أساطير نظام هوى   
الثلاثاء 10/4/1432 هـ - الموافق 15/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 1:16 (مكة المكرمة)، 22:16 (غرينتش)


نريد لمصر "الجديدة" أن تتطهر ليس فقط من شخوص وقيم النظام السابق، ولكن أيضا من مراراته التي مزقت الأواصر، ومن أساطيره التي شوهت الإدراك.

(1)

لا يكفي أن يستعيد المجتمع روحه المغيبة وكرامته المهدرة وحرياته المنتهكة، بل نريد له أن يستعيد عافيته ويستنهض عناصر القوة والمنعة فيه. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه أن يتصالح المجتمع مع ذاته ومع تاريخه وجغرافيته.

ذلك أن بلدا كبيرا مثل مصر لا يستطيع أن يستقر أو ينهض بمسؤولياته، دون أن يجري مثل هذه المصالحة التي سبقتنا إليها دولة أخرى كبيرة ومهمة في المنطقة هي تركيا.

ذلك أنها لم تثبت حضورها ولم تنل حظها المشهود من التقدير والاحترام والفاعلية، إلا بعدما قطعت أشواطا بعيدة في المصالحة، سواء مع ذاتها عبر استدعاء المجتمع وتذويب مراراته، أو مع محيطها الإستراتيجي من خلال رفع شعار "زيرو مشاكل" الذي كان يعني تسوية كل المشاكل العالقة بينها وبين جيرانها الأقربين والأبعدين.

المصالحة المنشودة يفترض أن تسبقها إرادة مستقلة ورؤية إستراتيجية واضحة تحدد من نحن؟ وماذا نريد؟ وإذا كانت معطيات ثورة 25 يناير قد ردت إلى الشعب المصري اعتباره، وأعادت إليه ثقته في ذاته ودوره، فإن نجاح التقدم على ذلك الطريق يقتضي إجراء المصالحات التي أتحدث عنها، وفي مقدمتها ما يلي:

"
لا يمكن لبلد كبير مثل مصر أن يستقر أو أن ينهض بمسؤولياته دون أن يتصالح مع ذاته ومع تاريخه وجغرافيته, وهو ما سبقتنا إليه تركيا
"
مصالحة أساسية تصحح العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو ما يتكفل به التمسك بقيم الممارسة الديمقراطية التي تجعل السلطة اختيار المجتمع وليس قدره،
بما يعني أنها في خدمة الناس وليس العكس. وإذا تم ذلك على الصعيد السياسي، فإن المصالحة هنا لا تعني فقط أن يصبح الشعب "سيد قراره" إذا جاز التعبير، ولكنها تستصحب أيضا ثقة في قدرة المجتمع على أن يصنع مصيره بسواعد أبنائه وإبداعهم، وليس بتبرعات المانحين وهباتهم.

رجال القانون الذين أعرفهم يعتبرون أن قيمة القانون تراجعت وأهدرت في ظل النظام السابق، بحيث إن الفيصل في الأمور لم يعد ما إذا كان المرء صاحب حق أو معتدى عليه، وإنما ما إذا كان قويا أم ضعيفا، فإذا كان قويا فله كل ما يريد، أما إذا كان ضعيفا فليشرب من البحر.

لذلك فإنهم يقولون إن الثورة إذا كانت أعادت إلى الشعب حلمه، فإن رد الاعتبار للقانون في مصر يظل أحد الأبواب التي تسهم في تحويل الحلم إلى واقع.

وإلى جانب المصالحة المنشودة بين السلطة والمجتمع، فإن مصالحة المجتمع بين بعضه البعض هي الساق الثانية التي ينبغي أن تعتمد عليها المسيرة. لذلك فإن التفكير يظل واجبا في ردم وتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وفي المصالحة بين القوى السياسية ذاتها، خصوصا بين الإسلاميين من جانب والعلمانيين والقوميين من جانب آخر، وهي إن كانت واجبة بين السياسيين فهي أوجب بين المسلمين والأقباط.

أدري أن العناوين التي ذكرتها تحتمل كلاما كثيرا ونقاشا موسعا، لكنني أردت أن أنبه إلى موضوعها، وإلى كونها مما ينبغي أن تنشغل به النخبة التي يفترض أن تكف عن الاحتراب الأهلي الذي ظل مستمرا ومستعرا خلال العقود التي مضت.

وإذا كان ذلك الإضراب محتملا أو مفهوما حين كان المواطن مخطوفا ومخصوبا، فإنه الآن لا ينبغي له أن يستمر بعدما استعاد المصريون وطنهم، وأصبحوا شركاء فيه وليس مجرد ضيوف عليه.

(2)

هذا الذي ذكرته يمكن أن يشكل مدخلا للمصالحة مع الذات. أما المصالحة الأخرى المهمة فهي مع التاريخ والجغرافيا، والأولى تتصل بهوية مصر التي ترتكز على انتمائها العربي والإسلامي، والثانية تتعلق بمسؤولية مصر عن أمنها الوطني ودفاعها عن محيطها الإستراتيجي.

وللأسف فإن المسألتين ظلتا محل لغط والتباس في ظل النظام السابق، وصلا إلى حد المنازعة في مقومات الهوية والمفاصلة بين مصر والعالم العربي والتشكيك في طبيعة التهديد الإستراتيجي، وما إذا كان يتجسد في إسرائيل حقا، أم أن إيران أصبحت تمثل ذلك التهديد.

"
الوهن الذي عاشت مصر في ظله طوال الأعوام الثلاثين الأخيرة، أحدث خللا جسيما في الرؤية الإستراتيجية أوصل العطب ليس فقط إلى مقومات استقرار الوطن ومسيرته، وإنما أيضا إلى ثوابته
"
وهذه الخلفية تسوّغ لنا أن نقول إن الوهن والتشتت الذي عاشت مصر في ظله طوال الأعوام الثلاثين الأخيرة على الأقل، أحدث خللا جسيما في الرؤية الإستراتيجية أوصل العطب ليس فقط إلى مقومات استقرار الوطن ومسيرته، وإنما أيضا إلى ثوابته التي بها أو بدونها يقوم الوطن أو لا يقوم.

لقد آن للذين يتأففون من ذكر الانتماء العربي لمصر وأولئك الذين ينفرون من انتمائها الإسلامي أن يراجعوا أنفسهم، ذلك أن هوية مصر لا ينبغي أن تخضع للمساواة أو الخصم، وبالتالي لا ينبغي أن نتساءل أو نتحفظ على مقومات هذه الهوية، وإنما ينبغي أن ينصب التساؤل على كيفية استثمار تلك المقومات، بحيث تصبح مصدرا للقوة والمنعة وليس عنصرا سلبيا يخصم من رصيد الوطن ولا يضيف إليه.

وإذا كانت تركيا قد نجحت في توظيف المصالحة مع التاريخ والجغرافيا لصالح مشروع النهضة الذي تتقدم على طريقه الآن، فما الذي يمنع مصر أن تتنكب الطريق ذاته، خصوصا أن نهوضها سيعني في حقيقة الأمر صحوة الأمة العربية كلها، بما يعيدها إلى مجرى التاريخ الذي خرجت منه منذ انكسرت وانكفأت، وتنكرت للتاريخ والجغرافيا في فترة مظلمة من تاريخها.

(3)

التصالح الذي أدعو إليه له وجه آخر، إذ يقتضي مراجعة جادة للعديد من الأساطير التي جرى الترويج لها في ظل العهد السابق. ويحضرني في هذا الصدد موقف تعرضت له خلال الأسابيع الأخيرة، فقد استقبلت شابا جاءني لكي يجري حوارا ضمن مشروع دراسي يعده، وكان أول سؤال وجهه إلي هو: هل تعتقد أن قطر تقف وراء المظاهرات التي خرجت إلى ميدان التحرير؟.. فوجئت بالسؤال الذي لم أتوقعه، ولم أنشغل بالإجابة عنه بقدر انشغالي بمعرفة الخلفية التي جعلته يفكر فيه ويستهل به الحوار، وحين ناقشته في ذلك أدهشني أنني وجدته مقتنعا بأن قطر تتآمر على مصر، وأن قناة الجزيرة أداتها في ذلك.

لم يكن تفكير الشاب استثنائيا، لأن الانطباع الذي عبر عنه له أنصاره في بعض الأوساط المصرية، وكان الجديد فقط أن ظنونه ذهبت في ذلك إلى أبعد مما ينبغي.

إذا أدركت أنه ليست هناك مشكلة من أي نوع بين مصر وقطر، وأن المشكلة الحقيقية أن الجهات الإعلامية والأمنية في النظام السابق أرادت أن تعامل قناة الجزيرة كما تعامل التلفزيون الرسمي المصري، وأن ما كانت تبثه القناة عن مصر أقل بكثير مما كانت تنشره الصحف المصرية المستقلة والمعارضة، فستكتشف أن الأبواق الدعائية المصرية في دفاعها عن النظام السابق، لم ينل بتشويه الإدراك المصري وإحداث الوقيعة بين الشعبين.

"
لا أحد يستطيع أن ينسى الأزمة المخجلة التي ثارت مع الجزائر بسبب مباراة لكرة القدم, وكانت نموذجا للخبل السياسي الذي أصاب الإعلام بلوثه حتى أعلنتها أبواقه حربا شرسة قبيحة
"
الذي حدث مع قطر تكرر بصورة أقسى مع الفلسطينيين الذين صورهم الإعلام المصري الموجه باعتبارهم خطرا يهدد أمن مصر ويسعى إلى ضرب اقتصادها، خصوصا حين رفضت حركة حماس الوصاية المصرية وتمسكت بالدفاع عن ثوابت القضية في مواجهة حملة تصفيتها الجارية على قدم وساق.

وقد اشتدت تلك الحملة بعدما حاول فلسطينيو غزة تجاوز بوابة رفح احتجاجا على الحصار الذي شاركت فيه مصر. وكانت نتيجة التعبئة المضادة التي تنافست وسائل الإعلام المصرية في إطلاقها آنذاك، أنْ تصوَّر البعض أن العدو الإستراتيجي هو فلسطينيو غزة وحركة حماس تحديدا وليس إسرائيل.

هذا المنطق المختل أدى أيضا إلى تخريب العلاقات بين مصر وسوريا. وفي ظل ذلك التخريب سكت الجميع على مفارقة مفجعة أدت إلى أن أصبح الطريق مفتوحا وممهدا بين القاهرة وتل أبيب، في حين صار ذلك الطريق مقطوعا بين القاهرة ودمشق. كما أن أحدا لا يستطيع أن ينسى الأزمة المخجلة التي ثارت مع الجزائر بسبب مباراة لكرة القدم، وكانت نموذجا للخبل السياسي الذي أصاب الإعلام بلوثه، حتى أعلنتها أبواقه حربا شرسة وقبيحة أوصلت العلاقات بين البلدين إلى الحضيض.

(4)

من الأساطير التي شاعت أيضا في ظل النظام السابق، أن إيران عدوة لمصر، وأن حزب الله يسعى إلى تخريبها وضرب اقتصادها. والأسطورة الأولى كانت وراء القطيعة المستمرة بين البلدين منذ قامت الثورة الإسلامية عام 1979، وحتى اللحظة الراهنة.

ولأنني واحد ممن تابعوا مسار العلاقات بين القاهرة وطهران منذ السنة الأولى للثورة، ولم أجد سببا مقنعا للقطيعة بين البلدين، ولا لتصنيف إيران بأنها عدو لمصر، فهمت أن ثمة عداء له ما يبرره بين إيران الثورة وبين الأميركيين، وأن العداء الأكبر قائم بينها وبين إسرائيل. لذلك فإنه في غياب أية أسباب جوهرية لاستمرار القطيعة والخصومة بين القاهرة وطهران، فإن انحياز مصر إلى موقف القطيعة لم يكن يفسر إلا بأنه يتم بالوكالة عن الأعداء الحقيقيين.

أدري أن ثمة خلافات سياسية بين البلدين، وأن هناك ملفات عالقة بعضها عربي والبعض الآخر أمني مصري، لكن من قال إن العلاقات الدبلوماسية لا تقوم بين الدول إلا في حالة الاتفاق بينها في كل شيء؟! علما بأن الدول الأشد خلافا مع إيران -مثل السعودية والإمارات- تحتفظ بعلاقات دبلوماسية طبيعية مع طهران.

ومن المفارقات المثيرة للدهشة في هذا الصدد أن التناقضات الإستراتيجية بين مصر وإسرائيل -وهي أكثر عمقا وجذرية- أمكن تجاوزها بصورة نسبية، في حين أن التناقضات الثانوية والفرعية بين مصر وإيران تعذر حلها.

تهديد حزب الله في لبنان لمصر أسطورة أخرى جرى الترويج لها بعد اكتشاف دخول عناصر من الحزب إلى مصر بحثاً عن وسيلة لمساعدة الفلسطينيين المحاصرين في غزة. وقد جرى التهويل في هذه العملية التي كان يمكن احتواؤها بسهولة، خصوصا أنه لم يكن فيها أي شيء ضد مصر. وبعدما تولت الأجهزة الأمنية نسج الأكاذيب التي حولت العملية إلى مؤامرة، قام الإعلام المصري بدوره في تشويه حزب الله وهجائه بصورة مُسِفَّة ومقذعة.

"
التناقضات الإستراتيجية بين مصر وإسرائيل -وهي أكثر عمقا وجذرية- أمكن تجاوزها بصورة نسبية، في حين أن التناقضات الثانوية والفرعية بين مصر وإيران تعذر حلها
"
وانتهي الأمر بمصر الكبيرة التي كانت لاعبا رئيسيا في الساحة اللبنانية، أن أصبحت طرفا صغيرا فاقد الاحترام والاعتبار في الصراع السياسي والطائفي هناك. الأسوأ من ذلك أن اصطفافها جاء إلى جانب الطرف المؤيد أميركيا وإسرائيليا وأوروبيا.

وأختم بأسطورة محور "الاعتدال" الذي قادته مصر أو انتسبت إليه، إذ يكفي لتكذيبها وإسقاطها أنه لم يحتف بذلك الاعتدال المريب سوى الولايات المتحدة وإسرائيل. بل يكفي لإدانة الموقف المصري في هذا الصدد أن رئيسها اعتُبِر كنزا إستراتيجيا لإسرائيل.

وهذه قرائن تدل دلالة صارخة على أننا بصدد عنوان مغشوش وضع فوق تجمع مشبوه، إذ إن ذلك التجمع كان نموذجا لحلف جديد تورطت فيه بعض الدول العربية لموالاة الدولتين الراعيتين (الولايات المتحدة وإسرائيل). والذي لا يقل خطرا عن ذلك أن الاصطفاف إلى جانب ذلك "الاعتدال" المريب، كان يعني مباشرة إدانة للمقاومة واستهجانا للممانعة وازدراء للصمود، وتمهيدا للطريق أمام الانبطاح الكامل في نهاية المطاف.

إن إزالة آثار العدوان "الوطني" على مصر مهمة أصعب بكثير من إزالة آثار العدوان الإسرائيلي عليها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة