عملية مستمرة، لكن كل ذلك يحتاج إلى قناعة بما يتم طرحه من أفكار حتى تكون هناك إرادة لتحقيقه بما يخدم مصلحة المواطن العربي).

وتقول المعلومات والتقارير بأن إعادة هيكلة الجامعة العربية تهدف إلى إتاحة المجال لجهة تحويل الجامعة العربية ضمن سياق مؤسسي جديد، بحيث تصبح «اتحاد عربي» أو «اتحاد الدول العربية»، وعلى ما يبدو، فإن تجربة نجاح الأوروبيين في الانتقال من سياق تكتلي إقليمي إلى آخر وصولاً إلى صيغة الاتحاد الأوروبي قد أشعلت طموحات الرأي العام القومي العربي لجهة ضرورة تطوير الجامعة العربية لتأخذ شكل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن النظر إليه باعتباره المحفز لأمين الجامعة العربية عمرو موسى لجهة إعداد المشروع.

ولكن ثمة من يشير هنا إلى العديد من النقاط السالبة المتعلقة بهذا المشروع منها على سبيل المثال لا الحصر: أنه جاء متأخراً كما أنه تم بإشراف شخص واحد، علماً بأن التكتلات والأحلاف لا بد أن تكون ثمرة جهود هائلة بواسطة الخبراء ومراكز الدراسات إضافةً إلى المشاورات، وهو ما لم يقم به الأمين العام.

إضافة لذلك، فإن بناء "اتحاد إقليمي" هو أمر ينطوي على سيناريو يتكون من العديد من العوامل الحاكمة، فهناك ملفات اقتصادية وملفات سياسية وملفات اجتماعية وملفات ثقافية وما شابه ذلك، والانتقال من مضمون الجامعة العربية إلى مفهوم الاتحاد يتطلب معالجة كل هذه الملفات بما يتضمن عدة مئات من ورشات العمل ومئات الأوراق البحثية، فضلاً عن جمع المعلومات وتحليلها وتفسيرها، وهو بالطبع ما لم يقم به الأمين العام عمرو موسى.

وثمة تيار يسمى بـ(الواقعي) في الكتابات العربية يرى أن هناك صعوبة في الارتقاء بالجامعة إلى الاتحاد العربي حيث إن ثقافة الاستقلال والسيادة أضعفت ثقافة الاتحاد والوحدة, وتعلو السيادة الوطنية فوق المصالح القومية.

ولم تكن الأفكار الحالية الداعية لإصلاح النظام الإقليمي العربي هي الأولى من نوعها, بل طرحت في فترات سابقة. فقد تلقت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية سبعة مشروعات من مصر والسعودية واليمن والأردن وقطر والسودان وليبيا لتطوير الجامعة العربية والأجهزة الملحقة بها, وذلك خلال العام 2003, وتم تشكيل مجموعة عمل خاصة, برئاسة نائب الأمين العام للجامعة العربية, لدراسة هذه المبادرات والمشروعات, وتم إعداد بنك معلومات يضم كل ما طرح من وثائق ومقترحات لتطوير الجامعة منذ ميلادها.

وركزت معظم المشروعات المقدمة على تغيير الميثاق أو إضافة ملاحق جديدة له, بينما ركز المقترحان الليبي واليمني على منظومة عمل جديدة للعمل العربي المشترك, بما في ذلك تغيير اسم الجامعة, ولم يسفر عن تلك المحاولات تحول ملموس أو تغير بارز في مسار العمل العربي المشترك.

كما أن العبرة ليست بالمسميات سواء اتحاد أو جامعة, وإنما بشركاء الاتحاد ومدى توافر إرادة الدول الأعضاء في الجامعة العربية للتطوير وتغيير ما جرت عليه السياسة العربية على مدى عقود طويلة.

"
لعلّ منظومة العمل العربي المشترك قد قيل فيها الكثير, ومع ذلك ظلت كل توصيات تفعيل العمل العربي المشترك وبناء تضامن عربي فعّال، أقرب إلى الأمنيات منها إلى التحقق على أرض الواقع
"
لعلّ منظومة العمل العربي المشترك قد قيل فيها الكثير وفي مختلف القمم العربية اتخذت بشأنها قرارات كانت جميعها ضمن التوقيت المناسب، ومع ذلك ظلت كل توصيات تفعيل العمل العربي المشترك وبناء تضامن عربي فعّال، أقرب إلى الأمنيات منها إلى التحقق على أرض الواقع.

وعلى الرغم من أن كل ذلك يعني جميع العرب في أمنهم القومي، وفي مستقبلهم المهدد بعشرات التحديات، فإن العرب ما زالوا يتعاملون بردّات الفعل الآنية مع المشكلات والأحداث الطارئة، ثم يبدؤون بالتراخي شيئاً فشيئاً لتظهر قضية طارئة أخرى تبعد ما قبلها وهكذا.

ولكن للأسف وعلى وقع هذه القضايا الطارئة يتسع الشرخ بين العرب وتزداد فرقتهم وعلى هذا الأساس لم يتم تفعيل قرار قمّة مهم، ولم يتعظ الكثير من العرب بالدروس والتشتت الذي يضعف موقفهم على الدوام، وبالنتيجة، سوف تستمر القمم العربية في مسيرة إدمان الفشل طالما أن التغييرات سوف تكون شكلية وغير مؤثرة على آليات العمل أو على القرارات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة