فلسطينيون محافظون في واقع عربي متغيّر   
الأحد 1433/10/16 هـ - الموافق 2/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)



لم تتعامل القيادات الفلسطينية مع "الربيع العربي" والتداعيات الناشئة عنه بالطريقة المناسبة، بل إن ردود فعلها اتسمت بالحيرة والتردّد والتحفّظ، الأمر الذي انعكس حتى على قطاعات واسعة من الأوساط الشعبية الفلسطينية.

بديهي أن هذا السلوك غير المتوقّع يقوّض الصورة النمطية التي كانت سائدة عن الفلسطينيين وكياناتهم السياسية، والتي طالما أظهرتهم باعتبارهم يشكّلون رصيداً للحراكات الثورية في العالم العربي.

الجدير ذكره أن تجربة الفلسطينيين في الانتقال من الراديكالية إلى المحافظة، ليست فريدة من نوعها في تاريخ الحركات السياسية وحركات التحرر الوطني، ذلك أن كثيرا من هذه الحركات في آسيا وأفريقيا عاشت التجربة نفسها، لاسيما مع وصولها إلى السلطة.

وقد يمكن القول إن ثمة أسبابا عديدة تكمن في نقل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى هذا المسار، ضمنها الاستنزاف الذي تعرّضت له طوال العقود الماضية، وحال الاعتمادية على الخارج في مواردها، والتجارب المريرة التي قاستها نتيجة احتكاكها مع بعض النظم العربية، وتضاؤل الاهتمام الدولي والإقليمي بها، وتحولها ذاتها من حركة تحرر وطني إلى نوع من حالة سلطوية، تشبه النظم السائدة في المنطقة.

أرجّح أن "المحافظة" في الموقف الفلسطيني، إزاء الثورات العربية، ناجمة أساساً عن عاملين، أولهما سياسي، وثانيهما تنظيمي أو بنيوي

لكنني مع كل ما تقدم أرجّح أن "المحافظة" في الموقف الفلسطيني، إزاء الثورات العربية، ناجمة أساساً عن عاملين: أولهما سياسي، وثانيهما تنظيمي أو بنيوي.

فعلى الصعيد السياسي بات واضحا أن الفلسطينيين اليوم، مع كياناتهم السياسية، يفتقدون إلى مشروع وطني ملهم يجمعهم، ويستنهض قواهم، ويوقظ الأمل في قلوبهم من جديد. فليس خافيا على أحد الإحباط الناجم عن ضعف فاعلية الكيانات السياسية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل، سواء في الكفاح المسلح أو في عملية التسوية أو في بناء السلطة، وأيضا في الانتفاضة أو في المفاوضة، أو في أي مستوى من مستويات المقاومة الشعبية.

ولا تتوقف مشكلة الفلسطينيين عند هذا الحد، ذلك أن الكيانات الفلسطينية السائدة تبدو كأنها لا تمتلك المرونة اللازمة لاعتماد خيارات أو سياسات جديدة ومغايرة، حتى مع كل التغيرات الكبيرة الحاصلة في البيئات الدولية والإقليمية والعربية.

فمنذ عقدين باتت القيادة الفلسطينية مرتهنة كلياً إلى خيار التسوية وفق حلّ الدولتين وعبر طريق المفاوضات، في حين أن إسرائيل اختطت خيارات كثيرة على الأرض وفي شكل تعاملها مع الفلسطينيين ومع عملية التسوية.

هكذا، فقد قوّضت إسرائيل اتفاق أوسلو بعدم تنفيذها استحقاقات المرحلة الانتقالية، التي انتهت منذ أكثر من عقد (1999)، وبمعاودتها فرض سيطرتها على المناطق التي تخضع للولاية القانونية للسلطة، وبتعزيزها الأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة، وفي بنائها الجدار الفاصل، وفي محاولاتها الدؤوبة لتهويد القدس، وفي الانسحاب الأحادي من غزة وفرضها الحصار عليه منذ سبعة أعوام.

هذا يعني أن الفلسطينيين باتوا يفتقدون البنية المناسبة، والإدارة الملائمة، والإرادة اللازمة، لإدارة صراعهم مع إسرائيل بالشكل الأنجع والأقوم، بغضّ النظر حتى عن الخيارات السياسية التي يجري انتهاجها.

أيضاً، فإن مشكلة الفلسطينيين، في العقدين الماضيين، تكمن في أنهم بدّدوا مجاناً أرصدة القوة التي بأيديهم، إذ همّشوا كيانية المنظمة لمصلحة السلطة، وغيّبوا مشروع التحرّر الوطني لمصلحة مشروع المفاوضة.

تغوّلت الأجهزة الأمنية على كيان السلطة والمجتمع، ونجم عن كل ذلك تصارع "فتح" و"حماس"، الفصيلين المهيمنين والحاكمين، على سلطة تحت الاحتلال

وبين هذا وذاك فقد تغوّلت الأجهزة الأمنية على كيان السلطة والمجتمع، ونجم عن كل ذلك تصارع "فتح" و"حماس"، الفصيلين المهيمنين والحاكمين، على سلطة تحت الاحتلال، مما أدى إلى تكريس حال الانقسام السياسي بين الضفّة وغزة. ولا شك أن كل هذه الأحوال أدت إلى تعميق الفجوة بين الفلسطينيين وكياناتهم السياسية، وأضعفت الجهود المتعلقة بإعادة بناء البيت الفلسطيني (المنظمة والسلطة والفصائل).

وبديهي فإن ما يشجّع القيادات والكيانات السائدة على الاستمرار في ما هي عليه، بغض النظر عن انحسار مكانتها في المجتمع، وعن تراجع دورها في الصراع مع عدوّها، واقع غياب المراجعة والمساءلة والمحاسبة في التجربة الوطنية الفلسطينية، وميل الفلسطينيين إلى المبالغة في تغليب العواطف والشعارات في كفاحهم الوطني على حسابات الجدوى، وما يعني بذل التضحيات من دون السؤال عن الإنجازات!

أما على الصعيد التنظيمي/البنيوي، فيمكننا أيضاً ملاحظة أن "التصلّب" في الخيارات السياسية يوازيه "تصلب" في البنية التنظيمية، والتصلّب هنا هو دليل افتقاد المرونة، وضعف القدرة على المناورة والمبادرة، وبالتالي عدم مواكبة الواقع المتغير، ومن هنا تتأتى "المحافظة" التي بات يتسم بها الوضع الفلسطيني.

وعلى هذا الصعيد يمكننا ملاحظة أن الطبقة السياسية السائدة في الحركة الوطنية الفلسطينية لم تشهد أية تغييرات نوعية، أو حقيقية، منذ عقود، ورغم كل ما مرت به هذه الحركة من تطورات، ونجاحات، وإخفاقات.

وفي الحقيقة فإن هذه الطبقة المتغلغلة في المنظمة والسلطة والفصائل، تتمتع بنفوذ واسع، وبامتيازات كبيرة، وبأرصدة قوة مكينة، مثلها مثل أي طبقة متنفذة في النظم العربية السائدة. وتتأتى قوة هذه الطبقة من وجود هذا الكم الكبير من المتفرغين من حولها، الذين يعتمدون في نمط عيشهم على دخلهم المتأتي من اشتغالهم في هذه الكيانات والأجهزة الخدمية المتفرعة عنها.

فضلا عن ذلك فإن هذه الطبقة هي التي تتحكم بالموارد المالية الفلسطينية، وهي التي تسيطر على الأجهزة العسكرية والمدنية والخدماتية، أي أنها تمتلك مجمل أرصدة القوة الفلسطينية، البشرية والمادية والمعنوية، الخاضعة لسيطرتها، لاسيما في الأرض المحتلة في الضفة والقطاع.

وهذه الطبقة السياسية، التي تسيطر على القرار السياسي، أيضا، تتألف من القيادات العليا في منظمة التحرير والسلطة والفصائل، ومعها في المنظمة أعضاء اللجنة التنفيذية، وأعضاء المجلس المركزي، ومديرو الدوائر، ومديرو المكاتب، والسفراء، مع ما يفترضه كل ذلك من موازنات ومرتبات ومكافآت.

والضلع الثاني لهذه الطبقة يتمثل في قيادات السلطة، حيث ثمة إحصاءات تفيد بأن الفلسطينيين بات لديهم 14 تشكيلة حكومية (منذ إنشاء السلطة في 1994)، بواقع حكومة كل عام ونصف، هذا من دون أن نذكر تشكيل حكومتين في غزّة منذ الانقسام في 2007.

الطبقة المتغلغلة في المنظمة والسلطة والفصائل تتمتع بنفوذ واسع، وبامتيازات كبيرة، وبأرصدة قوة مكينة، مثلها مثل أي طبقة متنفذة في النظم العربية السائدة

وهذا يعني أن الفلسطينيين ربما بات لديهم، في هذه الفترة القصيرة، أكبر عدد من الوزراء بالقياس لأي دولة أخرى في العالم، مع 24 وزيراً في كل حكومة. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فثمة أيضاً جيش من وكلاء وزراء ومديرين عامين للوزارات وقادة أجهزة أمنية وسفراء ومستشارين؛ وكل ذلك يتطلّب بداهة موازنات ومرتّبات باهظة ومصاريف مهمّات تشكّل عبئاً ضاغطاً على كاهل الفلسطينيين.

أما الضلع الثالث للطبقة السياسية الفلسطينية فيتمثل في قادة الفصائل، التي تتوزّع على 16 فصيلاً، بحجم يزيد حتى عن الأحزاب الموجودة في دول كبرى عديدة، بما فيها أكبر دولة عربية، وهي مصر! علماً أن ثمة لكل فصيل قيادة ومكاتب وموازنات ومتفرّغين، ونظاماً من العلاقات البينية، والاعتمادية في الموارد، وارتهانات وتوظيفات سياسية.

وما يفاقم من هذا الوضع أن النظام السياسي الفلسطيني السائد منذ أكثر من أربعة عقود، تأسّس على نظام المحاصّة الفصائلية (الكوتا)، الذي يؤبّد هذا الواقع ويعيد إنتاجه، رغم التطوّر المتمثل بوجود انتخابات تشريعية في الداخل مع إنشاء السلطة (1994)، ورغم أن كثيراً من الفصائل لم يعد لها مكانة تمثيلية وازنة في المجتمع، ولا تقوم بأي دور في مجال الصراع مع إسرائيل، ولا تضيف شيئاً لا على صعيد الفكر ولا على صعيد التجربة ولا على صعيد النموذج.

ويستنتج من كل ذلك أن ثمة شبكة من القياديين والمتنفّذين في كل هذه الكيانات باتت بمثابة طبقة سياسية قائمة في ذاتها ولذاتها، وأضحت من الرسوخ بحيث تستطيع فرض مفاهيمها وعلاقاتها وأشكال عملها على الحقل السياسي بمجمله، أي على المنظمة والسلطة والفصائل، وأصبحت من القدرة بحيث تستطيع إعادة إنتاج نفسها بنفسها، ضمن منظومة من علاقات ووسائط السيطرة السياسية والمالية والأمنية وبفضل ما تحوزه من فائض قوّة تستمدّه من علاقاتها الإقليمية.

وينجم عن ذلك أن هذه "الطبقة"، وفي سبيل ترسيخ مكانتها السلطوية، تبدي حرصا شديدا على حراسة واقع التكلّس في البنى والسياسة في الساحة الفلسطينية، وإبقائه على النحو الذي هو عليه من الجمود وافتقاد الفاعلية والجدوى، ولو وصل الأمر حتى حدّ الإضرار بمصالح الفلسطينيين، مما يفسر ممانعة هذه الطبقة لأي تطوير أو تجديد في منظومة الكيانات والخيارات السياسية الوطنية.

طبعاً ثمة عوامل تسهّل لهذه "الطبقة"، التي باتت بمثابة "جيش"، تعزيز هيمنتها على الفلسطينيين، والسيطرة على حراكاتهم الشعبية. وهذه تكمن في: أولاً، تمزّق المجتمع الفلسطيني، الذي يتوزّع على بلدان عديدة، ويخضع إلى سلطات وظروف متباينة، مما يضعف الحراكات المجتمعية ويشتّت قوّتها وفاعليتها.

ثانياً، عدم اعتماد الكيانات السائدة على موارد شعبها، بقدر ما أن قطاعات من شعبها تعتمد في مواردها عليها (لا سيما في الأراضي المحتلة، وإلى حدّ أقل في مخيمات لبنان). وبديهي أن الارتهان المعيشي ينجم عنه نوع من ارتهان سياسي.

مما لاشك فيه أن ثورات الحرية والكرامة والعدالة تفترض من الفلسطينيين التحول من النضال على قطعة من الأرض إلى النضال من أجل مواطنة حرة وديمقراطية في فلسطين كلها

ثالثاً، لم تعد الشرعية السياسية الفلسطينية، منذ زمن، تتحدّد بعلاقات الإقناع، وبالدور الوطني، وبصناديق الاقتراع، بقدر ما باتت تخضع لوسائط السيطرة المباشرة عبر الأجهزة الأمنية، والتحكّم بمورد العيش، والنفوذ السياسي.

رابعاً، غلبة الروح الأبوية، وعلاقات المحسوبية والزبونية في الكيانات السياسية بمجملها، على حساب الطابع المؤسّساتي والعلاقات الديمقراطية والروح النقدية. خامساً، تستمد الطبقة السائدة بعضاً من شرعيتها من ماضيها النضالي، بسبب انتمائها إلى جيل الآباء المؤسّسين للثورة المعاصرة، لا سيما في ظل سيادة نزعة عاطفية بين الفلسطينيين تقدّس التضحيات من دون السؤال عن الإنجازات أو حسابات الجدوى.

وما ينبغي الانتباه إليه جيداً أن هذا الواقع، الذي يشكّل أحد مصادر القوّة والشرعية للطبقة السائدة في النظام الفلسطيني، والذي تحاول من خلاله إشاعة مفاهيمها وخياراتها السياسية بشأن المفاوضة والتسوية، هو نفسه الذي يضع قطاعات من الفلسطينيين، نظرياً وعملياً، أمام إشكاليتين، سياسية وأخلاقية، لا سيما في المفاضلة بين حقوقهم الشرعية وهويّتهم الوطنية من جهة، وأوضاعهم المعيشية من جهة أخرى.

على أية حال فإن ثورات الربيع العربي تدق ناقوس الإنذار لمجمل الكيانات السياسية الفلسطينية، ذلك أن التغيير الحاصل في البيئة السياسية العربية لابد سيجرف معه، بطريقة أو بأخرى، تلك الحالة الفلسطينية المترهلة والمحافظة والمتقادمة. وبالمحصلة فإن هذه الكيانات تبدو في مواجهة تحد جديد فإما اعتبار نفسها جزءا من العالم العربي القديم، وإما اعتبار ذاتها جزءا من العالم العربي الجديد الذي يتشكل أمام ناظرينا، مع كل صعوباته ومشكلاته.

وقصارى القول فإن "الربيع العربي" يقدم فرصة نادرة للحركة الوطنية الفلسطينية لاستعادة طابعها كحركة تحرر وطني، وبناء ذاتها على قواعد نضالية ومؤسساتية وديمقراطية وتمثيلية، بما في ذلك تمكينها من صوغ مشروع وطني جديد، يعيد الاعتبار للتطابق المطلوب بين قضية فلسطين وشعب فلسطين وأرض فلسطين.

ومما لاشك فيه أن ثورات الحرية والكرامة والعدالة تفترض من الفلسطينيين التحول من النضال على قطعة من الأرض إلى النضال من أجل مواطنة حرة وديمقراطية في فلسطين كلها، باعتبارها المشروع النقيض لإسرائيل الاستعمارية والعنصرية والدينية. الفلسطينيون جزء من الربيع العربي ولا يمكنهم إلا أن يكونوا كذلك، بطريقة أو بأخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة