سوريا.. أحداث القامشلي وضرورات الحل السياسي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ أكرم البني

لم يكن مفاجئاً في ظل تواتر الضغوط والاحتقان السياسي الذي تعيشه سوريا من جراء صدامات دامية في مدينة القامشلي يومي 12 و13 مارس/ آذار الجاري، امتدت على شكل تظاهرات واعتصامات إلى مناطق أخرى في محافظة الحسكة كالمالكية وعامودا ورأس العين والدرباسية، وإلى العاصمة دمشق في مدينتها الجامعية وحي المشاريع حيث تقطن أغلبية كردية، قبل أن تنتقل يومي 15 و16 التاليين إلى حي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وإلى منطقة عفرين من ريفها. وجوبهت هذه التظاهرات في غير مكان بإطلاق الرصاص من قبل القوى الأمنية، مما أسفر عن سقوط أكثر من 20 قتيلاً وعشرات الجرحى بعضهم لايزال إلى الآن في حال حرجة.

ولعل من تبسيط الأمور اعتبار ما حدث فعلا خارجيا لعملاء مندسين يضمرون شراً لزعزعة استقرار البلاد وأمنها، أو القول بأنه ظاهرة شغب عابرة بين جمهوري نادي الفتوة من دير الزور ونادي الجهاد من الحسكة.

كما من الخطأ والخطر في آن معاً إخفاء الأسباب الداخلية التي أنتجت هذا الحدث وخلقت مظاهر التوتر والاحتقان السياسي والاجتماعي في البلاد عموماً وبين العرب والأكراد على وجه الخصوص، منها ما يتعلق بحالة القلق والإحباط التي يعيشها المواطن السوري من واقع راكد ومستقبل غامض، ومنها ما يتعلق بتنامي شعور الأكراد بالغبن والظلم مع استمرار سياسات التمييز وتجاهل مطالبهم المشروعة وهم يراقبون إخوانهم في العراق ينالون حقوقهم السياسية والثقافية كاملة.

وإذا غضضنا النظر عن الطرف البادئ وتفاصيل المواجهات المؤلمة، يغدو مفهوماً أن تندلع الشرارة الأولى من شمال شرق سوريا حيث محافظة الحسكة أهم معقل للأكراد، في حين تتميز محافظة دير الزور بتعاطفها القوي سياسياً وعشائرياً مع النظام العراقي، وتنامي إحساس سكانها بالغدر والخيانة من سياسات الأحزاب الكردية العراقية فانعكس سخطاً وغضباً على الأكراد أينما كانوا!!


تتحمل السلطات السورية مسؤولية مزدوجة عما جرى في مدينة القامشلي: مرة بإصرارها على تجاهل الوضع الكردي وإهمال مطالبه المشروعة، ومرة باللجوء إلى الخيار الأمني والقوة العسكرية
وبين هؤلاء وأولئك تتحمل السلطات السورية مسؤولية مزدوجة عما جرى، مرة بإصرارها على تجاهل الوضع الكردي وإهمال مطالبه المشروعة ما انعكس إحباطا سياسياً واحتقاناً اجتماعياً في صفوفهم، ومرة باللجوء إلى الخيار الأمني والقوة العسكرية والاعتقالات لمعالجة التوترات الأخيرة.

وليس غريباً أن يهمل وضع الأكراد وأن لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه من قبل السلطات السورية على خطورته وحساسيته الراهنة، مثلما لم يكن غريباً أن يهمل الإصلاح السياسي الديمقراطي وتجمد حركته على أهميته في تحرير طاقات المجتمع وتهيئتها لمواجهة الضغوط والأخطار الناهضة أمام البلاد.

فالوعود المؤجلة أو المنسية بالانفتاح على الآخر واحترام الرأي المعارض هي الوعود ذاتها التي سمعتها القوى الكردية في غير مناسبة وآخرها الوعد الذي أطلقه رئيس الحكومة أمام تجمع من الأكراد والعرب في ذكرى الإحصاء الاستثنائي يوم الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لمعالجة وضع الأكراد المحرومين من الهوية السورية.

زاد الأمر خطورة استسهال بعض أطراف السلطة إطلاق الرصاص في غير مكان على حشود المواطنين العزل، تبعه اعتقالات عشوائية طالت المئات من الشبان الأكراد، وحصار لا يزال مستمراً وإن بصورة أقل حدة حول بعض الأحياء والبلدات التي تضم أغلبية كردية. وما زاد الطين بلة الأخبار التي يجري تناقلها عن تسليح القرى والعشائر العربية المتاخمة للقرى الكردية لإطلاق دورها قمعاً وإرهاباً.

إضافة إلى خطورة الدور الديماغوجي الإعلامي الرسمي لتمرير الحل الأمني وتبريره بتصعيد لهجة العداء القومي للأكراد وشحن النفوس شوفينياً ضدهم، ربطاً مع اتهامات بالعمالة والتواطؤ مع الخارج والتشهير بأنهم يبيتون فتنة وهدفاً انفصالياً، جنباً إلى جنب مع طمس جوهر المشكلة وتسليط الأضواء فقط على أعمال الحرق والتخريب وعلى الاندفاعات الغوغائية لبعض المتطرفين الأكراد وقد بدوا أن لا رابط يربطهم بالمجتمع السوري عندما مزقوا العلم الوطني ورفعوا أعلام كردستان وأميركا وهتفوا شعارات استفزازية تستقوي بالخارج وتنادي بتحويل سوريا إلى عراق ثان..!!

في المقابل تميز موقف القوى الوطنية العربية والكردية -على حد سواء- بالاتزان والموضوعية في التعامل مع مثل هذا الحدث النوعي والحساس، فدعت في بيان حمل اسم "نداء عاجل" وقعته أطراف المعارضة السياسية السورية ومنظمات حقوقية ومدنية وكل من التحالف الوطني الديمقراطي الكردي والجبهة الوطنية الديمقراطية الكردية، إلى وقف العنف فوراً وبذل كل الجهود لمحاصرة الحدث وإيقاف تطوراته تمهيداً لمعالجته بتغليب لغة العقل في مواجهة التشنج والانفعالات والحسابات الضيقة، ما يقطع الطريق على أي ذريعة يمكن أن تستخدمها أطراف خارجية للنيل من لحمة المجتمع وتكاتفه.

ووجدت في لجوء أجهزة السلطة إلى الحل الأمني والعنف وبالاً على المجتمع والوطن، داعية إلى معالجة سياسية اجتماعية شاملة على قاعدة بنية مجتمعية يكون فيها المواطن المتساوي في الحقوق أساس اللحمة بعيداً عن أي تمايزات عشائرية أو طائفية أو قومية. وأيضاً إلى رأب الصدع الذي حصل بتشكيل لجنة تحقيق وطنية عامة تحظى بقبول جميع الأطراف من أجل تقصي حقيقة ما جرى وتحديد المسؤولين ومحاسبتهم.

وتم نقل هذه الأفكار إلى أحد المسؤولين السوريين في لقاء عاجل ضم ممثلي معظم القوى المشاركة في التوقيع على هذا البيان، جنباً إلى جنب مع دور ميداني قام به عدد من النشطاء الحقوقيين والمدنيين من لجان إحياء المجتمع المدني وجمعية حقوق الإنسان لتهدئة النفوس ووقف الممارسات الاستفزازية وأعمال العنف خصوصاً في وادي المشاريع والمدينة الجامعية بدمشق. توبع هذا الدور بزيارة قامت بها مجموعة أخرى من النشطاء إلى مدينتي القامشلي والحسكة والتقت خلالها بعض المثقفين الأكراد وبعض الوجهاء ورؤساء العشائر من العرب والأكراد على قاعدة تسكين التوتر والتشجيع على الاحتكام إلى الموضوعية والعقل.


لعل من دواعي الإنصاف القول إن تطور الحس القومي لأكراد سوريا لم يكن يوماً على حساب ولائهم لوطنهم السوري، فالحركة السياسية الكردية تتفق جميعها على شعارات تؤكد على الانتماء السوري

ولعل من دواعي العدل والإنصاف القول إن تطور الحس القومي لأكراد سوريا لم يكن يوماً على حساب ولائهم لوطنهم السوري، فإذا استثنينا قلة من الأصوات المغالية في التطرف والتي تروج عبر الإنترنت لأفكارها المتطرفة والطفولية فإن الحركة السياسية الكردية تتفق جميعها على شعارات تؤكد على الانتماء السوري وتدعو إلى تمتين أواصر الأخوة العربية الكردية والحريات العامة والديمقراطية.

لكن ما يشوب سياساتها ويتركها عرضة للأخذ والرد أنها دأبت في أحيان كثيرة على تقديم شعاراتها الخاصة المتعلقة برفع الظلم والاضطهاد القومي على حساب المطالب الديمقراطية العامة، مما رسم مسافة واضحة بينها وبين القوى الديمقراطية العربية التي تعتبر المسألة الكردية جزءا لا يتجزأ من القضية الديمقراطية العامة، وتجد في انتصار هذه الأخيرة انتصارا للحقوق القومية العربية والكردية على حد سواء.

زاد في اتساع هذه المسافة موقف غالبية القوى الكردية السورية مما حدث في العراق وغزلها السياسي مع الحركة الكردية العراقية وإحجامها المقصود عن إعلان موقف من طابع الحرب الأميركية وأهدافها، ما دفع بعض المتطرفين العرب إلى كيل اتهامات العمالة والتخوين ضد الأكراد، ردت عليهم المشاركات المتكررة وأشكال تنسيق سياسية ومدنية متنوعة بين القوى العربية والكردية لنصرة العمل الديمقراطي العام، ما لعب دوراً مهماً في حصار أجواء الشحن القومي وتحجيمه وأزال بعض ما يعتمل في النفوس من ضغائن وأحقاد، وشجع على فتح حوار واسع وجدي حول أهمية وحدة النضالين العربي والكردي بدأ يأخذ مكانه ببطء وثقة في صفوف المجتمع السوري.

وإذا أخذنا بالحسبان تأثر المزاج والحراك الكردي في سوريا بالحراك الكردي في بلدان الجوار كما كان حال حركة تطوع أكراد سوريا من أجل دعم البشمركة في شمال العراق، وانجذاب أغلب الشباب والفتية الأكراد للقتال في جبال كردستان إبان الوجود شبه العلني لحزب العمال الكردستاني في الساحة السورية، يمكن أن نفسر انزلاق الأحزاب الكردية السورية -كاتجاه عام- نحو توسل حراك أكراد الجوار في بناء خطابها السياسي لا الانطلاق من خصوصية الوضع السوري ومعانيه المتميزة، ما أفقدها القدرة على انتزاع ثقة الناس واحترامهم وثقة الجماهير السورية. وإذا أضفنا ما شهدته تاريخياً من صراعات داخلية نشطت فيها آليات التفكك والانقسام بأفق الحسابات الذاتية والمصالح الضيقة، يمكن أن نفسر لماذا بدت القوى الكردية السورية خلال الأحداث الأخيرة في واد والشارع الكردي في واد آخر.

إن التطرف يولد التطرف، ومن الخطر تعميم أفكار شوفينية تطعن بحق الوجود الكردي في سوريا، في محاولة دأبت عليها قوى التعصب القومي العربي -إن خارج السلطة أو داخلها- لإلغاء دور الكتلة الكردية واعتبار ما هو قائم من تشكيلات قومية نتاجا مؤقتا وطارئا صنعه الاستعمار ومصالح القوى المتصارعة في المنطقة.

وهذا يفضي إلى إشكالات عميقة لا تحمد عقباها دون أن نعرف ما هو الضرر الناجم من الاحتكام إلى الراهن والاعتراف بالحقائق القائمة التي تؤكد أن لحمة هذا المجتمع هي خليط من قوميات مختلفة: عرب وأكراد وأرمن وشراكس وآشور وغيرهم، ساهموا جميعهم في صياغة تاريخه وإيصاله إلى ما وصل إليه اليوم. ويعني بالتالي ضرورة الإقرار الواضح والصريح بوجود الشعب الكردي كجزء عضوي من تركيبة المجتمع السوري، وبالتالي حضور مسألة سياسية في سوريا ترتبط بحقوقه القومية المشروعة، كحق المواطنة وحقوقه الثقافية والسياسية الأخرى.

بالمقابل لا نعرف ما قصد بعض المتطرفين الأكراد من حرق الأعلام السورية ورفع الأعلام الكردية وشعارات انفصالية بدل شعارات الديمقراطية والإصلاح السياسي، أهي رسالة موجهة للشعب السوري وقوى العمل الديمقراطي، أم دعوة صريحة لحرف الصراع نحو أبعاد قومية شوفينية قاتلة وضارة بمصالح كلا الشعبين وإطاحة الدور المركزي للنضال الديمقراطي المشترك الكفيل بحل كافة المعضلات الإنسانية والسياسية التي تعترضنا؟

ويمكن الاستنتاج من طبيعة الشعارات التي رفعت ومن أعمال الشغب التي مورست وتدمير المباني والمنشآت العامة بأن ثمة تحللا عند هذه الجموع من أي التزام وطني، ولعله يدل على وعي طفولي أو عدم نضج سياسي في الشارع الكردي يرى في الاندفاع نحو الانفكاك عن المجتمع السوري حلاً لأزماته ومشكلاته، وكأنه لم يعتبر من الدروس المستخلصة من هزائمه وانكساراته المتكررة، الأمر الذي يبرهن على دور النضال الديمقراطي بصفته طريقا آمنا لنيل الحقوق القومية، ويضع على عاتق الشعب الكردي وقواه الحية مهمة بناء مجتمع ديمقراطي في كل بلد يوجد فيه، على أن يكون هذا الخيار منهجاً أكيداً وثابتاً لا مجرد عمل تكتيكي ظرفي ومؤقت.

وهذا الأمر يساهم في بناء أواصر من الثقة والاطمئنان ويزيل عند العرب "شعور التوجس والشك" بأن الأكراد يخفون وراء نضالاتهم حسابات ومصالح ذاتية ليس إلا، وأنهم يترقبون الفرصة المناسبة لتحقيقها دون اعتبار لمصلحة المجتمع الذي يعيشون في كنفه.

كما يزيل في المقابل إحساس الأكراد بالغبن والظلم والتمييز، ويقطع الطريق تاليا على مختلف الأطراف والأنظمة التي أتقنت اللعب بالمسألة الكردية في استخدامها كورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية، ولخدمة أهدافها ومخططاتها الخاصة.


الأزمة لم تنته بعد ولا تزال قابلة للاستمرار والتفاقم، وما حدث مرشح لأن يتكرر وربما بصورة أكثر حدة واتساعاً، تاركاً الباب مفتوحاً على العديد من الاحتمالات السيئة في الظروف العصيبة التي تمر بها سوريا
أخيراً.. يصح القول إن الأزمة لم تنته بعد ولا تزال قابلة للاستمرار والتفاقم، وما حدث مرشح لأن يتكرر وربما بصورة أكثر حدة واتساعاً، تاركاً الباب مفتوحاً على العديد من الاحتمالات السيئة في الظروف العصيبة التي تمر البلاد بها.

وبالتالي من الخطر الاستكانة إلى لحظة هدوء مزيفة والاستمرار في الترويج لنظرية المؤامرة والإصرار على إدارة الأزمة أمنياً، خاصة وأنك تجد -للأسف- من لا يزال يتوهم أن التعبئة الوطنية ضد الأخطار المحدقة تعني إطاحة الحريات والديمقراطية، وأن تجميد الداخل وحجزه في القمقم الأمني وإطلاق دور القوة العسكرية يمكن أن يصنع نصراً. كما من المؤسف أن تسمع أصواتا لا تزال تفاخر بنجاعة خيار العنف والقمع في مواجهة الأحداث الراهنة مثلما نجح في مواجهات سابقة، دون أن تأخذ بالحسبان خصوصية ما يحصل وأنه يتم في ظل متغيرات نوعية عالمية وإقليمية لا سابق لها، تنذر بعواقب مأساوية ووخيمة على حاضر البلاد ومستقبلها!!

وبغض النظر إن كانت للخارج أصابع فيما حدث أم لا، فإن استمرار أسبابه الداخلية يشكل موضوعياً مرتعاً خصباً لدور الخارج وتأثيراته في ظل الظروف العصيبة والضاغطة التي نعيشها، فليس ثمة إمكانية حقيقية لإفشال نيات الخارج ومخططاته من خلال القفز فوق مهام أولية -هي ملك أيدينا- تستدعي معالجة الأسباب الداخلية وإزالة المنغصات السلبية بشأن الحريات وحقوق الإنسان التي لا تزال تؤخذ علينا وتضعف مجتمعنا وتمكن الخارج منه!!
_________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة